الإمام الحسن (عليه السلام)الزكيّ
من ألقاب الإمام الحسن بن عليّ (عليه السلام) التي اشتهر بها: الزكيّ.
معنى الزكيّ :
إنّ الزكيّ من التزكية التي تعني أحد معنيين:
الأوّل: مأخوذ من الطهارة.
الثاني: بمعنى النموّ، فقول الإمام عليّ (عليه السلام)، " العلم يزكو على الإنفاق"[1] أي ينمو، وعليه فالتزكيّة تتناسب مع معنى الكمال.
وقد استخدم القرآن الكريم هذا المصطلح، معتبرًا أنّه يوصل إلى أعلى المراتب المنشودة وهي الفلاح.
وهذا ما نلاحظه من خلال الآيات الآتية:
1- قال تعالى في حديثه عن هدف الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾[2].
2- ثمّ تحدّث عن غاية العبادة بقوله عزّ وجلّ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾[3].
3- ثمّ تحدّث عن ما توصّل إليه التقوى: ﴿وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[4].
إذًا الفلاح هو غاية الغايات.
وقد اختصر الله تعالى الوصول إلى الفلاح بقوله: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى﴾[5]، ممّا يرشد إلى أهميّة التزكية في إيصالها إلى الهدف الأعلى للإنسان، والتزكية متعلِّقها النفس الإنسانيّة، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهاَ﴾[6].
ممّا تقدّم نقترب من فهم صفة الإمام الحسن (عليه السلام) وهي الزكيّ، فهو الطاهر من الله تعالى بنصّ آية التطهير، وهو الإنسان الكامل، الذي كان فيه العقل سلطان باقي القوى منذ صغره، كما يدلّ عليه حديث جدِّه المصطفى (صلى الله عليه وآله): "لو كان العقل رجلاً لكان الحسن "[7].
ومن المعلوم أنّ تلك الطهارة وهذا الكمال لم يكونا بالتكوين الجبريّ، بل إنّ لسلوك النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) دورًا فيها، فهم طالما سلكوا إلى الله تعالى ، وعرجوا بعباداتهم وتوجّههم إليه عزّ وجلّ.
وهذا ما نتلمّسه في سيرة الإمام الحسن الزكيّ (عليه السلام) في كثيرٍ من الشهادات البارزة في ذلك، والتي نعرض منها:
1- وضوؤه
عن ابن كثير: "كان (عليه السلام) إذا توضّأ تغيّر لونه"[8].
2- صلاته
عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): "إنّ الحسن بن عليّ (عليه السلام)... كان إذا قام في صلاته ترتعدّ فرائصه بين يدي ربِّه عزّ وجلّ"[9].
وعنه (عليه السلام): "كان الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يصلّي فمرَّ بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه، فلمّا انصرف من صلاته، قال له: لمَ نهيت الرجل؟ قال: يا ابن رسول الله حظر فيما بينك وبين المحراب. فقال (عليه السلام): ويحك! إنّ الله عزّ وجلّ أقرب إليّ من أن يحظر فيما بيني وبينه أحد"[10].
وعن ابن كثير: كان الحسن(عليه السلام) إذا صلّى الغداة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجلس في مصلاه يذكر الله حتى ترتفع الشمس[11].
وكان (عليه السلام) يقول: "سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "من صلّى الفجر، فجلس في مصلاه إلى طلوع الشمس ستره الله من النار"[12].
3- حجّه
عن الإمام الحسن (عليه السلام): "إنّي لأستحيي من ربّي أن ألقاه، ولم أمشِ إلى بيته"[13]، فمشى عشرين مرة. وفي رواية خمسًا وعشرين مرة، من المدينة إلى مكّة على قدميه[14].
4- ذكره الآخرة
عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنّ الحسن بن عليّ... كان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها"[15].
عن الإمام زين العابدين: "كان [أي الحسن (عليه السلام)] إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم[16]، وسأل الله الجنّة وتعوَّذ بالله من النار"[17].
5- دعاؤه
ذكر الترمذي عن الإمام الحسن (عليه السلام): "علّمني رسول الله صلّى الله عليه وآله كلمات أقولهنّ في قنوت الوتر: (اللهم، اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شرّ ما قضيت، فإنّك تقضي ولا يقضى عليك، وإنّه لا يذلّ من واليت، تباركت ربّنا وتعاليت"[18].
6- اعتكافه
روى الصدوق بسنده عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسًا عند الحسن بن عليّ (عليه السلام)، فأتاه رجل، فقال له: يا ابن رسول الله، إنّ فلانًا له عليّ مال ويريد أن يحبسني، فقال: "والله ما عندي مال فأقضي عنك، قال: فكلّمه، فلبس الحسن (عليه السلام) نعله، فقلت: يا ابن رسول الله، أنيست اعتكافك؟ فقال: لم أنسَ ولكنّي سمعت أبي يحدِّث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله، قال: من سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنّما عبد الله عزّ وجلّ تسعة آلاف سنة صائمًا نهاره، قائمًا ليلة"[19].
تأثير التزكية في حبّ الناس :
إنّ تزكية الإنسان لنفسه وتنقية قلبه وسريرته تنتج انبعاث النور من ذلك الحبّ ممّا يولِّد انجذاب الآخرين إلى صاحب القلب النورانيّ وحبِّهم لهم ممّا يساهم في هدايتهم إلى سبيل الله تعالى، وهذا المعنى يعتبره بعض المفسِّرين تأويلاً لقوله تعالى الذي يخاطب به
كليمه موسى (عليه السلام):
﴿... وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ... ﴾[20].
﴿ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى ﴾[21].
﴿ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ﴾[22].
حبّ الناس للإمام الحسن (عليه السلام):
من منطلق القلب النورانيّ للإمام أحبَّه الناس حبًا كثيرًا تجلّت بعض مشاهد كثيرة في سيرة الإمام (عليه السلام)، نتعرّض لها في العنوان اللاحق وهو الحسن الحبيب.
[1] - المجلسي ، محمد باقر ، بحار الأنوار ، ج 75 ، ص 76.
[2] سورة الذاريات، الآية 56.
[3] سورة البقرة، الآية 21.
[4] سورة البقرة، الآية 189.
[5] سورة الأعلى، الآية 14.
[6] سورة الشمس، الآيات 7-10.
[7] - مرتضى ، جعفر ، الحياة السياسيّة للإمام الحسن (عليه السلام) ، ص 9.
[8] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج77، ص 346.
[9] الصدوق، محمد، الأمالي، ص 244.
[10] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج3، ص 329.
[11] النجفي، المرعشي، شرح إحقاق الحق، ج33، ص 560.
[12] الدولابي، محمّد، الذرية الطاهرة النبوية، تحقيق سعد المبارك الحسن، ط1، الكويت، الدار السلفية، 1407هـ، ص 119.
[13] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص339.
[14] - راجع : الشافعي ، محمد بن طلحة ، مطالب السؤول في مناقب آل الرسول (عليه السلام) ، ص 342.
[15] الصدوق، محمّد، الأمالي، ص 244.
[16] - قال الراغب الاصفهاني : السلم والسلامة التعرّي من الآفات الظاهرة والباطنة.
[17] الأمالي ، مصدر مذكور ، ص 244.
[18]- بن قدامة ، عبد الله ، المغني، ج1، ص 785.
[19] الحرّ العامليّ، محمّد حسن، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، ط2، قم، 1414هـ، ج10، ص 550.
[20] سورة النمل، الآية 12.
[21] سورة طه، الآية 22.
[22] سورة القصص، الآية 32.