الإمام الحسن (عليه السلام) الحبيب
حبّ الناس للإمام (عليه السلام)
في تاريخ الإمام الحسن (عليه السلام) مشاهد ناطقة بالحبّ فقد كان (عليه السلام) يبسط له باب داره، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق، فما يمرّ أحد من خلق الله إجلالاً له[1].
وكان (عليه السلام) إذا نزل عن راحلته في طريق مكّة ومشى، لا يبقى من خلق الله أحدًا إلاّ نزل ومشى[2].
وعن معاوية الذي يعدّ من أعداء الإمام الحسن (عليه السلام): "ما تكلّم عندي أحد كان أحبّ إليّ إذا تكلّم أن لا يسكت من الحسن بن عليّ (عليه السلام)"[3].
وقال ابن كثير: "وأحبّوه أشدّ من حبّهم لأبيه"[4].
ما هو سرُّ الحبّ؟
إنّ معنى الحبّ هو انجذاب قلب المُحبّ لما يراه من كمالات المحبوب، فحبّ الإمام (عليه السلام) كان لكمالاته التي جذبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فكان يقول:
- وهو يحمل الحسين ويجرُّ الحسن (عليه السلام): "من أحبّ هذين وأباهما وأمّهما كان معي في درجتي في الجنّة"[5].
- وهو مستلقٍ على ظهره، والحسن والحسين يلعبان على بطنه، بعدما سألته فاطمة (عليه السلام) أتحبّهما يا رسول الله: "وكيف لا أحبّهما وهما ريحانتاي في الدنيا والآخرة"[6].
- وهو يحبو بالحسن والحسين (عليه السلام) وهما على ظهره: "نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما"[7].
وكان يقول: "من أحبّ الحسن والحسين أحببته، ومن أحببته أحبَّه الله، ومن أحبَّه الله أدخله الجنّة"[8].
- وعن موسى بن مطير، عن أبيه، قال: كنت جالسًا مع أبي هريرة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ مرّ بنا الحسين (عليه السلام)، فقام إليه أبو هريرة، فسلّم عليه. ورحّب به. وقال: بأبي أنت وأمّي يا بن رسول الله. ثمّ عاد إلينا. فقال: ألا أحدّثكم عن هذا وعن أخيه؟ قلنا: بلى. وذلك مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يُغيَّر. فقال: :إنّي جالس في أصل هذا العمود أنتظر الصلاة، إذ خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فوقف، فصلّى ركعتين، وأنّه لفي السجدة الثانية إذ خرج أخو هذا – يعني الحسن (عليه السلام)- وهو غلام يشتدّ نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهى إليه، وهو ساجد، فركب على ظهره، ثمّ خرج هذا يشتدّ خلفه حتى ركب خلفه، فرأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يريد أن يرفع صلبه، فلم يمنعه إلاّ مكانهما، فقمت وأخذتهما أخذًا رفيقًا عن ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووضعتهما على الأرض، وجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فتعلّقا بعنقه. فلمّا انصرف من الصلاة، أخذهما فوضعهما في حجره، وقبّل كلّ واحدٍ منهما. ثمّ قال لي: يا أبا هريرة من أحبّني فليحبّهما. يقولها: - ثلاث مرات-"[9].
- وورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قوله: "وأمّا الحسن (عليه السلام) فإنّه ابني وولدي، ومنّي، وقرّة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيّد شباب أهل الجنّة، وحجّة الله على الأمّة، أمره أمري، وقوله قولي، فمن تبعه، فإنّه منّي، ومن عصاه فليس منّي"[10].
من كمالات الإمام الحسن (عليه السلام)
ومن تلك الكمالات أعرض نموذجًا:
1- العقل
عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لو كان العقل رجلاً لكان الحسن"[11].
وآية المباهلة دليل على عقل الإمام وهو صغير السن، إذ كيف يباهل رسول الله داعيًا إنزال عذابه على الكاذبين بمن ليس له المستوى العقليّ الكامل.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾[12].
2- السِمَة
عن ابنة أبي رافع قالت: أتت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بابنيها الحسن والحسين (عليه السلام) إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شكواه الذي توفي فيه، فقالت: يا رسول الله، هذان ابناك فورِّثهما شيئًا. قال: أمّا الحسن، فإنّه له هيبتي وسؤددي..."[13].
عن واصل بن عطاء واصفًا الإمام الحسن: "كان الحسن بن عليّ (عليه السلام) عليه سيماء الأنبياء وبهاء الملوك"[14].
وورد في وصفه: "لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الحسن بن علي (عليه السلام)"[15].
3- العبادة
روى الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "قال أبي عن أبيه: أنّ الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان أعبد الناس في زمانه، وأزهدهم وأفضلهم، وكان إذا حجّ، حجّ ماشيًا، وربّما مشى حافيًا؛ وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر الممرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقة يغشى عليه منها. وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربّه عزّ وجل، وكان إذا ذكر الجنّة والنار اضطرب اضطراب السليم (لدغته حية أو عقرب)، وسأل الله الجنّة، وتعوّذ به من النار. وكان (عليه السلام) لا يقرأ من كتاب الله عزّ وجلّ: (يا أيّها الذين آمنوا) إلاّ قال: لبيك اللهمّ لبيك، ولم يُرَ في شيء من أحواله إلاّ ذاكرًا الله سبحانه، وكان أصدق الناس لهجة، وأفصحهم منطقًا..." [16].
وروي في سيرته أنّه حجَّ خمس عشرة حجّة ماشيًا[17].
4- الزهد في الدنيا
في سيرته (عليه السلام) أنّه خرج من ماله مرتين، وقاسم الله عزّ وجلّ ثلاث مرّات[18].
5- التعامل مع الناس
روى المبرّد أنّ شاميًّا رآه راكبًا فجعل يلعنه، والحسن (عليه السلام) لا يردّ، فلمّا فرغ أقبل الحسن (عليه السلام)، فسلّم عليه وضحك وقال:" أيّها الشيخ، أظنّك غريبًا، ولعلّك شُبّهت، فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعًا أشبعناك، وإن كنت عريانًا كسوناك، وإن كنت محتاجًا أغنيناك، وإن كنت طريدًا آويناك، وإن كان له حاجة قضيناها لك. فلو حرّكت رحلك إلينا، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك، كان أعود عليك؛ لأنّ لنا موضعًا رحبًا، وجاهًا عريضًا، ومالاً كثيرًا. فلمّا سمع الرجل كلامه بكى، ثمّ قال: أشهد أنّك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ. وحوّل رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدًا لمحبّتهم"[19].
المودّة هي المطلوب
إنّ هذه الكمالات تجذب الإنسان بفطرته نحو صاحبها فيحصل الحبّ، إلاّ أنّ الله تعالى أراد أن نفعِّل الحبّ ليكون مودّة.
قال تعالى: ﴿قل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[20].
في صحيح البخاريّ وسنن الترمذيّ والسنن الكبرى ومسند أحمد بن حنبل عن سعيد عن جبير في تفسير معنى القربى قال: "قربى آل محمّد"[21].
وفي مجمع الزوائد للهيثميّ والمعجم الكبير للطبرانيّ عن ابن عباس، قال: لما نزلت ﴿قل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[22] ، قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودّتهم؟ قال (صلى الله عليه وآله): "عليّ وفاطمة وابناهما"[23].
وفي تحفة الآخوندي: قالوا: يا رسول الله، من هؤلاء الذين أمر الله بمودّتهم؟ قال (عليه السلام): "فاطمة وولدها"[24].
إنّ معنى المودّة هو الحبّ المفعّل من خلال التعبير أو السلوك، فكيف نفعّل حبّنا للإمام الحسن (عليه السلام)؟
هناك موارد كثيرة لتفعيل هذا الحبّ من قبيل:
1- أن نسمي أبناءنا باسمه، فما أجمل اسم حسن، وقد اشتقّ رسول الله من اسمه حسين.
2- أن نتحدّث عن سيرته، مناقبه وكمالاته في جلساتنا، ورحلاتنا.
3- أن نحتفل بولادته، وننشر الفرح فيها، فشيعتنا يفرحون لفرحنا.
4- أن نعاهده أنّنا
- لن نسمح لأحد أن يأخذ البساط من خيمة القيادة.
- لن نقول له "البقية البقية"، نريد بذلك الدعة وسلامة الأنفس.
- سنرفض كلّ خائن فينا يبيع مبادئه بالدنيا، كما باع ذلك عبيد الله بن العباس.
- لن نرضخ لإغراءات أعداء الله مهما بلغت
- لن ننجر للدعايات المغرضة المشوِّهة للحقيقة، بل سنبقى معك نردّدها على الملأ (معكم معكم لا مع عدوّكم) مهما تكاثر الأعداء، فإنّ كثرتهم تزيدنا إيمانًا بصدق قضيّتنا... مهما اجتمع الأحزاب علينا، فإنّ اجتماعهم يزيدنا ثباتًا على الحقّ.
[1] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، تحقيق حسن الأمين، (لا،ط)، بيروت، دار التعارف، (لا،ت)، ج1، ص 563.
[2] أنظر: الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص 563.
[3] ابن عساكر، علي، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، (لا،ط)، بيروت، دار الفكر، 1415هـ، ج13، ص 252.
[4] ابن كثير، إسماعيل، البداية والنهاية، تحقيق علي شيري، ط1، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1408هـ، ج8، ص45.
[5] القاضي النعمان، أبو حنيفة، تحقيق محمد الحسيني الجلالي، (لا،ط)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، (لا،ت)، ج3، ص 98.
[6] المصدر السابق، ص100.
[7] المتقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال، (لا،ط)، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1409هـ، ج13، ص663.
[8] القاضي النعمان، أبو حنيفة، شرح الأخبار، ج3، ص101.
[9] المصدر السابق، ص102-103.
[10] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، تحقيق محمد الباقر البهبودي، ط2، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1403هـ، ج 28، ص 39.
[11] البحراني، هاشم، غاية المرام، تحقيق علي عاشور، (لا،ط)، (لا،م)، (لا،ن)، (لا،ت)، ج5، ص34.
[12] سورة آل عمران، الآية 61.
[13] الصدوق، محمّد، الخصال، (لا،ط)، قم، منشورات جماعة المدرسين، 1403هـ، ص 77.
[14] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 339.
[15] المفيد، محمّد، الإرشاد، تحقيق مؤسسة أهل البيت، بيروت، دار المفيد، 1414هـ، ج2، ص 5.
[16] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص331.
[17] المصدر السابق، ص 347.
[18] المصدر السابق، ص357.
[19] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 344.
[20] سورة الشورى، الآية 23.
[21] أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، (لا، ط)، بيروت، دار صادر، (لا، ت)، ج1، ص286. البخاريّ، محمّد، صحيح البخاريّ، (لا,ط), بيروت, دار الفكر, ج6، ص37. الترمذي، محمّد، سنن الترمذي، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، (لا، ط)، بيروت، دار الفكر، 1983م، ج5، ص54. النسائي، أحمد بن شعيب، سنن النسائي، ط1، بيروت، دار الفكر، 1930م، ج6، ص453.
[22] سورة الشورى، الآية 23.
[23] الهيثمي، علي، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، (لا، ط)، بيروت، دار الكتب العلمية، 1988م، ج7، ص 103. الطبراني، سليمان، المعحم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، بيروت، دار إحياء التراث العربي، (لا، ت)، ج3، ص47.
[24] المباركفوري، محمّد، تحفة الآخوندي، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1410هـ، ج9، ص91.