الإمام الحسن (عليه السلام) الناصح
السلام عليك يا حسن بن عليّ أيّها الزّكي الناصح الأمين.
الناصح من صفات للإمام الحسن (عليه السلام) كما هو الحال في سائر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأنبياء الله تعالى (عليهم السلام).
ففي القرآن الكريم وصف النبي هود (عليه السلام) بها نفسه، قال عزّ وجلّ: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾[1].
ووصف بها نبي الله نوح (عليه السلام) نفسه، قال عزّ وجلّ: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾[2].
وكما في الأنبياء أكّدت الأحاديث هذه الصفة في الأئمة (عليهم السلام)، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنَّ عَلِيَّاً عليه السلام كَانَ عَبدَاً نَاصِحَاً للَّه عَزَّ وَجَلَّ ...".
وقد اكّد الإمام الحسن (عليه السلام) هذه الصّفة في نفسه حينما خطب في المسلمين في أحداث ولايته قائلاً: " أما بعد: فوالله إني لأرجو أن أكون قد أصبحت - بحمد الله عنه -وأنا أنصح خلق الله لخلقه "[3].
وفي الأحاديث الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) حديث لافت يقول فيه (صلى الله عليه وآله) –كما ورد: "الدِّين النَّصيحة ".
فما معنى هذه الصّفة المهمّة؟
وما هي غاياتها وأهدافها؟
وكيف نفعّلها في حياتنا نصحاً وانتصاحاً؟
معنى النّصيحة:
النصيحة كلمة تعبّر عن معنى هو إرادة الخير للمنصوح له. ولا تجد في اللغة كلمة تجمع هذا المعنى غير النصيحة.
ولهذه الكلمة جذر تفيد معرفته في التعمّق بفهم أبعاد هذه الكلمة، فبحسب التتبّع اللغوي فإنّ النصيحة تنطلق في معناها من أمرين:
الأول: الخلوص والنقاء، ففي كتاب الصحاح: "كلّ شيء خلص فقد نصح "[4]، ورجل ناصح الحبيب أي نقيّ القلب، والناصح الخالص من العسل وغيره[5].
الثاني: الخياطة، ففي الصحاح: "نصحت الثوب: خطّته"[6]. والناصح: الخياط، ويعبّر في اللغة عن السِّلك الذي يُخاط به النّصاح[7].
وربط معنى النصيحة الذي نعهده بهذين الأمرين يتّضح من كون النّاصح لغيره هو الخالص في ما ينصحه، لا يغشه فيه، بل يراي في ما يدعوه إليه مصلحة المنصوح دون أيّة مآرب آخرى.
وأيضاً، فإنّ النّاصح للغير هو الذي يحاول بنصحه أن يُصلح المنصوح ويزيل الثغرة التي يراها فيه، كما يصلح الخياط الثوب ويرتّيه بجمع أطرافه، وإعادتها إلى الالتئام الحَسَن، تشبيهاً للأمر المعنوي بالمادي على حدّ التعبير المنسوب لرسول الله (صلى الله عليه وآله): "من اغتاب خرق، ومن استغفر رفأ "[8] أي رقَّع ما خرقه.
ويمكن إرجاع معنى الخياطة هذا إلى الخلوص، باعتبار أنّ عمل الخياط يزيل العيب عن الثوب ليرجع إلى كماله الخالص من ذلك العيب.
أقسام النصيحة:
عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): "مَن لا يهتم بأمور المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمسي ناصحاً:
1- لله عز وجل،
2- ولرسوله،
3- ولكتابه،
4- ولإمامه،
5- ولعامّة المسلمين،
فليس منهم"[9].
فالنصيحة لله أن يخلص في الاعتقاد بوحدانيته وإخلاص النيّة له.
والنصيحة لرسول الله أن يكون خالصاً في التصديق برسالته والانقياد لأوامره. والنصيحة للإمام بمعنى الخلوص له، وهذا ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) في زيارته لأبي الفضل العباس: " أشهد لك بالتسليم والتصديق والوفاء والنصيحة لخلف النبي صلى الله عليه وآله "[10].
والنصيحة لكتاب الله أن يكون خالصاً بالتصديق به، والعمل بما فيه.
والنصيحة لعامّة المسلمين هي إرشادهم إلى إصلاح حالهم، وتحقيق مصالحهم، ودرء المفاسد عنهم، وهذا القسم هو الذي كثُرت في توضيحه الروايات الواردة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وآهل بيته (عليه السلام) مبيِّنة ثوابه العظيم فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): " إنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْشَاهُمْ فِي أَرْضِه بِالنَّصِيحَةِ لِخَلْقِه"[11].
ونذكر من تلك الروايات الشريفة ما يأتي:
النصيحة للنفس أولاً:
قبل أن ينصح الإنسان الآخر عليه أن يكون ناصحاً لنفسه في دفع العيوب عنها، وتحصيل كمالها المطلوب، وقد أكّد الإمام علي (عليه السلام) هذا المعنى بقوله: "إنّ أنصح الناس أنصحهم لنفسه، وأطوعهم لربّه"[12]. وعنه (صلى الله عليه وآله): " من نصح نفسه كان جديراً بنصح غيره، ومن غشّ نفسه كان أغش لغيره "[13].
كيف ننصح الناس؟
أكّدت الروايات على الكيفيّة التي ينبغي أن تكون عليها النصيحة، وهي:
1- أن تكون ممزوجة بالعاطفة
عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): "حق المستنصح أن تؤدي إليه النصيحة، وليكن مذهبك الرحمة له "[14].
2- أن تكون بصيغة الليونة
يكمل الإمام زين العابدين (عليه السلام) حديثه السابق بقوله: " والرفق به".
وقد أعطى الحسن والحسين (عليه السلام) نموذجاً رائعاً في هذا الرفق وهما صغيران، فقد ورد أنّ الحسن والحسين مرّا على شيخ يتوضأ ولا يحسن، فأخذا في التنازع يقول كلّ واحد منهما: أنت لا تحسن الوضوء فقالا: أيّها الشيخ كن حكما بيننا يتوضأ كل واحد منا فتوضئا ثم قالا: أيّنا يُحسن؟ قال: كلاكما تحسنان الوضوء، ولكنّ هذا الشيخ الجاهل هو الذي لم يكن يُحسن، وقد تعلّم الآن منكما، وتاب على يديكما ببركتكما وشفقتكما على أمّة جدّكما [15].
كيف نتعامل مع النّاصح؟
وجّهتنا الروايات أن نُقابل النّصيحة بالآتي:
1- قبول النصيحة:
عن الإمام علي (عليه السلام): "... واقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ..."[16]
ويرشدنا الإمام الباقر (عليه السلام) إلى قبول النّصيحة حتى لو كانت قاسية في قوله (عليه السلام): " اتَّبِعْ مَنْ يُبْكِيكَ وهُوَ لَكَ نَاصِحٌ ولَا تَتَّبِعْ مَنْ يُضْحِكُكَ وهُوَ لَكَ غَاشٌّ"[17].
2- عدم الانزعاج من النّاصح والتواضع له:
عن الإمام زين العابدين (عليه السلام): " وحقّ النّاصح أن تلين له جناحك "[18].
3-الإصغاء إلى النّاصح:
يكمل الإمام زين العابدين (عليه السلام) حديثه السابق بقوله:" وتصغي إليه بسمعك"[19].
4- التفكير بمضمون النّصيحة بموضوعيّة:
عن الإمام علي (عليه السلام) في حديثه الأسبق: " اسمعوا النصيحة ممن أهداها إليكم، واعقلوها على أنفسكم "[20].
5- عدم اتّهام النّاصح:
عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حديثه عن النصيحة التي قد تكون غير مطابقة للواقع: "... وإن لم يُوفَّق رحمته ولم تتّهمه"[21].
جعلنا الله عزّ وجلّ من النّاصحين لأنفسنا ولغيرنا المتقبّلين لنصيحة الآخرين.
[1] سورة الأعراف: الآية 68.
[2] سورة الأعراف: الآية 62.
[3] الشيخ المفيد، الإرشاد، ج2، ص11.
[4] الجوهري، الصحاح، ج1،ص411.
[5] (م،ن).
[6] (م،ن).
[7] راجع: الجوهري (م،ن).
[8] ابن منظور، لسان العرب، ج2، ص617.
[9] الهيثمي، مجمع الزوائد، ج1، ص87.
[10] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد، ص725.
[11] الكليني، محمد بن يعقوب، ج2، ص208.
[12] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج2، ص1751.
[13] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج4، ص3280.
[14] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص456.
[15] المجلسي،محمد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص319.
[16] نهج البلاغة (تحقيق صبحي صالح)، ص187.
[17] الكليني، محمد بن يعقوب، ج2، ص638.
[18] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص456.
[19] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص456.
[20] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج4، ص3281.
[21] الصدوق، (م،ن).