الإمام الحسن (عليه السلام) المصالح
الوضع العام قبل الإمام الحسن(عليه السلام)
من أقوال الإمام علي(عليه السلام) في مجتمع الكوفة:
-"ذهب والله أولو النهي والفضل والتقى الذين كانوا يقولون فيصدِقون، ويُدعَون فيُجيبون، ويلقون عدوَّهم فيصبرون، وبقيت لي حثالة قوم لا يتّعظون بموعظة، ولا يفكِّرون في عاقبة"[1].
-"يا أهل الكوفة كلما سمعتم بجمع من أهل الشام أظلّكم، انجحر كل امرئ منكم في بيته وأغلق عليه بابه انجحار الضبّ قي جحره... ماذا منيت به منكم، عميٌ لا يبصرون وبكمٌ لا ينطقون وصمٌّ لا يسمعون إنا لله وإنا إليه راجعون"[2].
بيعة الإمام الحسن(عليه السلام)
جاء الخوارج وشرطوا في بيعته حرب أهل الشام فقبض الإمام الحسن(عليه السلام) يده عن بيعتهم، وأرادها على السمع والطاعة، وعلى أن يحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم، وقد أجرو محاولة فاشلة مع الإمام الحسين(عليه السلام) وفي النهاية بايعوه.
الخطوات العمليّة الأولى في حكومة الإمام الحسن (عليه السلام)
عمل الإمام الحسن(عليه السلام) على إعادة القوة العسكرية، واستنهاض جيشه عبر خطوات هي:
1- زاد المقاتلين مئة مئة.
2- هدَّد معاوية بالحرب، فأرسل إليه :" وإن أنت أبيت إلا التمادي في غيِّك، سرتُ إليك بالمسلمين فحاكمتك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين"[3].
3- جمع عشرين ألفاً على أكثر المصادر، وأرسل ابن عمه عبيد الله بن العباس الذي قتل رسول معاوية (بسر بن أرطأة) ولديه، مع إرسال نائبه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري على رأس اثني عشر ألف مقاتل إلى معسكر مسكن.
مشاكل واجهت حركة الإمام الحسن(عليه السلام)
1- كان عدد جيش الإمام الحسن (عليه السلام) 20 ألفاً، بينما عدد جيش معاوية 60 ألفاً أو 68 ألفاً.
2- خيانة عبيد الله بن العباس وهو القائد الأول على جيش مسكن: أرسل له معاوية مليون درهم، وكلاماً أنَّ الإمام الحسن(عليه السلام) سيضطر إلى الصلح، فخير لك أن تكون متبوعاً ولا تكون تابعاً، ففرَّ مع ثمانية آلاف مقاتل.
3- انتشار شائعة في الجيش: انتشرت في جيش الإمام الحسن (عليه السلام) شائعة مفادها أنَّ قيس بن سعد (القائد الثاني على جيش مسكن) قد قُتل فانفروا، فحصل اضطراب عظيم في الجيش حتى وصل الأمر انّهم نهبوا متاع الإمام الحسن (عليه السلام) ونزعوا رداءه وبسطاً تحته[4].
4- محاولة اغتيال الإمام الحسن(عليه السلام) من معاوية: دسّ معاوية إلى أربعة من أفراد جيش الإمام الحسن(عليه السلام) رسائل تحوي جوائز قتل الإمام الحسن(عليه السلام) وهي 100 ألف أو مليون درهم/ وجند من جنود الشام/ وبنت من بنات معاوية. فبلغ الإمام الحسن(عليه السلام) ذلك، فالتمَّ بدرع فجاءه سهم وهو يصلّي فثبت في لامته.
5- محاولة ثانية لقتل الإمام الحسن(عليه السلام) من الخواراج: كان الإمام الحسن(عليه السلام) على فرسه أو بغلته، فتقدَّم أحدهم بسيفه وضربه على فخذه حتى وصلت الضربة إلى العظم، وقال له: "أشركت كما أشرك أبوك"[5].
6- فتنة الوفد الشامي: أرسل معاوية وفداً معه رسالات أصحاب الإمام الحسن(عليه السلام) لمعاوية، فلم يقبل الإمام الحسن (عليه السلام)، بل وعظهم، فخرجوا قائلين: "إنّ الله قد حقن بابن رسول الله الدماء، وسكَّن به الفتنة، وأجاب إلى الصلح"[6]، فحدث بسبب ذلك اضطراب كبير في جيش الإمام الحسن (عليه السلام).
خلاصة الاتجاهات الموجودة في جيش الإمام الحسن(عليه السلام)
يمكن تقسيم من كان في جيش الإمام الحسن (عليه السلام) إلى الأقسام الآتية:
1- جواسيس لمعاوية.
2- خوارج.
3- شكَّاكون: متأثّرون بدعوة الخوارج لا هنا ولا هنا، يغلب على طابعهم الانهزام.
4- جنود المنتصر.
5- أصحاب الإمام الحسن(عليه السلام).
معاوية يعرض الصلح:
في ظلّ هذا المشهد أرسل معاوية رسالة فارغة في اسفلها توقيعه، عارضاً الصلح مع الإمام الحسن (عليه السلام)، على أن يستلم معاوية السلطة، بالشروط التي يضعها الإمام (عليه السلام).
لماذا عرض معاوية الصلح ؟
السبب الأول: إلقاء المسؤولية على الإمام (عليه السلام): "دعا معاوية إلى الصلح، وأشهد على دعوته أكبر عدد ممكن من الناس في الشام والعراق وفي سائر الآفاق الإسلامية حتى يُلقي مسؤولية الحرب على الإمام الحسن (عليه السلام) ويقول للناس: إني دعوت الحسن للصلح ولكن الحسن أبى إلا الحرب، وكنتُ أريد له الحياة، وأراد لي القتل. وأردتُ حقن الدماء، وأراد إهلاك الناس"[7].
السبب الثاني: شرعنة الخلافة:
خُيَّل لمعاوية أنَّ تنازل الإمام الحسن(عليه السلام) عن الحكم سيكون معناه في الرأي العام تنازله عن الخلافة، فيصبح الخليفة الشرعي في المسلمين. ولكن هل تحقق ذلك له ؟ الجواب يتضّح من التصريحات الآتية:
1- دخل على معاوية سعد بن أبي وقاص، فقال له : " السلام عليك أيّها الملك " فضحك له معاوية وقال : " ما كان عليك يا أبا اسحق لو قلت: يا أمير المؤمنين". قال سعد: " أتقولها جذلان ضاحكاً ، والله ما أحبّ أنّي وليتُها بما وليتَها به"[8] .
2- قال ابن عباس لأبي موسى الأشعري في كلام طويل : "ليس في معاوية خصلة تقرِّبه من الخلافة"[9].
3- وقال أبو هريرة: " الخلافة بالمدينة، والملك بالشام"[10].
خيارات الإمام الحسن(عليه السلام)
1-خيار استمرار القتال
قال الإمام الحسن(عليه السلام) مجيباً أحد أصحابه العاتبين: "والله لو وجدت أنصاراً لقاتلت معاوية ليلي ونهاري"[11].
وخير شاهد على ذلك هو خطاب الإمام الحسن(عليه السلام) في جيشه:
" ألا وإنّ معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإنْ أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله جلّ وعزّ بظُبَا[12] السيوف، وان أردتم الحياة قبلناه، وأخذنا لكم الرضا". فناداه القوم من كلّ جانب: البقيّة البقيّة"[13].
لم يسجّل التاريخ أيَّة معارضة في ذلك الجيش الحاضر، لكن في نفس الوقت ثار الناس في المدائن إنكاراً للصلح، وهذا يؤكِّد الشرخ الكبير الحاصل.
2- خيار الاستشهاد
للشهادة هدف وكون الشخصية عظيمة لا يؤدِّي قتلها دائماً إلى تحقيق هدف الشهادة، فعثمان قُتل ولم يُذكر شهيداً، بينما "جون" المولى الذي قُتل في كربلاء ذكر من أعظم شهداء التاريخ.
3- خيار الصلح
بقي الخيار الثالث وهو الصلح، والذي تتضح الحكمة منه من خلال الإجابة عن الإجابة السؤال الآتي:
ماذا لو لم يصالح الإمام الحسن (عليه السلام)؟
الجواب:
لقام معاوية بقتل الإمام الحسن (عليه السلام) واخيه الحسين (عليه السلام) وسائر أصحابه الذين يخاف منهم، وبالتالي لانتهى كلّ شيء.
ولقدَّم معاوية عذراً في ذلك أمام المسلمين بأنّه أراد الصلح والإبقاء على الإمام الحسن (عليه السلام) لكنّ الأخير (عليه السلام) هو الذي رفض وابى إلّا القتال فقاتَلَه وقَتَله.
بنود الصلح
ويبدو من مراحعة التاريخ أنّ معاوية لم يكن يتوقّع أن يقبل الإمام الحسن (عليه السلام) الصلح حينما أرسل له رسالة طلب الصلح وفها توقيعه فقط، على أن يُنلي الإمام الحسن (عليه السلام) الشروط التي يريدها، لكنّه تفاجأ بقبول الإمام الحسن (عليه السلام) للصّلح بالشروط الآتية:
"1- تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة رسوله(صلى الله عليه وآله) وسيرة الخلفاء الصالحين.
2- أن يكون الأمر للحسن (عليه السلام) من بعده، فإذا حدث به حدث فلأخيه الحسين(عليه السلام)، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحد.
3- أن يترك سبّ أمير المؤمنين، والقنوت عليه بالصلاة، وأن لا يذكر علياً إلا بالخير.
4- استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو 5 ملايين درهم فلا يسلّمه، وعلى معاوية أن يحمل للحسين(عليه السلام) سنوياً مليوني درهم.
5- تكفل عوائل شهداء الجمل وصفين.
6- أمن الناس"[14].
أسباب الصّلح بلسان الإمام الحسن (عليه السلام)
1-قال لشيعته: "ما تدرون ما عملت، والله للذي عملت خير لشيعتي مما أطلعت عليه الشمس"[15].
2-وقال(عليه السلام) لهم: "ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل"[16].
3-وقال (عليه السلام): " إنما هادنت حقنا للدماء، وضنا بها، وإشفاقا على نفسي وأهلي، والمخلصين من أصحابي "[17].
4-قال (عليه السلام) لحجر بن عدي: " وما فعلتُ ما فعلتُ إلا إبقاءً عليك"[18].
5-قال أحدهم للإمام الحسن (عليه السلام): يا ابن رسول الله، لمَ داهنت معاوية وصالحته ، وقد علمت أنّ الحق لك دونه ، وأنّ معاوية ضالّ باغٍ ؟ فقال (عليه السلام) : "يا أبا سعيد ألست حجّة الله تعالى ذكره على خلقه، وإماماً عليهم بعد أبي ؟ قال: بلى . قال (عليه السلام) : ألست الذي قال رسول الله لي ولأخي : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟ قال: بلى، قال (عليه السلام): فأنا إذاً إمام لو قُمت ، وأنا إمام إذا قعدت...لولا ما أتيتُ لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أَحدٌ إلا قُتل"[19].
[1] الكوفي، أحمد ابن أعثم، الفتوح، تحقيق علي شيري، ط1، بيروت، دار الأضواء، 1411هـ، ج4، ص237.
[2] الريشهري، موسوعة الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام) في الكتاب والسنة والتاريخ، ص 142.
[3] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص 567.
[4] نفس المصدر، ص569.
[5] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص569.
[6] اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، (لا،ط)، بيروت، دار الأضواء، (لا،ت)، ج2، ص 215.
[7] شرف الدين، عبد الحسين، صلح الحسن، (لا،ط)، (لا،ن)، (لا،ت)، ص 255، 256.
[8] نفس المصدر، ص 268.
[9] نفس المصدر.
[10] شرف الدين، عبد الحسين، صلح الحسن، ص 268.
[11] نفس المصدر، ص 218.
[12] مفردها ظُبّة، ومعناها حدّ السيف.
[13] ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق علي شيري، بيروت، دار الفكر، 1415هـ، ج13، ص 268.
[14] نفس المصدر، ص259.
[15] الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، تحقيق مؤسسة آل البيت(عليه السلام) لإحياء التراث، ط1، مؤسسة آل البيت(عليه السلام) لإحياء التراث، قم، 1417هـ ج2، ص 230.
[16] شرف الدين، عبد الحسين، صلح الحسن، ص237.
[17] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج44، ص27.
[18] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص 571.
[19] الصدوق، محمد بن علي، علل الشرائع، ج1، ص 211.