الإمام الحسن (عليه السلام) الكريم
الكرم صفة نبيلة تعبِّر عن كمال الموصوف بها، ويكفي في شرف هذه الصفة أنّها من صفات الله تعالى، قال عزّ وجلّ:
1- ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾[1].
2- ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾[2].
وعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): " إنّ الله أكرم الكرماء".
وعنه (صلى الله عليه وآله): "إنّ الله كريم يحبّ الكرم"
ولأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو أكمل الخلق ورد أنه قال: "إنّي أكرم ولد آدم"، وقال (صلى الله عليه وآله): "أنا أكرم الأولين والآخرين".
ومما ورد في احترام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتقديره للكرم ما جرى مع ابنة حاتم الطائي حينما جاءت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالت له: "يا محمّد، إن رأيت أن تخلّي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب؛ فإنّي ابنةُ سيد قومي، وإنّ أبي كان يحمي الذمام، ويفكّ العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي. فقال لها النبيّ (صلى الله عليه وآله): يا جارية، هذه صفة المؤمن حقاً. لو كان أبوك مسلماً لترحمنا عليه، خلّوا عنها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق[3].
من هنا ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام): "إنّ رسول الله قال: أكرموا كريم كلّ قوم"[4].
إذا كان الكرم له هذه المنزلة والأهمية، فمن الطبيعي أن يكون أهل البيت (عليه السلام) هم التالين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في صفة الكرم.
ومن بين الأئمة المعصومين (عليه السلام) عرف الإمام الحسن (عليه السلام) بـ كريم أهل البيت قال ابن الصبّاغ عن الإمام الحسن (عليه السلام): الكرم والجود غريزة مغروسة فيه (عليه السلام)، واتصال صلاته للمعتقين نهج ما زال يسلكه ويقتفيه.
نماذج من كرم الإمام الحسن (عليه السلام)
1-رواه الخطيب البغدادي في تاريخه ج٦ ص٣٤ إنه قال: روي عن الإمام الحسن بن علي عليه السلام أنه كان مارا في حيطان(البستان) المدينة فرأى عبدا اسودا بيده رغيف خبز يأكل ويطعم كلبه لقمة إلى أن شاطره طعامه في الرغيف، فقال له الإمام الحسن عليه السلام ما حملك على ما عملت وشاطرته ولم تعافيه فيه شيء؟ فقال الغلام: استحت عيناي من عينه. فقال له الإمام: غلام من أنت؟ فقال: غلام أبان بن عثمان، فقال: والحائط؟ قال: لأبان بن عثمان. فقال له الإمام الحسن أقسمت عليك لا برحت حتى أعود إليك. فمر على صاحب الحائط فاشترى الحائط والغلام معا، وجاء إلى الغلام فقال: يا غلام قد اشتريتك، فقام الغلام قائما وقال: السمع والطاعة لله ولرسوله ولك يا مولاي.
قال: واقد اشتريت الحائط، وأنت حر لوجه الله، والحائط هبة مني إليك. فقال الغلام: يا مولاي قد وهبت الحائط للذي وهبتني له. وجاء أعرابي سائلا، فقال: أعطوه ما في الخزانة، وكان فيها عشرون ألفا فدفعوها إليه، فقال الأعرابي يا مولاي ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي، فقال الإمام عليه السلام:
نحن أناس نوالنا خضل * * * يرتع فيه الرجاء والأمـــــــــــــــــــــــــــــل
تجود قبل السؤال أنفسنا * * * خوفا على ماء وجه من يسل
لو علم البحر فضل نائلنا * * * لفاخر من بعد فيضه حمــــــل
2- وروي أنّه (وقف رجل على الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يابن أمير المؤمنين بالّذي أنعم عليك بهذا النعمة الّتي ما تليها منه بشفيع منك إليه، بل إنعاماً منه عليك إلاّ ما انصفتني من خصمي فإنّه غشوم ظلوم، لا يوقّر الشيخ الكبير ولا يرحم الطفل الصغير، وكان متكئا فاستوى جالساً وقال له: من خصمك حتى أنتصف لك منه؟ فقال له: الفقر، فأطرق عليه السلام ساعة ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له: احضر ما عندك من موجود، فاحضر خمسة آلاف درهم، فقال: ادفعها إليه، ثم قال له: بحق هذه الأقسام الّتي أقسمت بها عليّ متى أتاك خصمك جائراً إلاّ ما أتيتني منه متظلماً)[5].
3- قدم رجل المدينة وكان يبغض علياً فقطع به فلم يكن له زاد ولا راحلة، فشكى ذلك إلى بعض أهل المدينة، فقال له: عليك بحسن بن علي (عليه السلام) فقال له الرجل: ما لقيت هذا إلاّ في حسن وأبي حسن فقيل له: فإنك لا تجد خيراً (إلاّ) منه فأتاه فشكى إليه فأمر له بزاد وراحلة فقال الرجل: الله أعلم حيث يجعل رسالته، وقيل للحسن: أتاك رجل يبغضك ويبغض أباك فأمرت له بزاد وراحلة؟ قال:أفلا أشتري عرضي منه بزاد وراحلة.
4- روى أبو الحسن المدائني قال: خرج الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر حجاجاً ، فلما كانوا في بعض الطريق جاعوا وعطشوا وقد فاتتهم أثقالهم فنظروا إلى خباء فقصدوه فإذا فيه عجوز فقالوا: هل من شراب ؟ فقالت: نعم فأناخوا بها وليس عندها إلاّ شويهة في كسر الخباء فقالت: احتلبوها فاتذقوا لبنها ففعلوا ذلك وقالوا لها: هل من طعام ؟ فقالت: هذا الشويهة ، ما عندي غيرها اقسم عليكم بالله إلاّ ما ذبحها أحدكم بينما أهيئ لكم حطباً وأشووها وكلوها ، ففعلوا وقاموا حتى بردوا فلما ارتحلوا قالوا لها: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه فإذا رجعنا سالمين فأمّلي بنا فإنا صانعون إليك خيراً ثم ارتحلوا ، فأقبل زوجها فأخبرته خبر القوم والشاة فغضب ، وقال: ويحك تذبحين شاة لأقوام لا تعرفيهم ؟ ثم تقولين: نفرٌ من قريش ؟ ثم بعد وقت طويل ألجأتهم الحاجة واضطرتهم السنة إلى دخول المدينة فدخلاها يلتقطان البعر ، فمرت العجوز في بعض السكك تلتقط البعر والحسن جالس على باب داره فبصر بها فعرفها فناداها وقال لها: يا أمة الله تعرفيني ؟ فقالت: لا فقال: أنا أحد ضيوفك في المنزل الفلاني ، ضيفك يوم كذا وسنة كذا ، فقالت: بأبي أنت وأمي لست أعرفك ، قال: فان لم تعرفيني فأنا أعرفك فأمر غلامه فاشترى لها من غنم الصدقة ألف شاة وأعطاها ألف دينار وبعث بها مع غلامه إلى أخيه الحسين فعرفها وقال: بكم وصلك أخي الحسن ؟ فأخبرته فأمر لها مثل ذلك ثم بعث معها غلامه إلى عبد الله بن جعفر ، فقال: بكم وصلك الحسن وأخوه ؟ فقالت: وصلني كل واحد منهما بألف شاة وألف دينار ، فأمر لها بألفي شاة وألفي دينار ، . . . ثم رجعت إلى زوجها وهي من أغنى الناس "[6].
5- وقال أنس: حيت جارية للحسن بن علي (عليه السلام) بطاقة ريحان فقال لها: أنت حرة لوجه الله فقلت له في ذلك فقال: أدبنا الله تعالى: فقال: ( وإذا حُييّتم بتحيةٍ فحيّوا بأحسنِ منها ) الآية وكان أحسن منها إعتاقها[7].
6- قال ابن الصباغ: " ومن ذلك أن رجلا جاء إليه عليه السّلام وسأله وشكا إليه حاله وفقره وقلة ذات يده بعد أن كان ذلك الرجل من الموسرين فقال له: يا هذا حق سؤالك يعظم لدي ، ومعرفتي بما يجب لك يكثر علي ، ويدي تعجز عن نيلك بما أنت أهله ، والكثير في ذات الله قليل ، وما في ملكي وفاء لشكرك ، فان قبلت الميسور رفعت عني مؤنة الاحتفال والاهتمام لما أتكلفه من واجبك فعلت ، فقال الرجل: يا ابن رسول الله أقبل القليل وأشكر العطية وأعذر على المنع ، فدعا الحسن عليه السّلام وكيله وجعل يحاسبه على نفقاته ومقبوضاته حتى استقصاها ، فقال: هات الفاضل فأحضر خمسين ألف درهم ، قال: فما فعلت في الخمسمائة دينار التي معك ؟ فقال: هي عندي فقال عليه السّلام: فأحضرها فلما أحضرها دفع الدراهم والدنانير إليه واعتذر منه "[8].
7- وقال سعيد بن عبد العزيز: (سمع الحسن بن علي رجلاً إلى جانبه يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم، فانصرف، فبعث بها إليه)[9].
8- وقال القاسم بن الفضل الحدّاني: (حدّثنا أبو هارون قال: انطلقنا حجّاجاً، فدخلنا المدينة، فدخلنا على الحسن، فحدّثناه بمسيرنا وحالنا، فلما خرجنا بعث إلى كل رجل منّا بأربعمائة فرجعنا فأخبرناه بيسارنا، فقال: لا تردّوا عليّ معروفي فلو كنت على غير هذه الحال كان هذا لكم يسيراً، إنّ الله يباهي ملائكته بعباده يوم عرفة)[10].
9- عن ابن عباس في حديثه عن الإمام الحسن (عليه السلام): "قاسم الله ماله ثلاث مرات، حتى أنه يعطي الخفّ ويمسك النعل"[11].
من أدب الإمام الحسن (عليه السلام) في الكرم
1- عدم ردّ السائل
عُرف الإمام الحسن (عليه السلام) أنّه "لم يقل لسائل قط: لا".
وقد قيل له (عليه السلام): لأي شيء نراك لا ترد سائلاً وإن كنت على فاقة؟ فقال: (إنّي لله سائل وفيه راغب وأنا أستحيي أن أكون سائلاً وأرد سائلاً، وإنّ الله تعالى عوّدني عادة؛ عوّدني أن يفيض نعمه عليّ، وعوّدته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى أن قطعت العادة أن يمنعني العادة، وأنشأ يقول:
إذا ما أتاني سائل قلت مرحباً * * * بمن فضله فرض عليّ معجــــــل
ومن فضله فضل على كل فاضل * * * وأفضل أيام الفتى حين يسأل)[12].
2- المحافظة على عزّ السائل
روي أن رجلاً دفع إليه رقعة في حاجة، فقال له قبل أن ينظر في رقعته حاجتك مقضية، فقيل له: يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نظرت في رقعته ثم رددت الجواب على قدر ذلك قال: "أخشى أن يسألني الله تعالى عن ذلّ مقامه بين يدي حتى أقرأ رقعته"[13].
3- كفاية السائل عند المقدرة
روي عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنه كان لا يأنس به أحد فيدعه حتى يحتاج إلى غيره.
4- الابتداء بالعطاء
ورد أنه سئل الإمام الحسن (عليه السلام) ما الكرم؟ فقال (عليه السلام): "الابتداء بالعطيّة قبل المسألة، وإطعام الطعام في المحل".
وعنه (عليه السلام): "أما الكرم فالتبرّع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال".
[1] سورة الانفطار، الآية 6.
[2] سورة النمل، الآية 40.
[3] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص 287.
[4] الريشهري، ميزان الحكمة، ج8، ص 370.
[5] بحار الأنوار ٤٣: ٣٥٠ / ٢٢.
[6] الميلاني، محمد هادي، قادتنا كيف نعرفهم، ج3، ص 458.
[7] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 343.
[8] الميلاني، محمد هادي، قادتنا كيف نعرفهم، ج3، ص 458.
[9] سير أعلام النبلاء ٣: ٢٦٠.
[10] تهذيب تاريخ دمشق الكبير ٤: ٢١٨.
[11] سير أعلام النبلاء، ج3، ص 260.
[12] نور الأبصار / الشبلنجي: ١٣٥.
[13] المناقب، ج4، ص 19/ الفصول المهمة ص 157.