الإمام الحسن (عليه السلام) الولي

الإمام الحسن (عليه السلام) الولي

إن تحديد الولي والحاكم والقائد الإجتماعي ترتبط، بحسب نهج العقلاء، بالأكمل والأفضل من بين أفراد المجتمع في المواصفات التي يحتاجها الحاكم، لا سيّما في صفات العلم والكفاءة والحصانة الاخلاقيّة.

على أساس هذه القاعدة ركّز القرآن الكريم والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) على كمالات وفضائل الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما ركّزا على كمالات الإمام الحسن (عليه السلام)، وكذا أخيه الإمام الحسين (عليه السلام).

الإمام الحسن (عليه السلام) في القرآن الكريم:
1 – أذهب الله عنه الرجس وطهّر تطهيراً في آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا[1]
2- ابنُ رسول الله الذي ابتهل به أمام خصومه بين يدي الله عز وجلّ في آية المباهلة: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ[2].
3- جزاه الله على صبره جنةً وحريراً في سورة الإنسان: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً[3]
4- مِن القربى الذين طلب النبي (صلى الله عليه وآله) من المسلمين مودتهم في آية المودة: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى[4]

الإمام الحسن (عليه السلام) على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله).
1-  سيّد شباب أهل الجنة، (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)[5].
2- ريحانة رسول الله من الدنيا، ( إنّ الحسن والحسين هما ريحانتاي من الدنيا)[6].
3- مِن رسول الله، ورسول الله منه، ( حسن منّي وأنا منه)[7].
4- حبيب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومحبّه حبيب الله، ( من أحبَّهما أحببته، ومن أحببته أحبَّه الله )[8]
5- مبغضه بغيض الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ( ومن أبغضهما وبغى عليهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله ومن أبغضه الله ادخله النار وله عذاب مقيم)[9]

الإمام الحسن في سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله):
1- يتعثّر في مشيته، فيترك النبي (صلى الله عليه وآله) الخطبة، ويصعد به مع أخيه الحسين (عليه السلام) إلى المنبر (... كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه)[10]

2-  يثب على ظهر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أثناء سجوده، فيمنع (صلى الله عليه وآله) المسلمين أن ينحّوه عنه (كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصلي فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره فإذا أراد أن يمنعوهما أشار إليهم أن دعوهما فلما صلى وضعهما في حجره ثم قال من أحبني فليحب هذين)[11].

 3- يصعده رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أخيه الحسين (عليه السلام)، ويحبو بهما حبو الجمل ويقول: نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما)[12].

4- يحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عاتقه( اقبل النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يحمل الحسن بن علي على رقبته قال فلقيه رجل فقال نعم المركب ركبت يا غلام قال فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله) ونعم الراكب هو)[13]

أمام ما مرّ يُطرح التساؤل الآتي:
ما هو سرّ هذه البيانات القرآنية عن عصمة الإمام الحس (عليه السلام)، ومقامه عندالله في الدنيا والآخرة، وطلب مودّته من المسلمين ؟ ما هو سرّ إخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مقام الحسن (عليه السلام) وكمالاته، ودعوته (صلى الله عليه وآله) إلى حبّه، ودعائه لمن أحبّه، وسيرته اللافتة في التعامل الخاص معه أمام المسلمين؟
هل كان ذلك لأن النبيّ (صلى الله عليه وآله) جدُّه، فيكون ذلك من منطلق العاطفة الخاصة ؟
أليس هذا بعيداً غاية البعد عن خلوص النبي (صلى الله عليه وآله) في أعماله، وبُعدِه عن ذاته، وما يرتبط بها من ذاتيّات؟

إن ما تقدّم لا يُفهم إلا أن يكون إضاءة على أكملية وأفضلية الإمام الحسن (عليه السلام) في ولايته على الأمة وقيادته لها بعد أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام).

سبب الإضاءة على كمالات الحسن (عليه السلام):
إنَّ الكمالات التي أضاء عليها القرآن الكريم والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ترتبط بالمؤَّهلات المطلوبة لحمل الرسالة وقيادة الأمة، سواء على المستوى الإيماني والتحصين الذاتي التي أكّدها القرآن الكريم بقوله: ﴿  إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا [14]. وبقوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [15]  وبقوله (صلى الله عليه وآله): (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة). وكذلك على المستوى العقلي والعلمي كما في آية المباهلة الدالَّة على مؤهَّلات الحسن والحسين (عليه السلام) وهما طفلان ليجعل لعنة الله على الكاذبين، أليس قوله تعالى بجعل " لعنة الله على الكاذبين" مؤشراً في تحملّهما للعقيدة الحقّة وهما طفلان، إلا يدلّ هذا على كمالهما العقلي؟

وهكذا على مستوى كفاءة الإمام الحسن (عليه السلام) وأخيه الحسين (عليه السلام) التي لم يكتفِ رسول الله بإخباره عن مستقبلها الآتي، بل أكده في طفولتهما.

ففي عام 9 للهجرة أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتاباً حول معاهدة سياسية إلى قبيلة ثقيف، واشهد على هذا الكتاب الامامين الطفلين الحسن والحسين (عليه السلام) مع وجود كبار الصحابة من المهاجرين والأنصار، ليشير بذلك إلى كونهما مؤَّهلين لتحمّل المسؤليات حتى في المعاهدات السياسية[16].

وقد حذت السيدة الزهراء (عليه السلام) حذو أبيها النبيّ (صلى الله عليه وآله) حينما جاءت بالإمام الحسن (عليه السلام) الطفل ليكون شاهداً على أحقيّتها بفدك، وعمره آنذاك سبع سنوات[17].

 ومع وضوح ما تقدم صرّح رسول الله (صلى الله عليه وآله) في بعض أحاديثه عن الموقع القيادي والولائي للإمام الحسن (عليه السلام) على الأمة. فعن ابن عباس، قال: إنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جالساً ذات يوم، إذ أقبل الحسن (عليه السلام) فلما رآه بكى ثم قال: ( إليّ إليّ بني ) فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى، وساق الحديث إلى أن قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): ( أما الحسن، فإنّه ابني وولدي ومنيّ، وقرّة عيني، وضياء قلبي، وثمرة فؤادي، وهو سيد شباب أهل الجنة، وحجّة الله على الأمة، أمره أمري، وقوله قولي، ومن تبعه فإنه مني ومن عصاه فليس مني )[18].

الإمام علي (عليه السلام) يعلن إمامة الحسن(عليه السلام):
انطلاقاً من مما تقدّم أعلن الإمام علي (عليه السلام) ان الإمام الحسن (عليه السلام) هو وصيّه من بعده واشهد على ذلك أولاده وأهل بيته ورؤساء الشيعة، وقال في وصيته: " يا بني، إنّه قد أمرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن أوصي إليك، وادفع إليك كتبي وسلامي، كما أوصى إليّ ودفع إليّ كتبه وسلامه، وأمرني أن آمرك، إذا حضرك الموت ان تدفعهما إلى أخيك الحسين (عليه السلام)".

وبعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام) ودفنه خطب الإمام الحسن (عليه السلام) بالناس في مسجد الكوفة، فقام المهاجرون والأنصار وباقي المسلمين بمبايعة خليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبايعته جميع الأمصار الإسلاميّة عدا الشام التي كان واليها معاوية.

الإمام الحسن (عليه السلام) يدافع عن قضية الولاية:
فمن تلك المواقف:
عرف الإمام الحسن (عليه السلام) منذ طفولة بالدفاع عن الولاية والخلافة.

1-  ذكر ابن ابي الحديد  أنَّه بعد تولّي أبي بكر الخلافة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بينما هو يخطب على المنبر فاجأ الإمام الحسن (عليه السلام) وهو آنذاك طفل صغير،  إذ قال له: انزل عن منبر أبي، فأجابه أبو بكر صدقت والله، إنه لمجلس أبيك، لا مجلس أبي[19].

2- بُعَيدَ المصالحة التي تمت بين الإمام (عليه السلام) ومعاوية، صعد معاوية المنبر، وجمع الناس، فخطبهم وقال: إن الحسن بن علي رآني للخلافة أهلاً، ولم يرَ نفسه لها أهلاً.

وكان الإمام الحسن (عليه السلام) أسفل منه بمرقاة ( يعني: بينهما درجة، ويقصد بذلك كان قريباً منه) فلما فرغ من كلامه قام الإمام الحسن (عليه السلام)، فحمد الله تعالى بما هو أهله، ثم ذكر المباهلة، فقال: ( فجاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الأنفس بأبي، ومن الأبناء بي وبأخي، ومن النساء بأمي، وكنا أهله، ونحن آله، وهو مِنّا ونحن منه.

ولما نزلت آية التطهير جمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كِساء لأُم سَلَمة خيبري، ثم قال (صلى الله عليه وآله): اللهمّ هؤلاء أهل بيتي وعترتي، فأذهِب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.

فلم يكن أحد في الكساء غيري، وأخي، وأبي، وأمي، ولم يكن أحد تصيبه جنابة في المسجد ويولد فيه إلا النبي (صلى الله عليه وآله) وأبي، تَكرمه من الله لنا، وتفضيلاً منه لنا، وقد رأيتم مكان منزلنا من رسول الله (صلى الله عليه وآله).

وأمر بسدّ الأبواب فسدَّها وترك بابنا، فقيل له في ذلك، فقال: أما إني لم أسدَّها وأفتح بابه، ولكن الله عز وجلّ أمرني أن أسدَّها وأفتح بابه. وان معاوية زعم لكم أني رأيته للخلافة أهلاً، ولم أرَ نفسي لها أهلاً، فكذب معاوية، نحن أولى الناس بالناس في كتاب اللّه عزّ وجل وعلى لسان نبيه، ولم نزل - أهل البيت - مظلومين منذ قبض اللّه نبيه، فاللّه بيننا وبين من ظلمنا، وتوثب على رقابنا، وحمل الناس علينا، ومنعنا سهمنا من الفيء، ومنع أمَّنا ما جعل لها رسول اللّه.

واقسم باللّه لو أن الناس بايعوا أبي حين فارقهم رسول الله، لأعطتهم السماء قطرها والأرض بركتها، ولمَاَ طَمَعْتَ فيها يا معاوية.

فلما خرجت من معدنها، تنازعتها قريش بينها، فطمع فيها الطلقاء وأبناء الطلقاء، أنت وأصحابك، وقد قال رسول اللّه: ما ولّت أمة أمرها رجلاً وفيهم من هو أعلم منه، الا لم يزل أمرهم يذهب سفالاً، حتى يرجعوا إلى ما تركوا. فقد ترك بنو إسرائيل هارون وهم يعلمون أنه خليفة موسى فيهم، واتبعوا السامريّ، وتركت هذه الأمة أبي، وبايعوا غيره، وقد سمعوا رسول اللّه يقول له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا النبوة، وقد رأوا رسول اللّه نصب أبي يوم غدير خم، وأمرهم ان يبلغ أمَره الشاهدُ الغائبَ، وهرب رسول اللّه من قومه وهو يدعوهم إلى اللّه، حتى دخل الغار، ولو أنه وجد أعواناً لما هرب، كفَّ أبي يده حين ناشدهم، واستغاث فلم يغث، فجعل اللّه هارون في سعة حين استضعفوه وكادوا يقتلونه، وجعل اللّه النبي (صلى الله عليه وآله) في سعة حين دخل الغار، ولم يجد أعواناً. وكذلك أبي وأنا في سعة من اللّه، حين خذلتنا هذه الأمة. وانما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضاً. 

ثم قال: فو الذي بعث محمداً بالحق، لا ينتقص من حقنا - أهل البيت - أحد الا نقصه اللّه من عمله، ولا تكون علينا دولة الا وتكون لنا العاقبة، وَلتعلَمُنَّ نبأه بعد حين)[20]


- الأحزاب – 33.[1]
- آل عمران – 61.[2]
- الإنسان – 12.[3]
- الشورى – 23.[4]
- الترمذي،......، سنن الترمذي، ج5، ص 321. [5]
- م. ن، ج 5، ص 322.[6]
 - الطبري، محمد بن أبي قاسم، بشارة المصطفى، ص 248. [7]
- الزرندي الحنفي، محمد، نظم درر السمطين، ص 201. [8]
 - م. ن، ص 201. [9]
- سنن الترمذي، مصدر مذكور، ج 5، ص 324.[10]
- النسائي،.....، فضائل الصحابة، ص 20. [11]
- المتقي الهندي،......، كنز العمال، ج 13، ص 663. [12]
 - الحاكم النيسابوري، المستدرك، ج 3، ص 170.[13]
 - الأحزاب – 33.[14]
 - الإنسان – 12.[15]
- راجع تاريخ دمشق لابن عساكر، ج 7، ص 10. [16]
- راجع أعلام الهداية، ص 95.[17]
 - الديلمي، الحسن بن محمد، ارشاد القلوب، ج 2، ص 296.[18]
 - راجع شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج6، ص 42. [19]
 - آل ياسين، راضي، صلح الحسن، ص 287[20]