الجواب: إنّ الأديان اتّفقت على النهاية السعيدة للعالم من خلال قائد ربّانيّ يقوده، وينشر فيه العدل والقيم، وهو ما يعبَّر عنه بالمخلِّص أو المنجي الموعود.
المخلِّص في الأديان السابقة
انتشرت فكرة المخلِّص العالميّ في مختلف الأديان التي نعرض منها النماذج الآتية:
1- المخلِّص في اليهوديّة
ورد في سفر التكوين: "لا يزول الصولجان من يهوذا، ولا عصا القيادة من بين قدميه إلى أن يأتي صاحبها وتطيعه الشعوب"[1].
وقد ورد في تفسير هذا المقطع: "يدور الكلام على مجيء شخص تكتنفه الأسرار وتطيعه الشعوب، فالنبوءة تنتظر ملكًا مشيحيًّا مثاليًّا"[2].
2- المخلِّص في المسيحيّة
ورد في إنجيل متّى 24: "وبينما هو جالس في جبل الزيتون، دنا منه تلاميذه، فانفردوا به، وسألوه: "قل لنا متى تكون هذه الأمور، وما علامة مجيئك، ونهاية العالم؟ فأجابهم يسوع:...ويزداد الاثم، فتفتر المحبّة في أكثر الناس، والذي يثبت إلى النهاية، فذاك الذي يُخلص، وستعلن بشارة الملكوت هذه في المعمور كلِّه"[3].
3- المخلِّص عند الهندوس
قسَّم الهندوس العالم إلى عصور أربعة، وذكروا أنّ العالم سيعمّه في العصر الرابع الظلم والظلام، وأنّ الطغاة سيتسلّطون على أرواح الناس وأموالهم، وفي ختام ذلك العصر ستُنزل الأوتارة (vishnu)عاشر وآخر المبعوثين واسمه كالكي أو كلكين وهو يتمتّع بسمة ربّانيّة، وله اتصال بالجهة اللامتناهية، فيهبط على فرس أبيض شاهرًا سيفه الفضّي من أجل استئصال جذور الشر والظلم، وفرض العدالة والفضيلة، ويتغلّب على سائر القوى المخالفة له[4].
4- المخلِّص عند البوذيّين
وردت فكرة المنجي الموعود في تعاليم البوذيّين في عنوان الميترية (Maitreya)، وهو، عندهم، البوذا الخامس والأخير على وجه هذه الأرض، وهو لم يظهر بعد، وسيأتي لاحقًا لخلاص الجميع[5].
5- المخلِّص عند اليونانيّين القدماء
تحدّثت أفكار اليونان القديمة عن الأمن والسلام بعد نشوب العديد من الحروب، وبشّرت بدولة عالميّة بقيادة رجل يأتي ليحكم البشر كافّة، فقد تنبّأت رسل اليونان بين 165 وحتى 168 قبل الميلاد بحكومة الأمراء المقدّسين التي قدّروا لها أن تسود جميع العالم، وبشّروا بظهور ملك في الشرق يملأ الأرض بالأمن والسلام[6].
6- المخلِّص في الإسلام
تحدّث القرآن الكريم عن لا بدَّية إتمام النور الإلهيّ وظهور الدين على كلّ الأديان في قوله تعالى: " يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ "[7].كما أكّد على أنّ مصير الأرض هو وراثة العباد الصالحين لها، واستخلافهم، وجعلهم أئمّة فيها، قال الله تعالى:
1- "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"[8].
2- " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا"[9].
3- "وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ"[10].
وقد أكّدت الأحاديث الشريفة عند المسلمين في جميع مذاهبهم هذه الفكرة العامّة التي قدّمتها الآيات السابقة، مبيِّنةً حصول ذلك الوعد الإلهيّ بظهور شخص مُصلح يتحقّق على يديه وعد الله تعالى، ويملأ الأرض عدلاً بعد ما ملئت ظلمًا، مطلِقةً عليه لقب "المهديّ".
وقد روى علماء أهل السُّنّة مئات الروايات حول ظهور المهدي في آخر الزمان، منها ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (ص): "لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلمًا وعدوانًا، ثمّ يخرج رجل من عترتي، أو من أهل بيتي، يملؤها قسطًا وعدلاً، كما ملئت ظلمًا وعدوانًا"[11]. وفي سنن أبي داود عن سعيد بن المسيّب عن أم سلمة، قالت: سمعت رسول الله يقول: "المهديّ من عترتي من ولد فاطمة"[12].
وكذلك روى علماء الشيعة مئات الروايات في ذلك، منها ما رواه الصدوق بسنده عن الإمام عليّ (ع): قال رسول الله (ص): "الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا عليّ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله عزّ وجلّ على يديه مشارق الأرض ومغاربها"[13].
وقد أكّدت هذه الروايات أنّ الإمام المهديّ (عج) سوف يظهر بعد غيبة طويلة، فعن الإمام عليّ (ع): "قال رسول الله: المهديّ من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضلّ فيها الأمم، يأتي بذخيرة الأنبياء (ع)، فيملؤها عدلاً وقسطًا كما مُلئت جَورًا وظلمًا"[14].
معالم التطوّر الحضاريّ في عصر المهديّ
ذخرت الأحاديث الإسلاميّة بذكر عناوين عديدة للتطوّر الحضاريّ الذي ينعم بها المجتمع البشريّ العالميّ في عصر الإمام المهديّ (ع)، نعرض منها:
1- العدالة الاجتماعيّة
تقدّمت بعض الأحاديث الشريفة المؤكِّدة على أنّ الإمام المهديّ (ع) سوف يملأ الأرض قسطًا وعدلاً، بعدما ملئت جورًا وظلمًا"[15]، وكذلك ورد عن الإمام الصادق (ع): "...يطهِّر الأرض من كلّ جور وظلم"[16]. كما ورد عن الإمام عليّ الرضا (ع): "ويضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحدٌ أحدًا"[17].
2- الرفاه الاقتصاديّ
أشارت الأحاديث إلى أنّ الإمام المهديّ (ع) سوف يقوم بالتوزيع العادل لثروات العالم، فعن ابي سعيد الخدريّ عن النبيّ (ص): "أبشِّركم بالمهدي يبعث في أمّتي على اختلاف مِن الناس، وزلازل، فيملأ الأرض قسطًا وعدلاً، كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا، فقال رجل: ما صحاحًا؟ قال (ص):بالسويَّة بين الناس"[18].ويصف الإمام الصادق (ع) حال المجتمع في عصر المهديّ بقوله:"...ويطلب الرجل منكم من يصله بماله، ويأخذ من زكاته، لا يوجد أحد يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما رزقهم الله من فضله"[19]، وقد روى الشيخ المفيد عن عليّ بن عقبة عن أبيه: "فلا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعًا لصدقته، ولا لبرّه؛ لشمول الغنى جميع المؤمنين"[20].
3- الأمان العامّ
من مميِّزات حكومة الإمام المهديّ العالميّة، كما أشارت إليه الأحاديث، هو حلول الأمن في كافّة أنحاء العالم، ففي مطلع رواية الشيخ مفيد السابقة: "إذا قام القائم حكم بالعدل، وارتفع الجور، وأمنت به السبل"[21]، وعن الإمام محمّد الباقر (ع):"...حتى تخرج العجوز الضعيفة من المشرق تريد المغرب، ولا ينهاها أحد"[22].
4- التطوُّر العلميّ
يبلغ التطوّر العلميّ في عصر الإمام المهديّ (ع) حدًّا عبّر عنه الإمام الصادق بقوله (ع): "العلم سبعة وعشرون جزءًا...فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الجزئين، فإذا قام القائم أخرج الخمسة والعشرين جزءًا، فبثّها في الناس"[23].
5- التوجُّه نحو التديّن
من أهم معالم التقدُّم في عصر الإمام المهديّ هو توجّه الناس نحو التديُّن، فعن الإمام عليّ (ع): "ويقبل الناس على العبادات والشرع والديانة والصلاة في الجماعات"[24].
التمهيد لحكومة العدل العالميّة
يعتقد المسلمون الشيعة أنّ المهدي هو الإمام الثاني عشر، ابن الإمام الحسن العسكريّ (عج)، وأنّه غاب غيبة صغرى دامت حوالي سبعين سنة كان يتّصل خلالها بالناس من خلال أربعة سفراء متعاقبين، ثمّ غاب غيبة كبرى تمتدّ إلى زماننا، وأحد أسباب هذه الغيبة الكبرى هو ضرورة تهيئة المجتمع اللائق بحمل راية التغيير العالميّ في دولته، ليعتمد عليه الإمام المهديّ (عج) في ثورته الكبرى، من هذا المنطلق طرحت في الفكر الشيعيّ مسألة الإعداد والتهيئة والتمهيد لظهور الإمام المهديّ (عج) بعنوان "الانتظار" الذي لا يراد منه الركود وعدم العمل ريثما يظهر الإمام (ع)، بل المراد الانتظار الإيجابيّ بمعنى تهيئة الظروف والبيئة المستعدَّة للتغيير العالميّ، فقد ورد عن الإمام الصادق (ع): "من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر"[25]، وبهذا المعنى فُسِّر الحديث الوارد عن رسول الله (ص): "أفضل أعمال أمّتي انتظار الفرج"[26]، وكذا الحديث النبويّ القائل: "انتظار الفرج عبادة"[27].
صفات الممهِّدين لدولة العدل الإلهيّة
إنّ الممهِّدين لدولة الإمام المهدي (عج) العالميّة يتّصفون بمواصفات منها:
1- الإيمان والإخلاص، عن الإمام محمّد الجواد: "ينتظر خروجه المخلَصون"[28]. فهم يريدون من تمهيدهم إعلاء كلمة الله في الأرض.
2- القوة والشجاعة، فعن الإمام الصادق (ع): "ما يخرج إلاّ في أولي قوّة"[29].
3- البصيرة والوعي، وقد وصف الإمام الباقر (ع) الجماعة التي تبقى بعد البلاء والغربلة بأنّها : "لا تضرّها الفتنة"[30]وذلك لما تتمتّع به من بصيرة ووعي يشكِّلان لها حصانة، فلا ينحرفون عن طريق الحقّ.
4- الرؤية العالميّة، فإنّ من يعمل لحكومة العدل التي تسود العالم، لا يكون محدودًا في رؤيته، بل متطلِّعًا إلى نجاة البشريّة بمختلف أجناسها وأعراقها وأوطانها وأديانها.
كلمة أخيرة
إنّ الإيمان بلزوم التمهيد لدولة العدل العالميّة يدعونا إلى العمل لتكوين مجتمع العدالة بدءًا من العدل مع النفس الذي أشار إليه الإمام عليّ (ع) بقوله: "رحم الله عبدًا...ألزم نفسه العدل، فكان أوّل عدله نفي الهوى عن نفسه"[31]. استمرارًا بالعدل مع الآخرين أسرةً ومجتمعًا، فبذلك نرسم النموذج الذي يُقتدى به، ويصلح للتمهيد لدولة العدل الكبرى.
[1]الكتاب المقدّس، العهد القديم، ط4، بيروت، المكتبة الشرقيّة، 1997م، ص 145.
[2]المصدر السابق نفسه.
[3]الكتاب المقدّس، العهد الجديد، ط4، بيروت، المكتبة الشرقيّة، 1997، ص 102-103.
[4]عطار، عليّ موحديان، نظريّة المهدويّة في الديانات، ترجمة محمّد الرزاق، ضمن كتاب المنهاج 15، ط1، بيروت، مركز الغدير، 2009م، ص 54-55. نقلاً عن
The bider encyclopedia of eastern philosophy and religion, bider books, also poblished by shamphala.Kalki in:
[5]المرجع السابق، ص 56، نقلاً عن: هانس، ولفكانك، شومان، آيين بودا، ترجمة باشايي، ص 121.
[6]المرجع السابق، ص 68-69. نقلاً عن Kalki in: Adictionary of Hinduism, Margaret and James stutly.
[7]سورة التوبة، الآية 32.
[8]سورة الأنبياء، الآية 105.
[9]سورة النور، الآية 55.
[10]سورة القصص، الآيتان 5-6.
[11]ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، (لا،ط)، بيروت، دار صادر، (لا،ت)، ج3، ص 36.
[12]السجستاني، سليمان، سنن أبي داود، تحقيق سعيد محمد اللحام، ط1، بيروت، دار الفكر، 1410هـ، ج2، ص 310.
[13]الصدوق، محمّد، كمال الدين وتمام النعمة، تحقيق علي اكبر الغفاري، (لا،ط)، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1405هـ، ص 282.
[14]المصدر السابق، ج1، ص 287. القندوزيّ، سليمان، ينابيع المودّة لذوي القربى، تحقيق علي جمال أشرف الحسيني، ط1، (لا،م)، دار الأسوة، 1416هـ، ج3، ص 396.
[15]أنظر: ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص 36. الصدوق، محمّد، كمال الدين وتمام النعمة، ص 287.
[16]الصدوق، محمّد، كمال الدين وتمام النعمة، ص 336.
[17]الخزّار، علي، كفاية الأثر، تحقيق عبد اللطيف الخوئي، (لا،ط)، قم، بيدار، 1401هـ، ص 275.
[18]ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، ج3، ص37. ابن طاووس، علي، التشريف بالمنن في التعريف بالفتن (لاملاحم والفتن)، ط1، أصفهان، مؤسسة صاحب الأمر، 1416هـ، ص 323.
[19]المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج52، ص 337.
[20]المفيد، محمد، الإرشاد، تحقيق مؤسسة آل البيت، ط2، بيروت، دار المفيد، 1993، ج2، ص 384.
[21]المصدر السابق نفسه.
[22]المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج52، ص 345. العياشيّ، محمّد، تفسير العياشيّ، تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي، (لا،ط)، طهران، المكتبة العلمية، ج2، ص 61.
[23]الراونديّ، قطب الدين، الخرائج والجرائح، تحقيق مؤسّسة الإمام المهدي، ط1، قم، 1409هـ، ج2، ص 41.
[24]القرشي، باقر، حياة الإمام المهدي، ط1، (لا،م)، أمير، 1417هـ، ص 292.
[25]الطبرسيّ، حسين، النجم الثاقب، ط1، قم، أنوار الهدى، 1415هـ، ج2، ص 445.
[26]الصدوق، محمّد، كمال الدين وتمام النعمة، ص 644. الطبرسيّ، حسين، خاتمة المستدرك، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت، ط1، قم، 1416هـ، ج3، ص 277.
[27]المتقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال، ج3، ص 272.
[28]الصدوق، محمّد، كمال الدين وتمام النعمة، ص 378.
[29]المصدر السابق، ص 654.
[30]النعمانيّ، ابن ابي زينب، الغيبة، تحقيق فارس حسون كريم، ط1، قم، أنوار الهدى، 1422هـ، ص 218.
[31]ابن أبي طالب، الإمام عليّ، نهج البلاغة، ج1، ص 153.