ناصرات الحجّة (عج)

هناك أحاديث عديدة عن خواصّ الإمام المهدي الذين يبلغون ثلاثمائة وثلاثة عشر صاحبًا بعدد أصحاب بدر وأصحاب طالوت كما أشارت إليه بعض الروايات، فعن الإمام عليّ (ع): "... فيجمع الله عزّ وجل أصحابه على عدد أهل بدر، وعلى عدد أصحاب طالوت، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً..."[3].

والمتتبّع لهذه الروايات يستقرب أنّ هؤلاء هم من النخبة الأولى من أنصار الإمام (عج)، وبالتالي فمن الواضح موقع المرأة بالعدد الكبير في هذه النخبة، وهذا ما أطلّ عليه، باختصار من خلال السؤال الآتي:

ما هي الرسالة التي يريدها الإمام الباقر (ع) من إخبارنا عن أصحاب الإمام المهدي (عج) مع ذكر تفاصيل تتعلّق بهم؟

يمكن مقاربة الإجابة من خلال أمرين:

الأوّل:إنّ الأخبار التي تتحدّث عن أصحاب الإمام سواء في أجناسهم رجالاً ونساءً أو في أعمارهم شبّانًا وكهولاً، أو في بلدانهم، الشام، العراق، إيران، مصر... أو عن أحداث عالميّة كخروج الخراسانيّ، واليمانيّ، وقضيّة السفيانيّ وغير ذلك، لعلّ من الرسائل التي أريد منها، أو من بعضها هو أن يكون المنتظر للإمام مراقبًا للأحداث العالميّة، ليكون ذلك مدخلاً للوعي السياسيّ والبصيرة في ربط الأمور مع بعضها البعض للوصول إلى الحقيقة. فأنصار الإمام (عج) ليسوا أحلاس بيوتهم لا يهتمون بما يجري في محيطهم، بل هم من المطّلعين المراقبين، بما يؤهّلهم أن يكونوا من أهل البصائر.

الثاني:أن يراد من تلك الأخبار هو توجيه لصناعة الحدث، فالحديث عن دولة الخراسانيّ لصناعة تلك الدولة، وعن اليمانيّ للإشارة إلى بيئة صالحة لإنتاج هذا النوع من القيادة الراقية، والحديث عن النجباء من أهل مصر، والأخيار من أهل العراق، والكنوز من أهل طالقان، والأبدال من أهل الشام هو للإرشاد إلى وجود بيئات صالحة في هذه المجتمعات لصناعة النجباء والأخيار والكنوز والأبدال.

وبعبارة أخرى كأن الحديث الذي ينبئ عن أبدال الشام ينادي: يا أيتها الأمّ المؤمنة في بلاد الشام: جاهدي لتكوني أمًّا لبدل من أبدال الله.

أتدرون ما معنى البدل؟ إنّه الإنسان الصالح الذي لا تخلو الدنيا منه، فإذا مات أبدل الله مكانه بآخر[4].

وهكذا، فإنَّ الحديث السابق عن الإمام الباقر (ع) حول وجود خمسين امرأة في هيئة النخبة من أصحاب الإمام المهديّ (عج) هو رسالة بأنّ على المرأة أن تلتفت إلى دورين أساسيّين في حياتها:

الدور الأوّل:هو صناعة النخب والقيادات الأولى في زمن الإمام الحجّة (عج) من خلال تربيتهنّ الصالحة وتوجيههنَّ الصحيح، ألم يقل الإمام الخمينيّ (قده): "المرأة كالقرآن، كلُّ منهما أوكل الله إليه صناعة الإنسان".

فالمرأة الأمّ هي صانعة للمئتين والثلاث والستين قياديًّا ضمن الثلاثمائة والثلاثة عشر.

الدور الثاني:الذي ينبغي أن لا يتضارب مع الدور الأوّل هو أن تكون هي من نخبة المجتمع الموالي للإمام (عج) في قيادته للعالم.

وهذا يحتاج إلى صناعة خاصّة تبدأ من الطفولة، وهذا ما يضيء على مشروع نجمات البتول الذي تنتهجه كشّافة الإمام المهديّ (عج) لصناعة الفتيات نجومًا بتوليّة.

وجميل هو التعبير بالنجمات، لما للنجم من معانٍ تنسجِم مع ذلك الدور الكبير المأمول للفتاة.

1- فالنجمة تتميّز بتلألئها في السماء، والفتاة المؤمنة السائرة في كمال المسيرة المهدويّة لا بدّ أن تتلألأ عن رفيقاتها الأخريات تلألأ المعرفة الصحيحة والسلوك المستقيم.

2- والنجمة مضيئة بذاتها بما يعبِّر عن الإيمان الذي ينبع من ذات الفتاة.

3- والنجمة هي منارة هداية، فمن خلالها تحدَّد البوصلة الصحيحة، وتكون خير هادية لغيرها نحو الطريق الصحيح.

كم هو مهمّ وجود نجمات في مجتمعنا.

نجمة هي ابنة تملأ الأسرة نورًا.

نجمة هي رفيقة تكون خير هادية لأقرانها.

نجمة هي أمٌّ أضاءت الطريق أمام أبنائها، بعد أن غذّتهم بنور الولاية المفعم بالطهر.

لا عذّب الله أمي إنّها شـربتحـبّ الـوصيّ وغذّتنيه باللــبن

وكان لي والد يهوى أبا حسنٍ          فصرت من ذي وذا أهوى أبا حسن

          هي صانعة الرجال، هي صانعة المقاومين، هي صاحبة نصر تموز التي حينما سمعت بشهادة ولدها كان أوّل ردّها أن قامت في محرابها لتختم بالدعاء:

يا ربّ، ولدي وحيد، لم يكن عندي غيره لأقدّمه بين يديك فتقبَّله مني.

هي صاحبة نصر القصير أمّ الشهيد التي كانت قد دعت في زيارة رضا الأئمّة عليه السلام أن يمنّ الله عليها ويرزق ولدها الشهادة.

كم الأمّة بحاجة اليوم إلى مثل هذه النجمات ليهدين الأمّة الدينيّة الإسلاميّة التي ضلّ الكثير منهم طريقه، لعدم اعتماده على علامة النجم الإلهيّ، فإذا بهم ينسون أو يتناسون فلسطين في وقت يهدَّد فيه مسجدها الأقصى بالتدمير، وعشرات آلاف مواطنيها من أرض 48 بالطرد منها، تركوا ذلك ليختاروا الفتنة المذهبيّة خيارًا لتجييش الناس، وتحويل المسار لكنّنا مع كلّ ذلك فنحن أصحاب أمل بتغيير الواقع، والعودة إلى مسار الحقّ بفضل نجوم بينهم خمسون نجمة ناصرات للإمام (عج) نسأل الله أن يكون بعضٌ من نجمات حفلنا منهنَّ.

 

 



[1]سورة القصص، الآية 5.

[2]المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج52، ص223.

[3]المقدسيّ، يوسف، عقد الدرر في أخبار المنتظر، تحقيق عبد الفتّاح محمد الحلو، ط1، القاهرة، مكتبة عالم الفكر، 1979م، ص95.

[4]الطريحي، مجمع البحرين، ج1، ص165.