الإمام الجواد (عليه السلام) والجود

الإمام الجواد(عليه السلام) والجود
 
عُرِفَ الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام) بخصال حميدة عبَّرت عنها صفاته وألقاب التي منها:

1- العالم
في الحديث عن معمَّر بن خلاد عن الإمام الرضا(عليه السلام): "ما حاجتكم إلى ذلك؟! هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني... إنّا أهل البيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة"[1]

 وقد ورد أن قاضي القضاة يحيى بن أكثم في قضية مدبَّرة ليسقط الإمام الجواد(عليه السلام) أمام أعين الناس سأل الإمام محمد الجواد وهو ابن سبع سنين وأشهر: ما تقول جعلت فداك في مُحرم قتل صيداً؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام):
 قتله في حلّ أو في حرم؟
 عالماً كان المحرم أو جاهلا؟
 عمدا كان أو خطأ؟
حرا كان أو عبداً؟
صغيراً كان أم كبيراً؟
 مبتدياً أم معيداً؟
 من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟
 من صغار الصيد أم من كبارها؟
 مصرّاً على ما فعل أو نادماً؟
  أبالليل كان قتل صيده أم نهاراً؟
 محرماً كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرماً؟
 فتحيّر يحيى ابن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع[2]
فقال المأمون بعدها: "ويحكم إنَّ أهل هذا البيت خصُّوا من بين الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال ، أما علمتم أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين "عليه السلام" وهو ابن عشر سنين ، وقبل منه الاسلام وحكم له به، ولم يدعُ أحداً في سنّه غيرَه، وبايع الحسن والحسين عليهما السلام ، وهما ابناه دون الست سنين، ولم يبايع صبياً غيرهما، أفلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم، فإنّهم ذرية بعضها من بعض يجرى لآخرهم ما يجرى لأولهم[3].

2-التقي
وقد ورد هذا الوصف في حديث الإمام الرضا(عليه السلام): "إن الإمام من بعدي ابني الجواد التقي"[4].
وقد نقل لنا الإمام وصايا في تقوى الله تعالى مختصرة في ألفاظها، عالية في مضمونها منها:
- " المؤمن يحتاج إلى ثلاث خصال: توفيق من الله ، وواعظ من نفسه ، وقبول ممن ينصحه "[5].
- "ثلاث يبلغن العبد رضوان الله تعالى: كثرة الاستغفار، ولين الجانب، وكثرة الصدقة".
- " من سلامة الإنسان قلّة حفظه لعيوب غيره، وعنايته بإصلاح عيوب نفسه".
- من وثق بالله واتكل عليه نجّاه الله من كل سوء، وحرزه من كلّ عدوّ، ولو كانت السماوات رتقاً على عبد، ثم اتقى الله لجعل له مخرجاً منها".

3- الجواد
سميَّ بذلك لما اشتهر به من الكرم والجود.

• فقد قال أحدهم: خرجت مع جماعة حجاجاً فقطع علينا الطريق ، فلما دخلت المدينة لقيت أبا جعفر ( عليه السلام ) في بعض الطريق ، فأتيته إلى المنزل فأخبرته بالذي أصابنا، فأمر لي بكسوة ، وأعطاني دنانير ، وقال: فرِّقها على أصحابك على قدر ما ذهب ، فقسَّمتها بينهم، فإذا هي على قدر ما ذهب منهم لا أقلَّ منه ولا أكثر"[6].

• آتاه رجل، فقال: أعطيني على قدر مروَّتك، قال(عليه السلام) لا يسعني ذلك ، فقال: على قدر مروّتي قال: أما ذا فنعم ، ثم قال(عليه السلام): يا غلام أعطه مائتي دينار [7].

قيمة الكرم
والكرم من القيم اتلي حثَّ عليها الإسلام بدءاً من ذكر الله تعالى صفة الكريم له عزَّ وجلّ في القرآن الكريم:
-
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾[8]
-
﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾[9].

وكذا وصف القرآن الكريم رسول الله(صلى الله عليه وآله) في قوله:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ[10].

وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قوله: "إني أكرم ولد آدم"، وعنه(صلى الله عليه وآله):" أنا أكرم الأولين والآخرين"[11]

من هنا ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): "إنَّ الله...كريم يحبّ الكرم"[12].

فالكرم صفة إنسانية يحبّها الله تعالى، ويقابلها بالحسن حتّى لو كانت من مشرك، كما ورد في قصّة تكريم ابنة حاتم الطائي حينما جاءت إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله) وقالت له: يا مُحمّد، إنْ رأيت أن تخلّي عنا، ولا تشمت بنا أحياء العرب؛ فانّي ابنةُ سيد قومي، وإنَّ أبي كان يحمي الذمام، ويفكّ العاني، ويشبع الجائع، ويكسو العاري، ويقري الضيف، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي. فقال لها النبي (ص ):يا جارية، هذه صفة المؤمن حقاً. لو كان أبوك مسلما لترحمنا عليه، خلّوا عنها، فان أباها كان يحب مكارم الأخلاق.[13]

من هنا ورد عن الإمام علي(عليه السلام):"إنّ رسول الله قال: أكرموا كريم كلّ قوم"[14].

معنى الكرم
والكرم المطلوب في الإسلام يكون من خلال تقديم المال والإطعام والإكساء والإيواء وفي هذا ورد أنّه سئل الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام) ما الكرم؟ قال(عليه السلام):"الابتداء بالعطيّة قبل المسألة، وإطعام الطعام في المحلّ"[15]

وهذا يكون بحسب قدرة الإنسان، فالإمام علي(عليه السلام) ورد أنّه قال: "الكرم بذل الجود، وإنجاز الموعود"[16]، وعنه(عليه السلام): "الكريم من جاء بالموجود"[17].

 ويُفهم من الأحاديث أنّ الكرم له ربط بصفات إنسانية نبيلة لا تنفك عن الكريم منا ما ورد عن الإمام علي(عليه السلام):
1- الكريم يشكر القليل0[18]
2- الكريم من جازى الإساءة بالإحسان[19].
3- الكريم يرفع نفسه من كل ما أسداه عن حسن المجازاة[20].
4- الكريم إذا قدر صفح وإذا ملك سمح وإذا سئل أنجح[21].
5- الكريم إذا وعد وفا وإذا توعد عفا[22].

أكرم الناس
لكنّ هناك ما يصل به الإنسان إلى أعلى منازل الكرم، فالإمام(عليه السلام) ورد أنّه قال: "لا كرم كالتقوى".

وفي تطبيق لهذه التقوى التي من خلالها يصل الإنسان إلى أعلى منازل الكرم ورد أنّ رجلاً سأل رسول الله(صلى الله عليه وآله): أحُبّ أن أكون أكرم الناس، فقال(صلى الله عليه وآله): "لا تشكون الله إلى الخلق تكن أكرم الناس".

[1] الكليني، الكافي، ج1، ص 320.
[2] النيسابوري، روضة الواعظين، ص 239.
[3] المصدر السابق، ص 241.
[4] القزويني، الحسيني، موسوعة الإمام الجواد، ج1، ص 138.
[5] المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص 358.
[6] الميزرا النوري، خاتمة المتسدرك، ج5، ص 336.
[7] المجلسي، بحار الأنوار، ج 49، ص 100.
[8] سورة النمل، الآية 40.
[9] سورة الانفطار، الآية 6.
[10] سورة الحاقة، الآيتان 40-41.
[11] الريشهري، ميزان الحكمة، ج3، ص 2690.
[12] المرجع السابق، ص 2685.
[13] الأمين، محسن، أعيان الشيعة، ج1، ص 287.
[14] الريشهري، ميزان الحكمة، ج8، ص 370.
[15] المجلسي، بحار الأنوار، ج75، ص 103.
[16] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2684.
[17] المرجع السابق،ص  2686
[18] المرجع السابق نفسه.
[19] الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،  ص26.
[20] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2684.
[21] الواسطي، عيون الحكم والمواعظ،  ص55.
[22] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2684.