الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) سيّد العابدين
عُرف أئمّة أهل البيت (عليه السلام) بأوصاف وألقاب تدلّ على كمالاتهم أو الأدوار الأساسيّة في مسيرتهم، وإلاّ فالأوصاف الكماليّة هي أوصافهم جميعاً فكلّ واحد منهم كان زين العابدين وباقر لعلوم الأولين والآخرين، والصادق الأمين، والكاظم والرضا والجواد والهادي والمهدي.
علي بن الحسين:الباقر
من هذا المنطلق كان الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) باقراً للعلم ففي الفقه ورث الإمام السجّاد (عليه السلام) من أبيه الإمام الحسين (عليه السلام) كتاب الجامعة الذي فيه السُنّة النبويّة المباركة، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "إنّ الحسين بن علي (عليه السلام) لما حضره الذي حضره، دعا ابنته الكبرى فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) فدفع إليها كتاباً ملفوفاً ووصية ظاهرة ...فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين (عليه السلام)، ثمّ صار والله ذلك الكتاب إلينا يا زياد...سأله زياد: ما في ذلك الكتاب جعلني الله فداك؟ قال (عليه السلام): "فيه والله ما يحتاج إليه ولد آدم منذ خلق الله آدم إلى أن تفنى الدنيا، والله إنّ فيه الحدود، حتى أنّ فيه أرش الخدش"[1].
وعن علم الإمام زين العابدين بالشريعة قال أبو حازم: "ما رأيت أفقه منه"[2].
وحول علمه الخاص ذكر أبو خالد الكابلي الذي كان يخدم ابن الحنفية ويعتقد بإمامته، فناشده يوماً: أنت الإمام؟ فقال محمد بن الحنفية: الإمام زين العابدين (عليه السلام). وأرشده إليه. فلمّا أتاه قال الإمام السجاد (عليه السلام): "مرحباً بك يا كنكر! فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى عرفت إمامي، هذا ما سمّتني به أمي، ولم يعرفني به أحد إلى يومي"[3].
علي بن الحسين (عليه السلام): الكاظم
- قال الزهري: "خرج يوماً من المسجد، فتبعه رجل فسبّه، فلحقه العبيد والموالي، فهمّوا بالرجل، فقال: دعوه، ثمّ قال: ما ستر الله عنك من أمرنا أكثر ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحى الرجل، فألقى علي عليه قميصة كانت عليه، وأعطاه ألف درهم، فكان الرجل إذا رآه بعد ذلك يقول: أشهد أنك من أولاد الرسول"[4].
- قال رجل من ولد عمّار بن ياسر: "كان عند علي بن الحسين قوم، فاستعمل خادماً له، فأخرج شواء من التنور، وأقبل الخادم عجلاً وبيده السفود وبين يدي علي ولد له صغير، فسقط السفود على الصغير، فنش ومات، فبهت الخادم، فنظر إليه علي وقال: أنت لم تتعمّد هذا، أنت حرّ لوجه الله تعالى، ثمّ أمر بمواراة الولد"[5].
وكان (عليه السلام) يوازن بين العبادة الخاصة وخدمة الناس.
علي بن الحسين: الجواد وقاضي الحوائج
-كان علي بن الحسين (عليه السلام) يخرج في الليلة الظلماء فيحمل الجراب فيه الصرر من الدنانير والدراهم حتى يأتي باباً باباً فيقرعه ثم ينيل من يخرج إليه فلمّا مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدوا ذاك، فعلموا أنّ علياًَ (عليه السلام) كان يفعله".
- رُوي أنّه لما استشهد الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) وجدوا بظهره أثراً ممّا كان ينقل الجُرب بالليل إلى منازل الأرامل".
- في سيرة الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنّه قاسم الله تعالى ماله مرتين".
- رُوي أنّه كان يقول للمحتاج الذي يقدّم له صدقة: "مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة".
- رُوي أنّه كان يقول للمحتاج الذي يقدّم له صدقة: مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة.
ألقاب العبادة
رغم وجود تلك الكمالات في الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) إلاّ أنّ الصفات والألقاب التي اشتهر بها يدور أغلبها حول العبادة، فمن تلك الألقاب: السجّاد، ذو الثفنات، البكّاء، المتهجّد، الرهبانيّ، زين العابدين، سيّد العابدين.
سيّد العابدين
وقد أطلق رسول الله (صلى الله عليه وآله) اللقب الأخير عليه في الحديث الذي روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري الذي قال: "كنت جالساً عند رسول الله (صلى الله عليه وآله)، والحسين في حجره، وهو يداعبه، فقال (صلى الله عليه وآله): يا جابر، يولد له مولود اسمه علي، إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ ليقم سيّد العابدين"[6].
وقد عرف القريبون من الإمام السجّاد (عليه السلام) منشأ هذا اللقب الجميل في مشاهدات سُجّلت في سيرة الإمام (عليه السلام) منها:
أ- "كان (عليه السلام) إذا حضر للوضوء اصفرّ لونه. قيل له: ما هذا الذي يعتريك عند الوضوء؟ فيقول (عليه السلام): ما تدرون بين يدي من أقوم؟!"[7].
ب- "كان (عليه السلام) إذا قام في الصلاة غشي لونه لوناً آخر، وأخذته رعدة".
ج- "دخل الإمام الباقر (عليه السلام) عليه، فرآه اصفر لونه من السهر، ورمضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمت ساقاه من القيام في الصلاة، فقال الإمام الباقر (عليه السلام): "فلم أملك حين رأيته بتلك الحال إلاّ البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر، فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي، وقال (عليه السلام): يا بني، أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأعطيته فقرأ فيها شيئاً يسيراً ثمّ تركها من يده ضجراً وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي طالب (عليه السلام)"[8].
د- سُمِع الإمام (عليه السلام) ليلة في مناجاته يقول: "إلهنا وسيّدنا ومولانا لو بكينا حتى تسقط أشفارنا، وانتحبنا حتى تنقطع أصواتنا. وقمنا حتى تيبس أقدامنا. وركعنا حتى تنخلع أوصالنا. وسجدنا حتى تتفقأ أحداقنا. وأكلنا تراب طول أعمارنا وذكرناك حتى تكل ألسنتنا. ما استوجبنا بذلك محو سيئة من سيئاتنا"[9].
هـ- "وقع حريق في بيت علي بن الحسين (عليه السلام) وهو ساجد، فجعلوا يقولون له: يا بن رسول الله النار النار يا ابن رسول الله النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له: ما الذي ألهاك عنها؟ فقال: ألهتني عنها النار الأخرى"[10].
و- رأى طاووس اليماني الإمام السجاد يطوف من العشاء إلى السحر ويتعبَّد، فإذا بالإمام يرمق السماء بطرفه ويقول: "إلهي غارَتْ نجومُ سماواتِك، وهجعَتْ عيونُ أنامِك، وأبوابُكَ مفتَّحاتٌ للسائلين، جئتك لتغفرَ لي وترحمَني وتُريَني وجه جدّي محمّد (صلى الله عليه وآله) في عرَصات القيامة". ثم بكى... وأطال الدعاء والبكاء. فدنا منه طاووس وقال له: ما هذا الجزع والفزع؟! ونحن يلزمنا أن نفعل مثل هذا، ونحن عاصون جانون أبوك الحسين بن عليّ (عليه السلام)، وأُمُّك فاطمة الزهراء (عليه السلام) ، وجدُّك رسول الله (صلى الله عليه وآله)!! فالتفت إليه الإمام وقال:
"هيهات هيهات يا طاووس!! دع عنّي حديث أبي وأُمّي وجدِّي، خلق الله الجنَّة لمن أطاعه وأحسن، ولو كان عبداً حبشيّاً وخلق النار لمن عصاه، ولو كان ولداً قرشيّاً، أما سمعتَ قوله تعالى: "فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ"[11] واللهِ لا ينفعك غداً إلاَّ تقدمةٌ تقدِّمها من عمل صالح"[12].
إنّه الطهر الذاتي الذي يصنع القرب من الله تعالى، ويجذب الناس اقتراباً من الطاهر.
إنّه الطهر الذي فاجأ هشام بن عبد الملك حينما لم يستطع الاقتراب من حجر الكعبة الأسود لعدم اكتراث الناس به وانشغالهم بطوافهم، واستطاع ذلك الطهر المالئ لنفس الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن يكهرب الناس حينما توجّه إلى الحجر الأسود ليستلمه.
حينها حاول هشام إيهام بعض الحاضرين أنّه لا يعرف إمام الطهر بطهره، لكن الشاعر الكبير الفرزدق كان حاضراً بشجاعته وأدبه فقال:
هذا بقية الله في أرضه، هذا بقيّة النبوّة، هذا إمام المتقين وسيّد العابدين...
هذا سليـل حـسين وابن فاطمـة بنت الرسول الذي غابت به الظلم
هذا الذي تعرف البطحاء وطـأتـه والبيـت يعرفه والحـل والحـرم
هذا ابن خيـر عـباد الله كلّـهم هذا التـقي النـقي الطاهر العلم
إذا رأتـه قـريش قـال قـائلها إلـى مكارم هـذا ينتهي الكرم
يفضي حياء ويُفضـى مـن مهابته فـلا يـكلِّم إلا حـين يـبتسم
هـذا ابن فاطمـة إن كنت جاهله بجـدّه أنبيـاءُ الله قـد ختمـوا
من معشر حبّهم دين وبغضهتم كفر وقـربُـهـم منجـى ومعتصـم
إن عدّ أهل التُقـى كانوا أئمتهـم أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
[1] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص304.
[2] الحلي، علي، العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، تحقيق مهدي الرجائي، ط1، مكتبة آية الله المرعشي، 1408، ص 318.
[3] البياضي، علي، الصراط المستقيم، ج2، ص180.
[4] الحلي، علي، العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، ص 319.
[5] المصدر السابق.
[6] الآمدي، محمد، الهجرة إلى الثقلين، ط1، قم، مركز الأبحاث العقائدية، 1421، ص409.
[7] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق ابراهيم الميانجي ومحمد الباقر البهبودي، ط3، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ج77، ص347.
[8] الحلي، علي، العدد القوية لدفع المخاوف اليومية، ص 58.
[9] المصدر السابق، ص315.
[10] المصدر السابق، ص63.
[11] سورة المؤمنون، الآية: 101.
[12] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص81 - 82.