المستضعفون في الارض

معنى المستضعَف:

المستضعَف:من الضعف مقابل القوّة، لكنّه لا يعني الضعيف، فإضافة الميم والسين والتاء تفيد طلب تحقّق الشيء، فالمستفهَم عنه هو الذي يُطلب تحقّق فهمه، وليس معناه المفهوم، وعليه فإنّ المستضعَف هو من وقع تحت ضغط متسلّطين أو ظروف معيَّنة، أو ما شابه بهدف إضعافه، وقد يجتمع ذلك مع قوّته تارة، ومع ضعفه أُخرى.

ما يقابل الاستضعاف

عطفًا على المعنى السابق استعمل القرآن الكريم مصطلحًا مقابلاً للاستضعاف هو الاستكبار الذي يعني محاولة التكبُّر على الآخر وجعله ضعيفًا أمامه. ومن الآيات التي ورد فيها المصطلحان:

1-"قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ"[2].

نلاحظ القوّة الإيمانيّة في منطق المستضعفين.

2-" قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا "[3].

المراد أنّ مكركم في الليل والنهار هو الذي صدَّنا عن قبول الهدى.


أنواع الاستضعاف:

الأوّل: الاستضعاف الفكريّ

وقد تعرّض له القرآن الكريم بقوله عزّ وجلّ:"... فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً "[4].

ومعنى المستضعَف هنا بقرينة ما لحقه "لا يهتدون سبيلاً" هو القاصر من الناحية الذهنيّة والفكريّة.

الموقف الإلهيّ من حساب المستضعفين في الآخرة

توضّح الآية أنّ حساب الله للمستضعفين يختلف عن حساب غيرهم، فإنّ القاصر عن معرفة الحقيقة الذي لم يصل إليها بسبب يستحيل أن يعذّبه الله تعالى، لأنّ تعذيبه ظلم، والظلم قبيح، والله تعالى لا يفعل القبيح، لذا يعقّب الله تعالى على الآية المتقدّمة بقوله سبحانه: " فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا "[5].

وهذه العقيدة تفتح قلوب المسلمين للنظرة المنفتحة تجاه الآخرين في العقيدة طالما هم ليسوا جاحدين بالحقّ أو مقصّرين في الوصول إليه.

 

الثاني: الاستضعاف العمليّ

وهو ما يتحقّق من خلال التسلّط السياسيّ أو الهيمنة الأمنيّة، أو الضغط الاقتصاديّ وما شابه ذلك. وهذا المعنى هو الذي يقابله الاستكبار.

وإذا جمعنا بين الاستضعاف السابق بالمعنى الفكريّ، وهذا المعنى للاستضعاف، فإنّ المستضعفين بالمعنى الشامل للنوعين السابقين لا يشترط فيهم أن يكون من أهل الحقّ.

الموقف القرآنيّ تجاه المستضعفين

طرح القرآن الكريم قضيّة المستضعفين بدرجة عالية من الأهميّة، فلا يقتصر الواجب تجاههم على تعليمهم أو مساعدتهم الاقتصاديّة، بل يصل الأمر في طرح الكتاب العزيز إلى أن يقاتل المؤمنون في سبيلهم، قال الله تعالى: " وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا"[6].

مستقبل المستضعفين في الأرض

طرح القرآن الكريم أنّ مستقبل المستضعفين في الأرض سيؤول إلى وراثتها وحكمها، وذلك أثناء عرضه لقصّة كليم الله موسى (ع)، قال تعالى: " إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ "[7].

واللافت أنّ هذه الآية رغم كونها في مقام ذكر قصّة حدثت في الزمان الماضي إلاّ أنّ التعبير القرآنيّ لم يكن بصيغة الماضي، فلم يقل "وأردنا"، بل قال: "ونريد" بصيغة المضارع الذي يفيد الاستمرار، وهذا يعني أنّ إرادة الله لا تقتصر على نبيّ الله موسى (ع) والمؤمنين به بل هي قضيّة تتعلّق أيضًا بمستقبل الرسالة الإسلاميّة. وهذا الأمر ينسجم مع كون آيات القرآن الكريم لا تقتصر على موردها فقط، بل إنّها تجري كما تجري الشمس والقمر.

من هم المستضعفون الوارثون؟

إنّ المستضعفين الوارثين المنصورين في الآية، ليسوا مطلق المستضعفين، فهناك قيد قرآنيّ لهم هو كونهم عباد الله الصالحين، وذلك في قوله: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"[8].

وانطلاقًا ممّا تقدّم ورد في العديد من الروايات عن النبيّ (ص) وأهل بيته (ع) أنّ عباد الله المستضعفين الصالحين الذين سيرثون الأرض ويكونوا أئمةً فيها هم، بسبب النصّ الوارد عن سلمان الفارسيّ، قال لي رسول الله (ص): "إنّ المستضعفين في الآية هم آل محمّد"[9].

وهذا ما أكّده الإمام الصادق (ع) بقوله الوارد عنه: "إنّ رسول الله (ص) نظرً إلى عليّ والحسن والحسين (ع) فبكى وقال: أنتم المستضعفون بعدي، قال المفضل: فقلت له: ما معنى ذلك يا ابن رسول الله (ص)؟قال (ع):معناه أنّكم الأئمّة بعدي، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[10].فهذه الآية جارية فينا إلى يوم القيامة"[11].

ومعنى كون آل محمّد وكون الأئمّة هم الوارثين هو انتصار قضيّتهم التي هي قضيّة الرسالة الإسلاميّة المحمّديّة الأصيلة التي سيظهرها الله على الدين كلّه على يد المستضعَف الصالح المهديّ من آل محمّد (ص) وهذا ما ذكره الإمام عليّ (ع) بقوله: "المستضعفون في الأرض المذكورون في الكتاب الذين يجعلهم أئمّة نحن أهل البيت يبعث الله مهديهم، فيعزّهم، ويذلّ عدوّهم"[12].

قال العلاّمة المجلسيّ: صحّت الرواية عن أمير المؤمنين (ع) أنّه قال: "والذي خلق الجنّة وبرأ النسمة لتعطف الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها، وتلا عقيب ذلك، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[13]"[14].

ومعنى الشماس من شمس الفرس إذا منع من ظهره، والضروس: الناقة السيئة الخلق تعضّ حالبها[15]، ليبقى لبنها لولدها بسبب شفقتها عليه[16]. والمراد أنّ الدنيا ستنقاد لنا بعد جموحها، وتلين بعد خشونتها، كما تتعطف الناقة على ولدها، وإن أبت على الحالب.

وقد ورد ما ينسجم مع المعنى السابق في بعض مصادر أهل السُّنّة مثل ما رواه الهنديّ عن الإمام عليّ (ع): "...فيبعث عليه فتىً من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبيّ (ص) هم أصحاب الرايات السود المستضعفون، فيعزّهم الله، وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم أحد إلاّ هزموه"[17].

يوم المستضعفون العالميّ

من التأصيل السابق نفهم السرّ في انتخاب الإمام الخمينيّ (قده) يوم ولادة الإمام المهديّ (عج) ليعلنه يومًا عالميًا للمستضعفين من المسلمين وغير المسلمين، وهذا يتجلّى من خلال هذين الأمرين:

الأوّل:أنّ قضيّتهم هي قضيّة حقّ تبنّاها القرآن الكريم في كتابه العزيز، ودعا إلى مناصرتهم والقتال في سبيلهم.

الثاني:أنّ الإمام المهديّ (عج) هو حامل قضيّة المستضعفين العالميّة، وقائد مسيرتهم، ومحقِّق آمالهم من خلال دولة العدالة الإنسانيّة.

ولم يكتفِ الإمام الخميني (قده) بالتأصيل الفكريّ والاصطلاحيّ لحركة المستضعَفين ومواجهة المستكبرين، بل إنّه أرشد الأمّة إلى المستكبرين ليأخذوا موقف المواجهة لهم لنصرة المستضعفين، فحدّد أنّ أمريكا هي المستكبر السياسيّ الأوّل في العالم، وأطلق عليها الشيطان الأكبر للانسجام بينهما، إذ معصية الشيطان كانت الاستكبار، قال تعالى: " إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"[18].

وحدّد (قده) أنّ إسرائيل هي المستكبر الوجوديّ، وأطلق عليها الشيطان الأصغر.

واليوم زادوا المستكبرين مستكبرًا آخر، والشياطين شيطانًا ثالثًا، وهم التكفيريّون الذين يستضعفون من عداهم وهذا ما يستوجب مواجهتهم في سبيل الله، لأنّهم يصدّون عن سبيله، وفي سبيل المستضعفين امتثالاً لأمر الله في كتابه العزيز شاء من شاء وأبى من أبى.

 



[1]سورة القصص، الآية 5.

[2]سورة الأعراف، الآية 75.

[3]سورة سبأ، الآيتان: 32-33.

[4]سورة النساء، الآيتان: 97-98.

[5]سورة النساء، الآية 99.

[6]سورة النساء، الآية 75.

[7]سورة القصص، الآيتان: 4-5.

[8]سورة الأنبياء، الآية 105.

[9]الكوراني، عليّ، معجم أحاديث الإمام المهدي، ج5، ص 321.

[10]سورة القصص، الآية 5.

[11]الصدوق، محمّد، معاني الأخبار، ص 79.

[12]القاضي النعمان، شرح الأخبار، ج3، ص 567.

[13]سورة القصص، الآية 5.

[14]المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج24، ص 167.

[15]ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج19، ص 29.

[16]البحراني، ابن ميثم، شرح نهج البلاغة، ج5، ص 349.

[17]المتقي الهندي، كنز العمال، ج14، ص 597.

[18]سورة البقرة، الآية 34.