شهر الأئمّة (عليه السلام)
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[1].
من خصائص شهر رجب أنّه يتضمّن أيّامًا عظيمة وردت فيها ولادة عدّة أئمّة من أهل البيت (عليه السلام): ففي الأوّل منه ولادة الإمام الباقر (عليه السلام) وفي الثاني منه ولادة الإمام الهادي (عليه السلام) وفي العاشر منه ولادة الإمام الجواد (عليه السلام)، وفي الثالث عشر ولادة الإمام عليّ (عليه السلام).
مع الإمام الباقر (عليه السلام)
ورد أنّ مَنْ سمّى الإمام محمّد بن عليّ بالباقر (عليه السلام) هو رسول الله (صلى الله عليه وآله).
ففي رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين (عليه السلام) يقال له:" "محمد"، يبقر علم الدين بقراً، فإذا لقيته فاقرئه منّي السلام"[2].
وفي قصة اللقاء ورد أنّه حينما سلّم الإمام محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) وهو صغير في السنّ، على جابر بن عبد الله، وكان أعمى، سأله جابر: "من أنت؟ فأجاب: محمد بن عليّ الباقر، فقال: يا بني، ادن منّي، فدنا منه، فقبَّل جابر يديه، ثم هوى إلى رجليه، فقبَّلهما، فتنحّى الإمام (عليه السلام) عنه، ثم قال جابر: يا بنيّ، أدنُ مني، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرؤك السلام، فأجاب الإمام (عليه السلام): وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته".
وقد سنحت الفرصة للإمام الباقر (عليه السلام) أن يظهر بعض علمه، وهذا ما نلاحظه في ما نقل عن حبابة: "رأيت رجلاً بمكة بين الباب والحجر... انثال عليه الناس يستفتونه عن المعضلات ويستفتحونه أبواب المشكلات فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة، ثم نهض يريد رحله ومنادٍ ينادي: ألا إنّ هذا النور الأبلج... وآخر يقول: محمد بن علي الباقرُ. ورآه هشام فسأله عنه، فقيل: هذا من افتتن به أهل العراق، هذا إمام أهل العراق"[3].
ومع ذلك كان يشتكي الإمام (عليه السلام) كما هو حال غيره من الأئمّة (عليه السلام) من عدم إتاحة الفرصة لنشر علومهم، لذا كان (عليه السلام) يقول: "لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عزّ وجل حملة، لنشرت التوحيد والإسلام والدين والشرائع من "الصمد"، وكيف لي، ولم يجد لي جدي أمير المؤمنين حملة لعلمه"[4].
من أين هذا العلم؟
أوضحت الأحاديث أنّ علوم الأئمّة (عليه السلام) لا تحدث بالتعلُّم، بل هي نوع خاصّ من الإفاضة الإلهيّة؛ لذا كانوا مميَّزين في علومهم الخاصّة منذ صغرهم، وأُعطي لذلك مثالين متعلِّقين بالمولدين في رجب الإمامين الجواد والهادي (عليه السلام).
الإمام الجواد (عليه السلام) العالم الصغير
في الحديث عن معمَّر بن خلاد عن الإمام الرضا(عليه السلام): "ما حاجتكم إلى ذلك؟! هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي وصيّرته مكاني... إنّا أهل البيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة"[5].
وقد ورد أن قاضي القضاة يحيى بن أكثم في قضية مدبَّرة ليسقط الإمام الجواد(عليه السلام) أمام أعين الناس سأل الإمام محمد الجواد وهو ابن سبع سنين وأشهر: ما تقول جعلت فداك في مُحرم قتل صيداً؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام):
قتله في حلّ أو في حرم؟
عالماً كان المحرم أو جاهلا؟
عمدًا كان أو خطأ ؟
حرًّا كان أو عبدًا ؟
صغيرًا كان أم كبيرًا ؟
مبتديًا أم معيدًا ؟
من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها ؟
من صغار الصيد أم من كبارها ؟
مصرًّا على ما فعل أو نادمًا ؟
أبالليل كان قتل صيده أم نهارًا ؟
محرمًا كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرمًا ؟
فتحيّر يحيى ابن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع[6].
فقال المأمون بعدها: "ويحكم إنَّ أهل هذا البيت خصُّوا من بين الخلق بما ترون من الفضل، وإن صغر السنّ فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) افتتح دعوته بدعاء أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الإسلام وحكم له به، ولم يدعُ أحدًا في سنّه غيرَه، وبايع الحسن والحسين (عليه السلام)، وهما ابناه دون الست سنين، ولم يبايع صبيًّا غيرهما، أفلا تعلمون الآن ما اختص الله به هؤلاء القوم، فإنّهم ذرية بعضها من بعض يجرى لآخرهم ما يجرى لأولهم[7].
الإمام الهادي (عليه السلام) العالم الصغير
رُوي أنّه بعد شهادة أبيه الجواد (عليه السلام) عمد المعتصم العباسي إلى عمر بن الفرج أن يشخص بنفسه إلى المدينة؛ ليختار معلِّمًا لأبي الحسن الهادي (عليه السلام) البالغ من العمر ست سنوات وأشهرًا، وقد عهد إليه أن يكون المعلم معروفًا بالنصب والانحراف عن أهل البيت (عليه السلام) ليغذيه ببغضهم، ولما انتهى عمر إلى يثرب التقى بالوالي وعرّفه بمهمته فأرشده الوالي وغيره إلى الجنيديّ الذي كان شديد البغض للعلويين، بادر الجنيديّ إلى ما كان أمر به من مهمة تعليم الإمام (عليه السلام) إلاّ أنّه قد ذهل لما كان يراه من حدّة ذكائه، وقد سأله أحدهم فقال له: "ما حال هذا الصبيّ الذي تؤدّبه؟ فأنكر الجنيديّ ذلك وقال له: أتقول هذا الصبي؟ ولا تقول هذا الشيخ ؟ أنشدك بالله هل تعرف بالمدينة من هو أعرف منّي بالأدب والعلم؟ قال: لا، فقال الجنيديّ: إنّي والله لأذكر الحرف في الأدب، وأظنّ أنّي قد بالغت، ثمّ أنّه يملي أبوابًا استفيد منه، فيظنّ الناس أنّي أعلمه وأنا والله أتعلّم، وبعد فترة من الزمن التقى به السائل نفسه ثمّ كرر عليه السؤال عن حال الصبيّ؟ فأنكر عليه الجنيديّ ذلك وقال: دع عنك هذا القول والله تعالى لهو خير أهل الأرض، وأفضل من برأه الله تعالى، وأنّه لربّما همّ بدخول الحجرة فأقول له: حتى تقرأ سورة، فيقول: أي سورة تريد أن أقرأها؟ فأذكر له السور الطوال ما لم يبلغ إليها فيسرع بقراءتها بما لم أسمع أصح منها، وكان يقرأها بصوت أطيب من مزامير داوود، أنّه حافظ القرآن من أوّله إلى آخره ويعلم تأويله وتنزيله، وأضاف الجنيديّ قائلاً: هذا الصبيّ صغير نشأ بالمدينة بين الجدران السود فمن أين علم هذا العلم الكبير؟ يا سبحان الله ؟ ثمّ نزع عن نفسه النصب لأهل البيت ودان بالولاء واعتقد بالإمامة[8].
قال الشاعر:
حار فيه فكر الجنيديّ مذ شاهد فيه ما حيّر الأفكارا
جاء يملي له العلوم صغيرًا فإذا بالصغار تهدي الكبارا
العلماء ورثة الأئمّة (عليه السلام)
ولأجل الاستفادة من علوم أهل البيت (عليه السلام) عمل الأئمّة على تخريج العلماء المخلصين الواعين وأرشدوهم إلى تعليم النّاس، فالإمام الباقر (عليه السلام) كان يقول لأبان بن تغلب: "اجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك"[9].
وفعلاً ورد أنّ أبان روى عن الإمامين الباقر والصادق (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث وحينما لامه البعض على روايته عن الإمام الباقر (عليه السلام) أجاب: كيف تلومني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلاّ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله).
وأرشد الأئمّة الناس إلى الاستفادة من هؤلاء العلماء، فقد ورد أنّ أحدهم سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن مرجعيّته للإجابة عن أسئلته فأجابه: "فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفيّ، فإنّه قد سمع من أبي، وكان عنده وجيهًا"[10].
ولشدة اهتمامالإمام الباقر (عليه السلام) بتربية أصحابه ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: " لما حضرت أبي عليه السلام الوفاة قال: يا جعفر، أوصيك بأصحابي خيراً، قلت: جعلت فداك والله لأدعنهم- والرجل منهم يكون في المصر- فلا يسأل أحداً"[11].
الوصيّة الدرس
إنّ وصيّةالإمام الباقر (عليه السلام) درس كبير لشيعته أن يجهدوا للاستفادة من علومهم التي يرتقون بها في مدارج الكمال عند الله تعالى، ويعمرون بها الأرض، ليكونوا خير خلفاء فيها.
والحمد لله رب العالمين
[1] سورة الأحزاب، الآية 33.
[2] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق محمد مهدي السيد حسن الخرسان، محمد الباقر البهبودي، ط2، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1983، ج46، ص 222.
[3] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص259.
[4] المصدر السابق، ج3، ص225.
[5] الكليني، محمّد، الكافي، ج1، ص 320.
[6] الفتّال النيسابوري، محمّد، روضة الواعظين، ص 239.
[7] المصدر السابق، ص 241.
[8] حديقة الشيعة للأردبيليّ، ص 602. وروضات الجنان، ص 134.
[9] البروجرديّ، حسين، جامع أحاديثالشيعة، ج1، ص 236.
[10] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج2، ص 249.
[11] الكليني، محمّد، الكافي، ج1، ص 306.