بسم الله الرحمن الرحيم
الإمام الصادق (ع) وعنوان البصريّ
من وصايا الإمام الصادق (ع) ما ورد في رواية عنوان البصريّ الذي كان شيخًا كبيرًا عمره أربع وتسعون عامًا، وكان يمتاز بميزة يحبّها الله ورسوله وهي حبّه للعلم والعلماء، وسعيه للتزوّد منهم، وكان يسكن المدينة التي كانت في عصره مليئة بالعلماء الكبار الذين كانوا حصيلة المسعى الحثيث للإمام الصادق (ع) في إنتاج العلم، وإعداد العلماء، وكان ممّن يتردّد إليهم، لسنوات، إمام مذهب المالكيّة وهو مالك بن أنس، لكنّه لم يكتفِ بذلك، بل كان يتوق لنهل العلم من الإمام الصادق (ع)، وذلك لأنّ الإمام كان أستاذ مالك الذي قال في الإمام: "والله ما رأت عيني أفضل من جعفر بن محمّد زهدًا وفضلاً وعبادة وورعًا" 1، وقال "ما رأيت عين، ولا سمعت أذن، ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمّد علمًا وعبادة وورعًا" 2.
وقول مالك يشابه قول زميله في التلمذة على الإمام الصادق (ع) إمام المذهب الحنفيّ أبو حنيفة الذي كان يقول: "ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد "3. وإلى مالك يرجع في التلمذة إمام المذهب الشافعي محمد بن إدريس 4. وإلى الشافعي يرجع في التلمذة إمام المذهب الحنبلي أحمد بن حنبل 5.
وعليه فجميع أئمة المذاهب الأربعة يرجعون في التلمذة إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق (ع) وبالرجوع إلى "عنوان البصري" فإنّه كان يتوق إلى مجالسة الإمام لاستفادة العلم منه، لذا سعى إلى ذلك، وأخبرنا بنتيجة سعيه في هذه الرواية التي خلّدت اسم عنوان البصري الذي قال فيها:
" كنت أختلف إلى مالك بن أنس سنين، فلمّا قدم جعفر الصادق المدينة اختلفت إليه، وأحببت أن آخذ عنه كما أخذت عن مالك، فقال لي يومًا : إنّي رجل مطلوب ومع ذلك لي أوراد في كل ساعة من آناء الليل والنهار، فلا تشغلني عن وردي، وخذ عن مالك، واختلف إليه كما كنت تختلف إليه، فاغتممت من ذلك، وخرجت من عنده وقلت في نفسي: لو تفرس في خيرا لما زجرني عن الاختلاف إليه والأخذ عنه، فدخلت مسجد الرسول وسلمت عليه ، ثم رجعت من الغد إلى الروضة وصليت فيها ركعتين، وقلت: أسألك يا ألله يا ألله أن تعطف علي قلب جعفر ، وترزقني من علمه ما أهتدي به إلى صراطك المستقيم. ورجعت إلى داري مغتما ولم أختلف إلى مالك بن أنس لما أشرب قلبي من حبّ جعفر، فما خرجت من داري إلاّ إلى الصلاة المكتوبة حتى عيل صبري، فلمّا ضاق صدري تنعلت وترديت وقصدت جعفرًا، وكان بعدما صليت العصر، فلمّا حضرت باب داره استأذنت عليه فخرج خادم له فقال: ما حاجتك ؟ فقلت: السلام على الشريف، فقال: هو قائم في مصلاه، فجلست بحذاء بابه، فما لبثت إلاّ يسيرًا إذ خرج خادم فقال: أدخل على بركة الله، فدخلت وسلّمت عليه، فرد السلام وقال: اجلس غفر الله لك، فجلست فأطرق مليًا، ثمّ رفع رأسه، وقال: أبو من؟ قلت: أبو عبد الله، قال: ثبت الله كنيتك ووفقك، يا أبا عبد الله ما مسألتك؟ فقلت في نفسي: لو لم يكن لي من زيارته والتسليم غير هذا الدعاء لكان كثيرًا، ثمّ رفع رأسه، ثمّ قال: ما مسألتك؟ فقلت: سألت الله أن يعطف قلبك علي ويرزقني من علمك، وأرجو أن الله تعالى أجابني في الشريف ما سألته.
فقال: يا أبا عبد الله ليس العلم بالتعلم، إنّما هو نور يقع في قلب من يريد الله تبارك وتعالى أن يهديه 6، فإن أردت العلم فاطلب أولاً في نفسك حقيقة العبودية، واطلب العلم باستعماله، واستفهم الله يفهمك.
قلت: يا شريف، فقال: قل يا أبا عبد الله.
قلت: يا أبا عبد الله ما حقيقة العبودية ؟ قال: ثلاثة أشياء: أن لا يرى العبد لنفسه فيما خوله الله ملكًا، لأنّ العبيد لا يكون لهم ملك، يرون المال مال الله يضعونه حيث أمرهم الله به، ولا يدبّر العبد لنفسه تدبيرًا، وجملة اشتغاله فيما أمره تعالى به ونهاه عنه، فإذا لم ير العبد لنفسه فيما خوله الله تعالى ملكًا، هان عليه الانفاق فيما أمره الله تعالى أن ينفق فيه، وإذا فوّض العبد تدبير نفسه على مدبره، هانت عليه مصائب الدنيا، وإذا اشتغل العبد بما أمره الله تعالى ونهاه، لا يتفرغ منهما إلى المراء والمباهاة مع الناس.
فإذا أكرم الله العبد بهذه الثلاث هانت عليه الدنيا ، وإبليس ، والخلق ، ولا يطلب الدنيا تكاثرا وتفاخرًا، ولا يطلب ما عند الناس عزًا وعلوًّا، ولا يدع أيامه باطلاً، فهذا أول درجة التقى، قال الله تبارك وتعالى: "تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ" 7.
قلت : يا أبا عبد الله أوصني.
قال: أوصيك بتسعة أشياء فإنها وصيتي لمريدي الطريق إلى الله تعالى، والله أسأل أن يوفقك لاستعمالها. ثلاثة منها في رياضة النفس، وثلاثة منها في الحلم، وثلاثة منها في العلم، فاحفظها وإياك والتهاون بها، قال عنوان: ففرغت قلبي له. فقال: أمّا اللواتي في الرياضة: فإياك أن تأكل ما لا تشتهيه فإنه يورث الحماقة والبله، ولا تأكل إلاّ عند الجوع، وإذا أكلت فكل حلالاً وسمّ الله، واذكر حديث الرسول (ص): ( ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه ، فإن كان ولابد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه ).
وأمّا اللواتي في الحلم: فمن قال لك إن قلت واحدة سمعت عشرًا، فقل: إن قلت عشرًا لم تسمع واحدة، ومن شتمك فقل له: إن كنت صادقًا فيما تقول فأسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت كاذبًا فيما تقول فالله أسأل أن يغفر لك، ومن وعدك بالخنا 8 فعده بالنصيحة والدعاء.
وأمّا اللواتي في العلم: فاسأل العلماء ما جهلت، وإياك أن تسألهم تعنتًا وتجربة، وإياك أن تعمل برأيك شيئًا، وخذ بالاحتياط في جميع ما تجد إليه سبيلاً، واهرب من الفتيا هربك من الأسد9، ولا تجعل رقبتك للناس جسرًا 10. قم عني يا أبا عبد الله فقد نصحت لك، ولا تفسد علي وردي، فإنّي امرؤ ضنين بنفسي، والسلام على من اتبع الهدى" 11.
1 الصدوق، محمّد، الأمالي، ص 636.
2 الطوسيّ، محمّد، الخلاف، ج 1، ص 33.
3 الذهبي، محمد، تاريخ الإسلام، ج 9، ص 89.
4 الشافعي، محمد، الرسالة، ص 7.
5 المصدر السابق ص 6.
6 من الواضح أنّ الكلام هنا لا يراد منه التحصيل العاديّ للعلم والذي يحصل من خلال الدرس والجهد وبل لعلّله المراد هو انكشاف حقائق الأشياء، وملاكها التامّ لا يكون بكثرة العلم، بل بإفاضة الله تعالى النور الذي من خلاله تنكشف تلك الحقائق (أنظر: الجلالي، محمّد رضا، المنهج الرسالي، ص 257).
7 سورة القصص، الآية 83.
8 أي بالفحش من القول.
9 هذا الكلام موجّه إلى "عنوان" الذي كان من العامة، والفتيا عندهم كثيرًا من الأحيان تعتمد على الرأي.
10 أي لا تجعل ذمّتك تتحمّل تبعات الناس الذين قد ينجون، بينما تعلق أنت.
11 الخراسانيّ، وحيد، منهاج الصالحين، ج 1، ص 527-529.