الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) في ألقابه
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[1].
عُرِفَ الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) والأئمة المعصومين(عليهم السلام) والصدّيقة الكبرى(عليها السلام) بألقاب عديدة تختصر مقاماتهم وأدوارهم وخصائصهم.
فـ محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) هو سيد بني البشر، وخاتم الأنبياء، وحبيب الله، وخير خلق الله، وهو البشير النذير السراج المنير الطهر الطاهر العلم الزاخر المنصور المؤيد المحمود الأحمد...
بناءً عليه نطل على جانب من حياة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) من خلال بعض ألقابه التي منها:
1- الخالص
كان الإمام العسكري خالصاً من كل دنس، فهو من أهل البيت الذين اجتباهم الله وأذهب عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
وقد ظهر خلوصه منذ صغره، في سيرة الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) ورد أنّ رجلاً رأى الإمام وهو صبيّ صغير مع أترابه الصبيان وهو يبكي، فظنّ الرجل أنّه يبكي لعدم وجود لعبة معه، فسأله: أشتري لك ما تلعب به ؟
فردّ(عليه السلام): "ما للعب خلقنا".
فسأله الرجل: لماذا خلقنا ؟
فأجاب(عليه السلام): "للعلم والعبادة".
فسأله الرجل: من أين لك هذا؟
فأجاب(عليه السلام): من قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾[2].
فسأله الرجل: ما نزل بك، وأنت صغير لا ذنب لك.
فأجابه الإمام(عليه السلام): "إليك عني با بهلول، إنّي رأيت والدتي توقد النار بالحطب الكبار، فلا تتقد إلا بالصغار، وإني أخشى أن أكون من صغار حطب جهنم"[3].
2- الزكي/النقي
قال أحد المراقبين للإمام العسكري(عليه السلام): "كان يجلس في المحراب، فأنام وانتبه وأنام وهو ساجد"[4].
قال أحمد بن عبيد الله بن يحيى بن خافان: "وزير المعتمد": قلت لحجاب أبي وغلمانه: ويلكم من هذا الذي كنيتموه على أبي وفعل به أبي هذا الفعل ، فقالوا: هذا علوي يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا فازددت تعجبا ولم أزل يومي ذلك قلقا متفكرا في أمره وأمر أبي وما رأيت فيه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج إليه من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان ، فلما صلى وجلس ، جئت فجلست بين يديه وليس عنده أحد فقال لي: يا أحمد لك حاجة ؟ قلت: نعم يا ابه فإن أذنت لي سألتك عنها ؟ فقال: قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت ، قلت: يا أبه من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والكرامة والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك ؟ فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة ، ذاك الحسن بن علي المعروف بابن الرضا ، فسكت ساعة ، ثم قال: " يا بني لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا وإن هذا ليستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانته وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه"[5].
3- السراج/الهادي
ورد عن خادم الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) أنّه قال: "إذا نام سيدي أبو محمد العسكري رأيت النور ساطعاً من رأسه".
والسراج نوره عام يضيئ للجميع، وهكذا كان نور الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) الذي أضاء نوره في كلّ ساحات الإسلام والساحات الأخرى، بل وفي ساحة أعدائه، فقد ورد أن المعتمد زار الإمام (عليه السلام) في أول خلافته في منزله وطلب منه الدعاء بمدّ العمر ليدفع عنه شرّ الأتراك خوفاً ممن لاقاه أسلافه.
وورد أنَّ بختشوح الطبيب المسيحي المعروف في زمن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) قال عنه: "هو أعلم في يومنا هذا بمن هو تحت السماء"[6].
4- العسكري
نسبة إلى "عسكر" وهو اسم للبلدة التي كان يقيم فيها إقامة جبرية، وقد سميّت كذلك لأنها منطقة إقامة الجيش والعسكر. ولعلّ النسبة إلى المكان لها مزيتّه من خلال الإشارة إلى المحاصرة المكانية الشديدة التي فُرضت على الإمام(عليه السلام)، وذلك نتيجة أسباب عديدة، منها:
أ- الخوف من تواصل الإمام(عليه السلام) مع شيعته الذين كانوا منتشرين في الأقطار والبلدان، مما اضطر الإمام إلى اتخاذ إجراءات خاصة في التواصل مع شيعته، منها:
1- تعيين وكلاء.
2- التواصل عبر رسائل ومكاتبات كانت ترد إلى الإمام وتصدر منه بشكل أمني، فمن من وكلاء الإمام(عليه السلام) عثمان بن سعيد الذي كان يلقَّب بالسمّان نسبةً إلى السمن، كان ينقل الرسائل تحت أوعية السمن من وإلى الإمام (عليه السلام).
ب- الخوف من وَلَد الإمام العسكري(عج).
فقد اشتهرت في زمانه الروايات التي تنص على الأئمة الاثني عشر (عليه السلام) بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) والتي لا زالت موجودة إلى يومنا هذا في أهم كتب أهل السُنَّة كصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرهما.
فقد ورد في صحيح البخاري عن جابر بن سمرة: سمعت النبي(صلى الله عليه وآله) يقول: يكون اثنا عشراً أميراً، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي أنّه قال: كلّهم من قريش"[7].
وورد في صحيح مسلم عن مسلم بن جابر بن سمرة: سمعت النبيّ يقول: "لا يزال الدين قائماً حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلّهم من قريش"[8].
وفي مسند أحمد بن حنبل ورد حديث وصفه بالصحيح عن مسروق: " كنا جلوساً ليلة عند عبد الله بن مسعود فسأله رجل: يا عبد الرحمان هل سألتم رسول الله(صلى الله عليه وآله) كم يملك أمر هذه الأمّة خلفه؟ فقال ابن مسعود: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق قبلك، قال: نعم فسألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: اثنا عشر مثل نقباء بني اسرائيل"[9].
من هنا قامت السلطة بعد شهادة الإمام بأعمال لافتة نتيجة الخوف من ظهور الإمام الثاني عشر، منها:
1- تفتيش دار الإمام العسكري بشكل دقيق.
2- حبس نسائه طيلة فترة الحمل.
ولكن إرادة الله كانت قد جرت بالمولود الثاني عشر الذي كان الإمام العسكري (عليه السلام) قد أظهره لخاصة شيعته ودعاهم إلى انتظار الحكومة الإلهية العامة التي تتحقق على يديه وكما ورد عنه (عليه السلام) لأحد شيعته: عليك بالصبر وانتظار الفرج، فإنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج، ولا يزال شيعتنا في حزن حتى يظهر ولدي الذي بشّر به النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه يملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا، فاصبر...وأمر شيعتي بالصبر"[10].
[1] سورة الأحزاب، الآية 33.
[2] المؤمنون 115.
[3] حيدر الشيرواني، مناقب أهل البيت "ع"، ص 293.
[4] الطوسي، محمّد، الغيبة، ص 217.
[5] الكليني، الكافي، ج1، ص 504.
[6] بحار الأنوار، المجلسي، ج50، ص261.
[7] البخاري، محمّد، صحيح البخاري، ج8، ص 127.
[8] النيسابوري، أبو عبد الله، صحيح مسلم، ج6، ص4.
[9] الموصلي، أبو يعلى، مسند أبو يعلى، ج8، ص 444.
[10] الصدوق، محمّد، علل الشرائع، ج1، ص 4.