تكوين المذهب الجعفري

بسم الله الرحمن الرحيم
حول تكوين المذهب الجعفري

أود الحديث حول ميزة بارزة في مذهبنا تجلّت بعنوانه واسمه، فنحن نؤمن بالأئمة الإثني عشر، ولكن مذهبنا لم يسمَّ بالمذهب العلوي ولا بالحسني ولا بالحسيني بل سمي بالمذهب الجعفري، وذلك بسبب الدور الأساسي للإمام الصادق (ع) في تشكل هذا المذهب.
وحتى نفهم ميزة هذا التشكل المذهبي لا بد من إلقاء الضوء على عصر الإمام الصادق (ع)، فعند إلقاء نظرة عامة حول هذا العصر نجد أن هناك تميزاً في عصره على ثلاثة مستويات:
1 - المستوى السياسي.
2 - المستوى العقائدي.
3 - المستوى الفقهي.
1 - على المستوى السياسي: عاش الإمام الصادق (ع) في عصر احتضار الدولة الأموية وقيام دولة حديثة هي بديلة عنها، وهذا ما نعرفه جميعاً بشكل واضح، ولن أدخل في شرحه بشكل تفصيلي. وهذه الميزة لها تداعيات، من ضمنها أنها فتحت أجواء جديدة لم تكن معهودة من قبل، ففي عصر النبي (ص) لم يكن هناك تمايز بين المنصب العلمي والمنصب السياسي القيادي . فقد كان النبي هو صاحب المنصب العلمي والمرجعية الدينية وأيضاً القيادة السياسية. حين جاء الحكام من بعده كان الإصرار أن يبقى المنصب الديني العلمي والمنصب السياسي للقائد العام. لذلك كان الخليفة هو الذي يؤم الجماعة وهو الذي يجيب على الأسئلة.
حين جاء العصر الأموي، أصرّ الأمويون على بقاء الوجهة السياسية مع الوجهة الدينية في إطار الحاكم فلذلك كان الحاكم عندهم وكذلك (العمال والولاة ) هم أئمة الجماعة فيزيد كان يشرب الخمر ولكنه كان إمام الجماعة، وكان يصر على أن المنصب الديني له. كانوا يتحدثون في العقيدة وكانوا يؤمّون الجمعات ، وتسمعون أنّ يزيداً صلى الجمعة يوم الأربعاء لأنه كان سكران وصلى القوم خلفه.
هذه الحالة بقيت طوال فترة قوة الدولة الأموية، ولكن لما اهتزت قوتها وأصبحت في حالة الاحتضار أصبح هناك هامش كبير لدى العلماء في بيان آرائهم فأخذت تتسع الرقعة العلمية خارج الدائرة السياسية، وأخذ العلماء يتجرؤون على إبداء المواقف العقائدية والدينية والفقهية خارج إطار الدولة الأموية مما أظهر علماء للأمة في صف المعارضة .
إذن هذا الجو السياسي والأمني فتح مجالاً لتغيير عقائدي وتغيير فقهي أريد الحديث عنهما.
2 - على المستوى العقائدي: هناك ميزة بارزة في عصر الإمام الصادق عليه السلام هي فتح عصر الترجمات على مصراعيه، وهذا ما كان له أثر كبير على ثقافة الأمة، وهذا الأمر هو من تداعي الفتوحات التي لها إيجابيات ولها أيضاً سلبيات. فنحن نسأل هل كان المجتمع الإسلامي مستعداً لهذه الفتوحات استعداداً علمياً عقائدياً، ليواكب ما ومن سيدخل إلى الإسلام، من الواضح أنه لم يكن هناك استعداد للفتوحات التي أدخلت الناس في دين الله بشكل واسع، ولكن هذه الفتوحات أدخلتهم على مجتمعات عاشت حضارات أثرت في المجتمع الإسلامي بآثار أود الإطلالة على شيء منها.
في الفتوحات هناك منطقتان أساسيتان كانتا تعيشان حالة الحضارات الثقافية السابقة في عمقها الفكري هي مصر والأندلس بشكل أساسي. مصر في النزعة الأفلوطونية وغيرها والأندلس في التراث السقراطي الأفلاطوني الأرسطي وغيره. هذه الفلسفات التي كانت رائدة وواسعة إضافة إلى ما في هامشها كانت مكتوبة بلغاتهم . الذي حصل في عصر الترجمات أنه أصبح هناك ترجمات واسعة جداً نقلت هذه الترجمات من اللغات التي كانت فيها إلى اللغة العربية. والتاريخ يؤكد أنه من جملة النقلة الأساسيين يهود ونصارى لمعرفتهم باللغات. فأصبح اليهود والنصارى يترجمون تلك الثقافة ونحن نعرف مشكلات نقل المطلب وإمكانية تحويره بشكل كبير، وكيف يدخل المترجم الفكرة التي يريدها في الترجمة وينسبها إلى صاحب الكتاب.
من الواضح أن الترجمات التي حصلت في ذلك الوقت اتجهت نحو منحى تشكيكي، في البنية الثقافية التي كانت في المجتمع الإسلامي، هذه التشكيكات والأسئلة دخلت بشكل واسع إلى المجتمع الإسلامي دون أن يكون قد تهيأ له.
وفي تلك الحقبة الزمنية كانت المدرسة المنتشرة بين المسلمين هي مدرسة أهل الحديث. لماذا مدرسة أهل الحديث ؟ . لأن عمر بن الخطاب كان قد منع كتابة السنة بل منع من انتشار السنة في البلدان الجديدة. وكان يوصي السفير أو الوالي الذي كان يذهب إلى بلد مفتوح جديد بقوله الشهير "حسبنا كتاب الله" والسبب هو أن السنة النبوية في حال انتشرت بين المسلمين، فإن قسماً كبيراً منها هو عن أهل البيت (ع) أو موجهة لأهل البيت (ع).
وهذا سوف يؤدي إلى أن يسمع الناس لا سيما في البلدان الجديدة أسماء لا يريد الحكام أن يسمعوا بها.
في ذلك الوقت نجح عمر في هذا الموضوع في عدة بلدان؛ تصوروا أن أهل الشام حينما سمعوا بأن علي بن أبي طالب (ع) قتل وهو يصلي تعجبوا وقالوا " أو كان علي يصلي!؟." فهم لا يعرفون من هو علي !! وفي بداية قيام الدولة العباسية جاء وفد شامي كبير وأقسم الأيمان أمام الحاكم العباسي أنهم لا يعرفون قرابة وأهل بيت للنبي إلا آل أبي سفيان.
في أيام عمر بن عبد العزيز رفع الحظر عن تدوين السنة لكنهم حينما أرادوا تدوين السنة واجهتهم مشكلة أن الأحاديث كانت لعشرات السنين تتناقل من شخص إلى آخر شفهياً في البلدان التي أمكن فيها ذلك ونحن نعلم أن واحداً لو أخبر بأمر ما وانتقل الخبر من واحد إلى آخر داخل غرفة واحدة لوصل إلى الأخير بغير المعنى الأول المقصود.
فكيف إذا أضفنا أن هناك أبا هريرة الاستثنائي في فبركة الأحاديث والذي ألّف فيه الشيخ الجليل محمود أبو ريا كتابه (أبو هريرة شيخ النُضيرة) لأن النُضيرة أكلة كان يحبها أبو هريرة كثيراً فجاء أحدهم وقال له هل ستروي أن الرسول تحدث عنها فقال أبو هريرة نعم قال الرسول (ص) أن النضيرة كذا وكذا وألّف فيها حديثاً.
وكيف إذا أضفنا إلى أبي هريرة غيره من الوضاعين كسمرة بن جندب الذي كان يفبرك الأحاديث حسب المبلغ الذي يدفعه له معاوية فلقد قبض مبلغ 400 ألف درهم ليروي أن قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ » نزل في عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين. وأن قوله تعالى « وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ » نزل في الإمام علي عليه السلام.
هذه من جملة القضايا التي واجهها أولئك العلماء في الأحاديث المنتشرة ليتكون عندهم ما سمي بمدرسة أهل الحديث وهي مدرسة قامت لجمع الأحاديث بهدف حفظها ونشرها وكان على رأسها الحسن البصري.. في هذا الجو كانت الترجمات تغزو المجتمع الإسلامي، وتدخل جملة من الأسئلة الفكرية إلى أذهان الشبان المسلمين الذين أرادوا إجابات مقنعة عليها، وفي هذا الإطار كان واصل بن عطاء (المثقّف) يسأل معلمه الحسن البصري عن جملة من الأسئلة دون أن يقتنع بجواب من مدرسة الحديث هذه مما جعله يذهب إلى أن الحديث عاجز لا يستطيع أن يجيب عن هذه الأسئلة. فلا بد من مصدر آخر لفهم الدين فتوجه إلى العقل، فاعتزل مدرسة الحسن البصري وأسس مذهب المعتزلة نسبة إلى اعتزاله مجلس الحسن البصري.
ومذهب المعتزلة يقوم على أساس أن العقل هو المصدر الأول الذي يرد على الأسئلة الدينية. ولا مانع أن يدعم النصّ العقل وان يتحدث في بعض الفروع ولكن الأصل هو العقل وتوسع المعتزلة في إيمانهم بالعقل حتى قالوا بأن العقل يستطيع أن يكتشف النظام الذي يجب على الله أن يسير عليه.
واعتمد العباسيون على المعتزلة، وحين قيام الدولة العباسية أصبحت المعتزلة المذهب الرسمي العقائدي في العالم الإسلامي وبقوا على هذه الحال فترة طويلة حتى جاء أحمد بن حنبل منادياً بالعودة إلى السنة.
3 - على المستوى الفقهي: جاء أبو حنيفة وهو فقيه من تلامذة الإمام الصادق (ع) درس عنده سنتين واسمه النعمان وهو القائل (لولا السنتان لهلك النعمان) يعني بهما السنتين اللتين درس فيهما عند الإمام الصادق (ع). جاء أبو حنيفة ليستنبط الأحكام وهو بحاجة إلى أحاديث وهو يقرأ الأحاديث بخلفية متأثرة بالعقل فنظر إلى الروايات الموجودة ليميّز منها الصحيح برأيه فتفاجأ بمشكلة منع التدوين.
فصرح تصريحاً خطيراً في التاريخ فقال: لم يثبت عندي من أحاديث رسول الله سوى سبعة عشر حديثاً، وعليه اتجه أيضاً في الفروع إلى الرجوع إلى العقل، فأدخل القياس والاستحسان لماذا ؟ لأن النص لا يكفي عملياً.
جاء الشافعي وعمل أيضاً بالاستحسان في استنباطاته الفقهية وبقي الوضع هكذا إلى أن برز أحمد بن حنبل حاملاً لواء العودة إلى النص رافضاً الاستدلال بالعقل على أي موضوع ديني.
لقد أنتجت مشكلة الفقر في الأحاديث الصحيحة عند هؤلاء بروز اختلافات فقهية عديدة نتج عنها جماعات يرجع كل منها إلى منهج فقيه معيّن، فظهرت المدارس الفقهية المتنوعة والمتعددة والمختلفة في كثير من نتائجها، لا سيما عند من فتح باب العقل الظني للاستحسان، لذا فإن من الطبيعي أن يؤدي هذا الأمر إلى نوع من التباين في النتائج الفقهية.
ويميل بعض المحققين إلى أن أحد الأسباب لغلق الاجتهاد على المذاهب الأربعة المعروفة يرجع إلى التباعد الكبير في النتائج الفقهية نتيجة لفقدان الضابطة الأساسية في آلية الاستنباط، والخطورة في هذا الأمر هو أن القضاء في الدولة يعتمد على الفقه الإسلامي الذي أضحى في هذه المدارس فقهاً متشتتاً يرجع السبب في تشتته إلى حرمان أصحاب المدارس الفقهية أنفسهم من الرجوع إلى وعاء السنة النبوية وحافظها وهو الإمام الصادق (ع) الذي تصدى في تلك المرحلة مغتنماً فرصة انشغال أقطاب الدولة بعضهم ببعض مما صرف أنظار الحكام عن الإمام الصادق (ع) وتلامذته الذين كثروا حتى عدهم أحدهم بأربعة آلاف طالب علم، منهم أبو حنيفة ومنهم مالك بن أنس.
من هنا انتشر القول بأن المذاهب الأربعة ترجع إلى الإمام الصادق (ع) وذلك لأن اثنين منهما يرجعان إليه مباشرة في التلمذة، والاثنين الآخرين (الشافعي وأحمد بن حنبل ) يرجعان في التلمذة إليه بالواسطة وقد انتشر طلاب الإمام الصادق (ع) في الأقطار الإسلامية، حتى قال أحدهم: دخلت إلى مجلس الكوفة فسمعت تسعماية شيخ (يعني أستاذ) كل منهم يقول حدثني جعفر بن محمد (ع).
لقد انطلق الإمام الصادق (ع) في مدرسته من بيان المحور الأساس الذي غيّب وبغيابه وقعت الثغرة لدى الآخرين وهو محور الإمامة، فقولهم إن النص لا يجيب عن التساؤلات المعاصرة يغمز من قناة ختم النبوة بدون أن يكون لها امتداد لتبليغ الشريعة الإلهية بما يسد الثغرات الآتية.
فالإمام الصادق (ع) كان يؤكد على موضوع أن الإمام المعصوم هو الذي يجيب عن تلك التساؤلات وان النص والعلم الحقيقي هو عنده.
وهذا ما نلاحظه في مضمون حوار الإمام الصادق (ع) مع أبي حنيفة قال له:« يا أبا حنيفة لا تقس إن أول من قاس إبليس، قال لله خلقتني من نار وخلقته من طين فكيف يسجد من خلق من نار لمن خلق من طين ».
وأراد الإمام الصادق (ع) أن يرشد أبا حنيفة إلى المشكلة التي تتمثل في رجوع الأخير إلى العقل الظني، فسأله: أيهما أشد: القتل أو الزنا ؟ فقال أبو حنيفة: القتل. هنا نبهه الإمام الصادق (ع) بأنه إذا أراد أن يضع قانوناً في عدد الشهود المطلوبين، فهل يختار للقتل شهوداً أكثر أم للزنا ؟ فإذا كان القتل أشد جرماً من الزنا، ضمن حكم العقل الظني أن يكون عدد شهود القتل أكثر، وهنا المفاجأة التي نبّه إليها الإمام الصادق، كيف رضي الله في القتل بشاهدين ، ولم يرضَ في الزنا إلا بأربعة شهود .
وفي سؤال ثانٍ وجهه الإمام الصادق لأبي حنيفة: أيهما أفضل الصلاة أم الصيام. قال أبو حنيفة الصلاة. فأراد الإمام أن ينبهه بأن المرأة في العادة الشهرية إذا أردنا أن نقنن سقوط عبادة ما عنها وهي الصلاة أو الصوم فأيهما نسقط، من الطبيعي أن يكون حكم العقل الظني أن يسقط المفضول وليس الفاضل، و المفضول هو الصوم وهنا كانت المفاجأة أيضاً: كيف رضي الله بإسقاط الصلاة ولم يرضَ بإسقاط الصيام عنها فيجب قضاؤه.
والإمام عندما كان يطرح عليه هذا النوع من الإشكالات وكان يعطي الحل فكان يقول: عندنا والله كتاب الجامعة طوله سبعون ذراعاً فيه كل ما يحتاج إليه الناس من حلال وحرام حتى ارش الخدش بإملاء رسول الله وخط علي بن أبي طالب وهذا ما نسميه نحن كتاب علي أو كتاب الجامعة. ومقصود الإمام أن يقول له: إن السنة التي تعانون من ضمورها ونقصها عندكم هي عندنا منصوصة مكتوبة.
لقد شعر الإمام الصادق (ع) أن هناك خطراً على الإسلام أزمة النص فأخذ يضخ الأحاديث النبوية الشريفة التي علمها بطريق قطعي موضوعي ليثري بها المجتمع الإسلامي، ويحقق بها الامتداد المطلوب لخلود الدين الإسلامي.
من هنا نطل على أمرين أساسيين في التشكّل المذهبي:
الأول: إن تميّز الإمام الصادق عن باقي أئمة أهل البيت (ع) كان من خلال إتاحة الفرصة الكبيرة له على نشر الأحاديث والعلوم، بسبب الأوضاع السياسية التي عايشها من احتضار كيان سياسي وبروز آخر، وأن تميّزه عليه السلام في عصره كان لتعدد المدارس والمشارب التي اتسعت أيضاً بسبب تلك الأوضاع فبرزت تشكلات مذهبية متعددة تميّزت عنها مدرسة الإمام الصادق عليه السلام، حتى نسب مذهب أهل البيت عليهم السلام لا سيما على الصعيد الفقهي إلى اسمه المبارك، فسمي بالمذهب الجعفري، ويبدو من بعض النصوص أن اصطلاح (شيعة جعفر) كان رائجاً حتى أن الإمام نفسه كان يدعو إلى التعامل مع الآخرين بخلقيات رفيعة حتى يقول الناس " رحم الله جعفراً فقد أدّب شيعته ".
الثاني: إن المحور في هذا التشكل المذهبي بدت معالمه واضحة جداً في عهد الإمام الصادق عليه السلام، كان يدور حول محور الإمامة بما تمثل من مرجعية علمية وسياسية، من هنا كانت التسمية الأخرى للمذهب "بالمذهب الإمامي" بل إن محورية الإمامة في المذهب أنتجت العديد من الأسئلة التي تصدى الإمام الصادق (ع) للإجابة عنها، وتحتاج إلى بحث مستفيض.

والحمد لله رب العالمين