الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)

من اللافت في تأريخ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ما ورد في أوصافهم وألقابهم التي وردت في أحاديث عديدة عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليه السلام) منها ما هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنها ما هو عن بعض أئمة أهل البيت (عليه السلام).

ولهذه الألقاب والأوصاف دلالة على خصوصية المرحلة والظرف اللذين كان لهما دخالة في تحديد أدوار الأئمة (عليه السلام) التي وإن تعدَّدت بحسب تلك المراحل والظروف إلاّ أنّها انصبّت في اتجاه هدف واحد؛ فالألقاب والأوصاف لا ترجع إلى خصوصيّة في شخص الإمام (عليه السلام)، فلو كان الإمام الحسين (عليه السلام) قبل الإمام الحسن (عليه السلام) لكان الإمام الحسين (عليه السلام) هو العقل الذي صالح، ولكان الإمام الحسن (عليه السلام) هو السبط الشهيد.

وبعبارة أخرى إنّ الأوصاف الكماليّة للجميع تنطبق عليهم دون تفاضل، فكلّ واحد منهم زين العابدين وباقر وصادق وكاظم وجواد وهادٍ ومهديّ، إلاّ أن الصفة المشهورة لأحدهم تعبّر عن ميزة في دور الإمام (عليه السلام) في المرحلة والظرف اللذين عاش فيهما.

بناءًا عليه فلعلّ الدور العلمي الذي كان الأبرز في حياة الإمام محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام) هو الذي كان سبب إطلاق رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليه لقب الباقر.

ففي رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يوشك أن تبقى حتى تلقى ولداً لي من الحسين (عليه السلام) يقال له:" "محمد"، يبقر علم الدين بقراً، فإذا لقيته فاقرئه منّي السلام"[1].

وفي قصة اللقاء ورد أنّه حينما سلّم الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وهو صغير في السنّ، على جابر بن عبد الله، وكان أعمى، سأله جابر: "من أنت؟ فأجاب: محمد بن عليّ الباقر، فقال: يا بني، ادن منّي، فدنا منه، فقبَّل جابر يديه، ثم هوى إلى رجليه، فقبَّلهما، فتنحّى الإمام (عليه السلام) عنه، ثم قال جابر: يا بنيّ، أدنُ مني، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقرؤك السلام، فأجاب الإمام (عليه السلام): وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته".

نماذج من أدوار وصفات الإمام الباقر (عليه السلام)
لقد كان للإمام الباقر(عليه السلام) في حياته أدوارٌ مهمة، وصفات كماليّة بارزة إلا أن الأبرز في الصفات والأدوار هو ما يتعلّق بالعلم، فنحن نقرأ في حياة الإمام الباقر (عليه السلام):

1- الصفات العبادية
عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنّي كنت أمهّد لأبي فراشه، فانتظره حتى يأتي، فإذا أوى إلى فراشه ونام قمت إلى فراشي، وإنّه أبطأ عليّ ذات ليلة، فأتيت المسجد في طلبه، وذلك بعدما هدأ الناس، فإذا هو في المسجد ساجد، وليس في المسجد غيره، فسمعت حنينه، وهو يقول: سبحانك اللهمّ، أنت ربي حقّاً حقّاً، سجدت لك يا ربّ تعبّداً ورقاً، اللهمّ إنّ عملي ضعيف، فضاعفه لي، اللهمّ قني عذابك يوم تبعث عبادك، وتب عليّ، إنّك أنت التوّاب الرحيم"[2].

2- صفات الكرم
عن الإمام الصادق (عليه السلام): "دخلت على أبي يوماً، وهو يتصدّق على فقراء أهل  المدينة بثمانية آلاف دينار، واعتق أهل بيت بلغوا أحد عشر مملوكاً"[3].
 
3- صفات المهارة القتالية
ورد أنّ هشام بن عبد الملك بن مروان أراد ذات مرة أن يستهزئ بالإمام محمد الباقر (عليه السلام)، فاستدعى الإمام وطلب منه أن يرمي القوس على الغرض، فأجابه الإمام (عليه السلام) "إنّي قد كبرت عن الرمي، فإنْ رأيت أن تعفيني فقال: وحقّ من أعزّنا بدينه ونبيّه محمد (صلى الله عليه وآله) لا أعفيك، ثم أوما إلى شيخ من بني أميّة أن اعطه قوسك، فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ، ثم تناول منه سهماً، فوضعه في كبد القوس، ثم انتزع ورمى وسط الغرض، فنصبه فيه، ثم رمى فيه الثانية، فشق فواق سهمه إلى نصله، ثم تابع الرمي شق تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، وهشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر، وأنت أرمى العرب والعجم"[4].

4- الدور الاقتصادي
ذكر العالم الشافعي الدميري في حياة الحيوان قضيّة عبد الملك بن مروان وملك الروم الذي هدّده أنّه سينقش على الدنانير والدراهم شتم نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، فصعب الأمر على عبد الملك واستدعى أهل الإسلام واستشارهم، فلم يجد عند أحد منهم رأياً يعمل به، فقال له أحدهم: إنّك لتعلم المخرج من هذا الأمر، ولكنك تتعمّد تركه، فقال: ويحك من؟ فقال: عليك بالباقر من أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: صدقت، فكتب إلى عامله بالمدينة: أن أشخص إليّ محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، مكرماً ومتعه، فلما وافاه أخبره الخبر، فقال له محمد (عليه السلام): "لا يعظم هذا عليك، فإنّه ليس بشيء ثم شرع الإمام الباقر (عليه السلام) بشرح لكيفية صناعة دراهم ودنانير إسلامية ينقش عليها سورة التوحيد وذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أحدهما في وجه الدينار والدرهم، والآخر في الوجه الثاني، وفصّل له ذلك من ناحية ذكر بلد النقش والوزن. ففعل عبد الملك ما وجّهه إليه الإمام"[5].
 
صفة الباقر
رغم تلك الأدوار الجليلة والصفات الكمالية والمهارات العالية والأدوار الجليلة كان لصفة العلم الأساس لإطلاق الصفة الأشهر على الإمام محمد بن علي (عليه السلام)، وهي "الباقر".

فقد اشتهر عن الإمام (عليه السلام) ظهور سعة علمهِ كيف لا وعلمه وراثيّ من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولدنّي من الله تعالى، لذا أقبل عليه الناس إقبالاً واسعاً ينتهلون من معين علمه.

قالت حبابة: "رأيت رجلاً بمكة بين الباب والحجر... انثال عليه الناس يستفتونه عن المعضلات ويستفتحونه أبواب المشكلات فلم يرم حتى أفتاهم في ألف مسألة، ثم نهض يريد رحله ومنادٍ ينادي: ألا إنّ هذا النور الأبلج... وآخر يقول: محمد بن علي الباقرُ. ورآه هشام فسأله عنه، فقيل: هذا من افتتن به أهل العراق، هذا إمام أهل العراق"[6].

وكان (عليه السلام) يقول : "لو وجدت لعلمي الذي آتاني الله عزّ وجل حملة، لنشرت التوحيد والإسلام والدين والشرائع من "الصمد"، وكيف لي، ولم يجد لي جدي أمير المؤمنين حملة لعلمه"[7].

رغم قلّة ذوي الاستعداد لحمل علوم أهل البيت (عليه السلام) في زمن الإمام الباقر (عليه السلام) إلاّ أنّ ثلّة من شيعته كانت لهم لياقة كبيرة في هذا المجال، اهتم الإمام الباقر (عليه السلام) بهم اهتماماً مميّزاً فمن هؤلاء:
1- زرارة بن أعين الذي حفظ الكثير من الأحاديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) حتى قال الإمام الصادق (عليه السلام) فيه: "لولا زرارة لظننت أنّ أحاديث أبي ستذهب"[8].
2- أبان بن تغلب، الذي ورد فيه أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) قال له: "اجلس في مسجد المدينة، وافتِ الناس، فإنّي أحبّ أن يُرى في شيعتي مثلك"[9]، وقد روى أبّان عن الإمامين الباقر والصادق (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث، وقد ورد في تأريخه أنّ البعض لامه على روايته عن الإمام الباقر (عليه السلام)، فأجابه، كيف تلومني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلا قال: قال رسول الله".
3- محمد بن مسلم الثقفي الذي ورد أنّه قال: "ما شجر في رأيي شيء قط إلا سألت عنه أبا جعفر (عليه السلام)، حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث"[10].

وقد ورد عن أنّ أحدهم سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجل يسألني، وليس عندي كلّ ما سألني عنه فأجاب الإمام (عليه السلام): "فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي؛ فإنّه قد سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً"[11].

ولهؤلاء الأصحاب ميزة عند الله تعالى يخبر عنها الإمام الكاظم (عليه السلام) بقوله الوارد عنه: "إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: أين حواريي محمد بن علي"[12].

ولشدة اهتمام الإمام الباقر (عليه السلام) بتربية أصحابه ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: " لما حضرت أبي عليه السلام الوفاة قال: يا جعفر، أوصيك بأصحابي خيراً، قلت: جعلت فداك والله لأدعنهم- والرجل منهم يكون في المصر- فلا يسأل أحداً"[13].

الوصيّة الدرس
إنّ وصيّة الإمام الباقر (عليه السلام) درس كبير لشيعته أن يجهدوا للاستفادة من علومهم التي يرتقون بها في مدارج الكمال عند الله تعالى، ويعمرون بها الأرض، ليكونوا خير خلفاء فيها.

والحمد لله رب العالمين


[1] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، تحقيق محمد مهدي السيد حسن الخرسان ، محمد الباقر البهبودي، ط2، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1983، ج46، ص 222.
[2] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص301.
[3] المصدر السابق، ص 302.
[4] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، 306.
[5] أنظر: الدميري، كمال الدين، حياة الحيوان الكبرى، ط2، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424، ج1، ص97.
[6] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص259.
[7] المصدر السابق، ج3، ص225.
[8] البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج1، ص 236.
[9] المصدر السابق، ص 225.
[10] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص292.
[11] المصدر السابق، ج2، ص 249.
[12] المصدر السابق، ج46، ص 344.
[13] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج1، ص 306.