
عرفة
﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾.
هذه الأيام هي أيام تلبية الناس لنداء الله تعالى لزيارة بيته العتيق، بعد أنْ مهّدوا له بزيارة بيوته في الأرض التي أوحى الله عنها لنبيّه داود(عليه السلام): "إن بيوتي في الأرض المساجد ، فطوبى لمن تطهر في بيته ثم زارني في بيتي ، وحق للمزور أن يكرم الزائر". ولأن المسجد الحرام يمثِّل البيت الأول أراد الله أن يحافظ على طهارتها، فحرَّم تنجسيه. قال تعالى: "إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَام".
ولأن المساجد –عامة- تمثِّل بيوت الله حرَّم الله تنجيسها، وإن تنجّست أوجب تطهيرها فوراً، إلا أنَّ الوحي الإلهي لداود(عليه السلام) أخبره عن بيت آخر غير المسجد مفيداً أنّه هو البيت الحقيقي قبل المسجد، فقد ورد أنّ الله تعالى أوحى إلى نبيّه داود(عليه السلام): "فرِّغ لي بيتا أسكن فيه، فقال: إنّك تجلّ عن المكان والمسكن، فأوحى الله إليه يا داود فرِّغ لي قلبك".
وفي حديث قدسي آخر: "لا تسعني أرضي ولا يسعني سمائي، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن".
قلب المؤمن هو بيت الله الحقيقي الذي خلقه الله تعالى طاهراً نقياً وأراد أن يبقى كذلك. ويأتي الإنسان الظلوم الجهول ليخون الأمانة، فإذا به يلوِّث قلبه بذنوب، لتطبع في صفحة القلب البيضاء نقطة سوداء، فعن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): "إذا أذنب العبد نكتت في قلبه نكتة سوداء".
وهذه الذنوب لها آثار وخيمة قد تحصل بسببها، منها:
1- تغيير النعم، "اللهم اغفر لي الذنوب التي تغيّر النعم" عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): "اتقوا الذنوب فإنها ممحقة للخيرات ، إن العبد ليذنب الذنب فينسى به العلم الذي كان قد علمه ، وإن العبد ليذنب الذنب فيمنع به من قيام الليل ، وإنالعبد ليذنب الذنب فيحرم به الرزق ، وقد كان هنيئا له".
2- نزول العقوبات على الإنسان. "اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل النقم".
3- ضعف الإرادة والمنعة لدى الإنسان. "اللهم اغفر لي الذنوب التي تهتك العصم".
4- الشعور باليأس، وبالتالي بالاكتئاب. "اللهم اغفر لي الذنوب التي تقطع الرجاء".
5- حرمان النفس من استجابة الدعاء. "اللهم اغفر لي الذنوب التي تحبس الدعاء".
6- حرمان الإنسان من تكامله، وأيّ تكامل هو للقلب الذي يحافظ على طهارته؟! في الحديث النبويّ: "لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت"
تطهير القلب
لكنّ الله تعالى رحم الإنسان وجعل ه وسيلة لتطهير قلبه ألا وهي التوبة، فعن الإمام علي(عليه السلام): "التوبة تطهِّر القلوب وتغسل الذنوب". والتوبة كما هي عن الإمام علي(عليه السلام): "التوبة ندم بالقلب ، واستغفار باللسان ، وترك بالجوارح ، وإضمار أن لا يعود ".
إنَّ هذه الرواية تعبِّر عن تأشيرة الدخول من باب التوبة التي لها برنامج حدّده عليه السلام في حديثه حول المعاني الستّة للتوبة، والذي فتح الله تعالى مخيّمين زمانين لها:
الأول: لا مكان محدّداً له، ألا وهو شهر رمضان المبارك، الذي ورد فيه قول الإمام الباقر(عليه السلام) لصاحبه جابر: "يا جابر من دخل عليه شهر رمضان فصام نهاره ، وقام ورداً من ليله ، وحفظ فرجه ولسانه ، وغضَّ بصره ، وكفّ أذاه ، خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه". لكن الإنسان قد يحرم نفسه من تطهير القلب في شهر رمضان وهنا فتح الله تعالى برحمته باباً آخر وهو المخيَّم الزمانين.
الثاني: وهو في مكان محدّد، إذ أراد الله تعالى أن يلتقي البيت مع البيت أي يلتقي قلب الإنسان مع الكعبة في طواف يتّجه فيه بيت الإنسان إلى بيت الله؛ لعلّه يكون من أولئك الذين امتصَّ الحجر الأبيض سواد قلوبهم فأصبح هو أسود اللون لتبقى القلوب بيضاء التجرّد.
لعلّ تضرعه في الحطيم يحطّم تلك الذنوب.
لعلّ صلاته تحت ميزاب الرحمة تستدر ماء النجاة.
لعلّ لصق محل قلبه الجسدي على حائط المستجار يزيل عنه كل تلك الذنوب. لعلّ دعاءه عند الركن اليماني يستنزل مطهِّراً قلبه.
ولكن يمكن للإنسان أن يفعل كلّ ذلك، ولا يغفر الله له، لماذا؟ لأنه في الحديث النبوي: "من الذنوب ذنوب لا تغفر إلا بعرفات".
وورد عن الإمام الصادق(عليه السلام): "من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى قابل ، إلا أن يشهد عرفة".
ولعلّه لأجل ذلك ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) قوله: "الحجّ عرفات، الحجّ عرفات، الحجّ عرفات". وعرفات صحراء قاحلة، خالية من البيوت، أراد الله تعالى للإنسان أن يقف فيها من ظهر التاسع من ذي الحجّة إلى الغروب.
ما المطلوب أن يفعل في ذلك المكان ؟
جواب الإسلام: ليس واجباً عليه أن يكون هناك.
هل يجب أن يقول شيئاً ؟
جواب الإسلام: كلا.
إذن ما فلسفة هذا الموقف ؟
إنّه الاعتراف والتعارف والمعرفة.
1- اعتراف الإنسان بذنوبه التي قد تكون عرفات هي المكان الوحيد لغفران الله تعالى لها. ورد في الحديث: "فلمّا زالت الشمس قال له جبرئيل: يا ابراهيم اعترف بذنبك"، وهو ليس ذنب معصية، فحسنات الأبرار سيئات المقرّبين.
2- إنّه التعارف الذي يرشد إلى أنَّ التكامل الإنساني يكون عبر الجماعة وليس في صومعة التفرّد. ففي عرفة دعاء لمن تعرفهم، وفي عرفة اتعاظ من ذلك التعارف.
ورد أنَّ أحد الناس رأى رجلاً يُدعى عبدالله وكان من أصحاب الإمام الكاظم(عليه السلام) فقال : « رأيت عبد الله بن جندب بالموقف، فلم أرَ موقفاً كان أحسن من موقفه، ما زال مادًّا يديه إلى السماء، ودموعه تسيل على خدّيه حتى تبلغ الأرض، فلمّا انصرف الناس قلت: يا أبا محمّد، ما رأيت موقفاً قطّ أحسن من موقفك، قال عبد الله: والله ما دعوت فيه إلاَّ لإخواني؛ وذلك أنّ أبا الحسن موسى بن جعفر أخبرني أنّه من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش: ولك مئة ألف ضعف مثله، وكرهت أن أدع مئة ألف ضعف مضمونة لواحد لا أدري يتُستجاب أم لا».
3- إنّها المعرفة، معرفة الله تعالى، فعن الإمام زين العابدين(عليه السلام) لشبلي: "هل عرفت بموقفك بعرفة معرفة الله سبحانه أمر المعارف والعلوم ، وعرفت قبض الله على صحيفتك واطلاعه على سريرتك وقلبك ؟. قال شبّلي: لا، قال: فما وقفت بعرفة". إنّها معرفة لله تعالى، لكّنها ليست كأيّ معرفة ليست كمعرفة ذلك الإعرابي الذي سئل عن الله تعالى، فقال: البعرة تدلّ على البعير، والآثار على المسير، سماء ذات أبراج، وأرض وذات فجاج، إلا يدلَّان على اللطيف الخبير. وليست كمعرفة تلك الحائكة حينما سئلت كيف عرفت ربّك؟ فأجابت: هذا المغزل إن حرّكته تحرّك وإن تركته توقف، فكيف تتحرك الكواكب في السماء دون محرِّك".
إنها معرفة تنطلق من معرفة المخلوق إلى معرفة الخالق. لكنّ المعرفة في عرفات هي معرفة أخرى معرفة وردت في دعاء الإمام الحسين(عليه السلام) في عرفة إذ يقول فيها: "متى غبت حتّى تحتاج إلى دليل يدّل عليك ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ، عميت عين لا تراك ، ولا تزال عليها رقيبا "إنّها معرفة تستوجب ثقة بالمعروف بعد أن يحقّق العارف ما أراد الله تعالى منه. من هنا ورد أنّ أحدهم سأل النبيّ(صلى الله عليه وآله): "أيّ أهل عرفات أعظم جرماً؟ فقال(صلى الله عليه وآله): الذي ينصرف من عرفات وهو يظنّ أنه لم يغفر له".
إنّها معرفة يحبّ الله تعالى أن نتفاعل معها في دعاء الإمام الحسين(عليه السلام) هذا في يوم عرفة سواء كنا في عرفة أو في مكان آخر حتّى ورد أنّ هذا الدعاء في هذا اليوم يقدّم على الصيام حينما يعرف العبد أن الصوم يضعفه عن الدعاء، إنه دعاء الإبحار في المعرفة التي تمثِّل غاية الوجود الإنساني.