مصحف فاطمة(عليها السلام)
حوار صحفي لسماحة الشيخ أكرم بركات مع مجلة بقية الله حول مصحف فاطمة(عليها السلام)
"نحن نفخر أن منا... مصحف فاطمة(عليها السلام) ذلك الكتاب الملهم من قبل الله تعالى للزهراء المرضية".
هذا المقطع هو جزء من مقدمة الوصية الإلهية للإمام الراحل الخميني العظيم (قدس سره)، وقد سبق وصية الإمام(قدس سره) على ما يمثله هذا الكتاب من بعد معنوي كبير للسيدة الزهراء عليها السلام. ورغم تركيز الإمام هذا، فقد كنّا نشعر بفراغ المكتبة الإسلامية من كتاب علمي يسلط البحث على هذا الكتاب الذي أثار جدلاً في عدة أوساط الى أن نشر في الستة السابقة كتاب " حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة لمؤلفه الشيخ أكرم بركات الذي كشف ستار الغموض عن الجوانب المتعددة في مصحف فاطمة(عليها السلام).
من هنا أحببنا في ذكرى وفاة الصدّيقة الطاهرة أن نلتقي مع الشيخ أكرم بركات لنطرح عليه بعض الأسئلة حول هذا الموضوع:
سماحة الشيخ، في البداية نتوقف عند لفظ "مصحف" الذي يتبادر منه في أيامنا هذه معنى القران الكريم مما قد يوهم أن مصحف فاطمة هو قران خاص بالسيدة الزهراء، فما هو تعليقكم على هذا الكلام؟
- في الحقيقة إن المطّلع على اللغة العربية لا يصاب بهذا الوهم لأن لفظ "مصحف" في لغة العرب تعني "الكتاب المجلّد" بحسب تعبيرنا في هذه الأيام، وقد نصّ على ذلك أرباب المعاجم اللغوية كما ذكرنا في الفصل الأول من كتابنا، وهناك ذكرت أن جملة من الكتب القديمة كان يطلق على كل منها لفظ مصحف، حتى أن الجاحظ (150ه-225ه) كان قد سمّى كل جزء من أجزاء كتابه الكبير الحيوان ب"مصحف" وعليه فمعنى مصحف فاطمة هو "كتاب فاطمة (عليه السلام)" بتعبيرنا اليوم.
كلامكم هذا يفيد أن مصحف فاطمة في اللغة العربية لا يعني قران فاطمة لكنه لا يتعرّض لمحتواه ايات قرانية؟
- لقد بيّن الأئمة المعصومون(عليه السلام) في أغلب الروايات الواردة في موضوع هذا الكتاب أن مصحف فاطمة ليس قراناً بل هو لا يشتمل على أية اية قرانية بل على أي حرف من القران الكريم، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "...وعندنا مصحف فاطمة أما والله ما فيه حرف من القران".
إذاً على ماذا يحتوي؟
بعد تتيعنا للروايات الواردة في مصحف فاطمة(عليها السلام) يمكن أن نلخّص محتواه في العناوين التالية:
1- مقام النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في الاَخرة.
2- مستقبل ذرية السيدة الزهراء كصلح ابنها الإمام الحسن (عليه السلام) وثورة إبنها الإمام الحسين (عليه السلام)
3- علم الحوادث أو بتعبير بعض الروايات "فيه علم ما يكون"
4- اسماء الأنبياء والأوصياء.
5- اسماء الملوك وابائهم، ففي الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام) "وأما مصحف فاطمة ففيه ما يكون من حادث، واسماء من يملك الى أن تقوم الساعة"
6- وصية فاطمة(عليها السلام) وقد عقدنا في كتابنا بحثاَ مهماَ عن هذه الوصية وأبعادها.
هذه العناوين العامة لمحتوى مصحف فاطمة(عليها السلام)، وقد ذكرت الروايات بعض التطبيقات لهذه العناوين من قبيل اخبار الامام الصادق(عليه السلام) بأن ثورة بني الحسن(عليه السلام) لن تنجح وأنهم لن يحكموا أصلاَََ
ألا يوجد أحكام شرعية في هذا الكتاب؟
- نحن نميل إلى عدم وجود أحكام فقهية في مصحف فاطمة(عليها السلام) أولاَ لعدم وجود دليل واضح على ذلك، وهنا اشير الى أن الأحكام الشرعية نتيجة قراءة خاطئة لرواية من روايات مصحف فاطمة، وقد فصّلنا هذا الأمر في كتابنا، وثانياَ لوجود رواية تنفي عنه هذه الأحكام، ففيها "...أما أنه ليس فيه الحلال والحرام ولكن فيه علم ما يكون".
بعد أن تحدثتم عن محتوى هذا الكتاب نسأل هل السيدة الزهراء هي التي كتبته؟
- كلا لقد كان الكاتب لمصحف فاطمة هو الإمام علي(عليه السلام) بإتفاق الروايات الواردة في هذا الموضوع فجميعها نصّت على أنها بخط علي بن أبي طالب(عليه السلام) .
إذا لم تكن السيدة فاطمة(عليها السلام) هي الكاتبة فما هي علاقتها به ولماذا سمي بإسمها؟
- إن مصحف فاطمة(عليها السلام) كان بإملاء الملك جبرئيل للسيدة الزهراء(عليها السلام) حين جاءها معزّياَ بوفاة أبيها النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ففي الرواية عن الإمام الصادق(عليه السلام): "ان فاطمة مكثت بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) خمسة وسبعين يوماَ، وكان داخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيّب نفسها، ويخبرها عن أبيها ومكانه، وغيرها بما يكون بعدها في ذرّيتها وكان علي(عليه السلام) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة(عليها السلام)". وهذه الرواية تبيّن علاقة الكتاب بالسيدة فاطمة وسر التسمية باسمها، فإن الاملاء كان لها والخطاب موجّة اليها، لذا سمي باسمها كما سميت التوراة بتوراة موسى والإنجيل بانجيل عيسى لأنهما كانا محلاَ للاملاء الالهي.
هل هذه الرواية التي ذكرتموها معتبرة من ناحية السند عند علمائنا؟
- نعم إنها رواية صحيحة السند، كما انه يوجد غيرها في هذا الموضوع صحيح السند، وقد عقدت بحثاَ في كتابي حول صحة سند روايات مصحف فاطمة
ولكن كيف يتلاءم ما جاء في هذه الرواية مع ما نسمعه من أن جبرئيل قد ودّع الأرض بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله)؟
نحن نعتقد أن جبرائيل لا يمكن أن ينزل إلى الأرض بوحي رسالة جديدة لأن النبي(صلى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء، فوحي رسالة جديدة انقطع بوفاة النبي(صلى الله عليه وآله) بهذا المقدار الكلام صحيح، وما ورد من نصوص حول وداع جبرئيل للارض نحمله على هذا المعنى إن لم نرفضه سنداَ. وإلا فإن من المسلّم به عند جميع المسلمين أن النبي عيسى(عليه السلام) سيظهر في اخر الزمان وقد ورد في بعض روايات أهل السنّة أنه يوحى إليه في زمن ظهوره مما يعني أن جبرائيل سينزل إلى الأرض ويوحي لنبي لكن لا وحي رسالة رسالة جديدة كما هو واضح، ومن هنا حكم الشيخ السيوطي وهو أحد أكبر علماء إخواننا السنة بضعف الروايات التي تتحدث عن انقطاع هبوط جبرئيل إاى الأرض بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله).
يتساءل الكثير من الناس أين هو مصحف فاطمة، فما هو جوابكم؟
- ذكرت الروايات أن مصحف فاطمة(عليها السلام) قد توارثه أئمة اهل البيت(عليهم السلام) الى أن وصل الى الإمام المهدي(عليه السلام) وهو الان معه كما هو حال الجفر، فمصحف فاطمة ليس في متناول ايدي احد من الناس وانما يختص بالإمام الحجة(عج).
لماذا شدّد أئمة أهل البيت على موضوع مصحف فاطمة (عليها السلام) وانه عندهم؟
لا نفي أن موضوع مصحف فاطمة يشّكل كرامة كبيرة للسيدة الزهراء(عليها السلام) إلا أن هناك هدفاَ اخر للأئمة(عليهم السلام) في تشديدهم على أنه بحيازتهم وهو يرتبط بموضوع الإمامة، فقج اوضح أئمة أهل البيت ان من علامات الامام الحق أن يكون عنده مصحف فاطمة، وفي هذا لبصدد كان أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يذكرون أن مصحف فاطمة هو مصدر من مصادر علوم الغيبية التي كانت تصدر منهم امام الناس، وقد فصلت هذا الموضوع في كتابي "حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة".
سؤال أخير يتعلق بإفتخار الامام في وصيته بمصحف فاطمة(عليها السلام)، فكيف تحللّون خلفيو كلام الإمام هذا؟
- صحيح أن مصحف فاطمة يشكل كرامة كبيرة ومقاماَ معنوياً شامخاَ للبضعة الطاهرة(عليها السلام) نفتخر به جميعاَ، إلا أني أحدس ان للامام غاية اضافية تدخل في خانة الطرح القوي الراسخ الذي عودّنا عليه الامام(قدس سره) فموضوع مصحف فاطمة(عليها السلام) كان يشكل نقطة يعتبرها البعض سلبية عند الشية لما توحي بأنه قران خاص، وكان علماء الشيعة يدافعون عن هذه القضية دفاعاَ عن القران الكريم المنزّه من التحريف زيادة ونقيصة، وفي هذه الأجواء قد يرى البعض ان نتجنب روايات مصحف فاطمة ونهمشها لما تسبب من مناشىء لفهم خاطىء وتشكيكات نحن بالغنى عنها، هنا يتصدى الامام لهذه الحالة التي تشكل تراجعاَ نفسياَ في قضية حقة لا غبار عليها ليقدّم افتخاره بمصحف فاطمة طالما هو ثابت عندنا بالطرق الصحيحة، لأن الامام كان يعتبر أن الوحدة الإسلامية يجب أن تبنى على اسس صحيحة وواضحة لا تؤثر على معتقدات المسلم الثابتة، وهنا يحضرني قول في غاية الأهمية لولي أمر المسلمين السيد القائد الخامنئي حفظه الله يقول فيه: "إن أيّ بحث في تبيان عقائد الشيعة ومعارفهم يساهم في إستقرار الوحدة والأخوة بين المسلمين، لأن أعداء الاسلام يعمدون الى إيقاع الفرقة بينهم من خلال تشويه بيان المعارف العقيدية والفقهية لكل مذهب أمام المذاهب الأخرى".
فضيلة الشيخ اللقاء مشّوق، والأسئلة كثيرة حول هذا الموضوع الهام جداَ، لا يتسع المجال لها جميعاَ، نترك القارىء العزيز مع كتابكم حول مصحف فاطمة(عليها السلام) للمزيد من التوسع والتحقيق. وشكراً.
حاوره: حسين خليفة