حول العمل الثقافي في لبنان
حوار صحفي لسماحة الشيخ أكرم بركات مع التلفزيون الإيراني -IRIB
متى بدأ العمل الثقافي المركّز في حزب الله، وما هي الأجواء التي كانت سائدة في تلك الفترة؟
لا نستطيع أن نفصل بين العمل الثقافي في حزب الله وبين انطلاقته كمقاومة عام 1982 لأن حزب الله كمقاومة انطلق من خلال بيئة دينية إيمانية ثقافية يعبِّر عنها تسميته وعنوانه القرآني (حزب الله) والذي كان من خلال تأصيل المفاهيم والمصطلحات من قبل الإمام الخميني (قدس سره) الملهم والقائد الذي كان يواكب المجاهدين منذ الانطلاقة. نعم من الطبيعي أن يحصل النمو والتطوّر بالشكل التدريجي بعد ذلك.
والحديث عن البداية لا يمكن أن نفصله عن المسار السابق الذي كان فيه العلماء والمبلّغون والمثقفون يمارسون دورهم في توعية الأمة وبناء المجتمع الإيماني، إذ لم يكن الحراك الثقافي، يقتصر على دائرة تنظيمية محدَّدة، بل كانت مروحته واسعة في توجيه المجتمع الحاضن والمنتج للمجاهدين، إضافة إلى تركيز خاص على هؤلاء المجاهدين الذين هم ركيزة العمل المقاوم.
نعم حينما وضُعِت الأطر التنظيمية في حزب الله كان لا بُدّ من تحديد إطار للعمل الثقافي وتطويره ومتابعته، لكن من دون أن يعني ذلك أن هذا الإطار تقتصر عليه مسؤولية هذا العمل، إذ هو مسؤولية الجميع فيما يتعلّق بتحصين وتطوير وتوعية الأفراد والمجتمع.
ما هي ميادين العمل الثقافي في حزب الله؟
يمكن الحديث عن ميادين العمل الثقافي ضمن العناوين التالية:
1- المجاهدون.
2- مجتمع المقاومة.
3- العلماء والمبلّغون والنخب الثقافية.
• فيما يتعلّق بالمجاهدين الذين هم عمدة المقاومة، يتركّز العمل الثقافي في ساحتهم على:
أولاً: البناء المعرفي العقائدي السلوكي الذي يواكب بين الأصالة والمعاصرة.
ثانياً: تركيز حالة الوعي ليكون المجاهد عارفاً بأمور زمانه. وهذا الأمر أساسي في ثبات المجاهد في شتّى الميادين.
وهذا العمل المركَّز في تربية المجاهدين هو في مقابل العمل التعبوي العام الذي قد يكون أقل تأثيراً.
وإضافةً إلى البناء المعرفي وتركيز الوعي، يهتمّ العمل الثقافي بضخّ المعنويات التي كانت الإمام الخميني(قده) يوليها الأهمية العالية في تثقيفه، فكان (قده) يقول: "إنَّ مشكلة العالم اليوم أنّه ابتعد عن المعنويات، وهذا الأمر له أهميّة كبيرة على روحية المجاهد الذي يشعر من خلال هذا الإيمان بمواكبة الله تعالى له في مسيرته الجهادية".
ما هي أبرز وأهمّ النشاطات الثقافية التي تهتمون بها؟
إن هذه الأمور الثلاثة التي ذكرتها: البناء المعرفي، تركيز الوعي، وضخّ المعنويات إضافةً إلى كونها مدماكاً للعمل الثقافي مع المجاهدين كذلك هي مدماكاً للعمل الثقافي في مجتمع المقاومة الذي هو لصيق بها، بل هو المنتج والحاضن. كما أنّ هناك أموراً أخرى تجعل العمل الثقافي متَّسِعاً أكثر في هذا المجتمع. وأذكر هنا عدَّة عناوين للعمل الثقافي:
1- الأمية
فالبدء من بذرة التقدّم أعني التعلّم.
فالعمل الثقافي يركّز في هذا المجتمع على إلغاء الأمية فيه من خلال دورات تعليم القراءة والكتابة وهي منتشرة بشكل واسع في المناطق اللبنانية، وسنوياً هناك دورات كثيرة تخرّج المئات لتنقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم.
2- المكتبات
فعندنا اهتمام خاص بتأمين مكتبات عامة ليستفيد منها التلامذة والجامعيون والمحققون. وهذه المكتبات منتشرة في لبنان ويوجد إلى جانبها مشروع دعم المكتبات سواء مكتبات البلدية أو مكتبات الجمعيات الثقافية أو غيرها.
3- المعاهد الثقافية النسائية
يوجد الآن أكثر من عشرين معهداً نسائياً انتسب إليها وتخرّج منها الآلاف من النساء.
4- المعاهد الثقافية العامة لكل الناس وفيها دراسة بالمراسلة وعبر الانترنت.
5- المراكز الثقافية للجامعيين والنخب حيث تقام فيها العديد من الحلقات البحثية والندوات والمحاضرات واللقاءات الحوارية وما شابه.
6- العمل الأدبي من الشعر والقصة والرواية.
وقد أقمنا مؤتمراً حول أدب المقاومة، وكذا تكريم أدباء أحياء وراحلين كالمرحوم الأستاذ سلميان كتّاني.
7- برامج المطالعة كالمعارض الثقافية.
8- مركز للتأليف والترجمة، فعندنا مركز قد أعدّ وترجم المئات من الكتب.
9- مجلة شهرية تواكب هذا المجتمع بالثقافة الأصيلة.
10- مركز المنشورات الثقافية من بروشيرات وبوسترات وجداريات وبطاقات.
11- شبكة الإنترنت للتواصل مع أوسع رقعة من الناس.
12- مركز تطوير الأساليب، وهو يهدف إلى إيجاد الجاذبية في تقدّم هذه الثقافة، وكان لهذا المركز انتاجات فنية عديدة متطوّرة.
ما هو دوركم بالنسبة للشريحة العلمائية؟
إنَّ دور العلماء المبلّغين ينطلق ممّا ذكرت في موضوع البناء المعرفي وتركيز الوعي، فإذا كان العلم ركيزة الجهاد، فمداد العلماء ركيزة لعمل المجاهدين ودماء الشهداء.
من هنا ورد أنّ مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء.
من هذا المنطلق، فإنّ للعمامة دوراً كبيراً في المسيرة الثقافية للمقاومة، فكثير من قادتها هو من العلماء المعمّمين. على قاعدة ديانتنا عين سياستنا، وسياستنا عين ديانتنا.
فالعلماء حاضرون في مختلف الميادين. فمن العلماء شهداء كالشيخ راغب حرب، والسيد عباس الموسوي، والشيخ أحمد يحيى.
ومن العلماء من كان أسيراً كالشيخ عبد الكريم عبيد، ومن العلماء جرحى وهم كثر.
والعلماء المبلّغون اليوم يواكبون المجاهدون ومجمتع المقاومة بمداد العلم والإيمان، ونحن وبهدف تطوير أداء هؤلاء المبلِّغين، فإن العمل الثقافي يحاول أن ينّمي قدراتهم الغنية لملائمة العصر وتعزيز جاذبية الخطاب الديني والثقافي، وفي هذا المقام هناك الكثير من المؤتمرات والورش والحلقات البحثية التي تُعقد مع هؤلاء المبلّغين لهذا الهدف.
وهنا لا بُدّ من الإشارة إلى الاهتمام الثقافي بالمنبر الحسيني الذي يتحدّث حوله الإمام الخميني(قده) بقوله "كل ما عندنا من عاشوراء"، فهناك الكثير من الدورات التي تُقام لتخرّج خطباء المنبر الحسيني.
ولتنمية القدرات الفنّية وغيرها لدى قرَّاء العزاء.
وفي هذا الإطار تأتي أهمية إعداد ونشر الكتب التي هي محل استفادة في مجالس المنبر الحسيني، والتي تصدر عن معهد سيّد الشهداء للمنبر الحسيني.
ما هو حجم التجاوب من الناس؟ وهل تحققت فكرة نشر ثقافية المقاومة؟
أعتقد أنّ حرب تموز تجيب بشكل أفضل من أي لسان أو قلم أو بيان آخر.
سواء فيما يتعلّق بمعنويات المجاهدين وثباتهم، أو فيما يتعلّق بمعنويات مجتمع المقاومة وثباته.
فالقضية لم تكمن في صواريخ ضد الدروع وما شابهها، بل في معنويات من يحمل تلك الصواريخ، وكذا الحال في مجتمع المقاومة الذي سمعنا منه مصطلحات كربلاء المعنوية التي تعبّر عن إباء الضيم والكرامة والعزّة.
ما هي الرؤية الثقافية التي تنطلقون منها للتعاطي مع بقية الطوائف اللبنانية؟
نحن ننطلق مع أبناء الوطن من خلال إيماننا بالتعايش معاً والمصير المشترك، وما ندعو إليه في السياسة تحت عنوان المشاركة في الحكم ينطلق من الرؤية التي جذّرها أمير المؤمنين(ع) بقوله: "الناس أمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق".
ونحن في تموز رأينا مشاهد رائعة من اللبنانيين غير المسلمين يحتضنون أهلنا احتضاناً صادقاً لم ينتج عن صلحة آنية، بل عن صدق في التطلُّع.
أمّا فيما يخص سائر المسلمين فنحن ننطلق من الوحدة الإسلامية كثقافية متجذِّرة متأصلة.
ونحاول جاهدين أن نعمِّق هذه الثقافة في الساحة الشعبية لتخرج من المنبر إلى الوقع الخارجي، لا سيَّما أنّ العدو لا يميِّز بين مذهب وآخر.
من هنا تحتل الوحدة الإسلامية إحدى ركائز العمل الثقافي والناظر في أنشطة العمل الثقافي إلى حجم المؤتمرات والندوات والكتب والمحاضرات حول قضية الوحدة يعرف مدى الاهتمام بها.