ثقافة المقاومة هي ثقافة عاشورائية أولاً
يمكننا من دون أي عناء تلمس الأهمية البالغة التي يوليها حزب الله لذكرى عاشوراء، التي تحولت الى موسم سنوي أشبه بمحطة تتزود منها كوادره بشحنة تعبوية هائلة لا تخمد حتى حلول الموسم العاشورائي القادم.
هنا حديث المسؤول الثقافي المركزي في حزب الله الشيخ أكرم بركات حول رؤية حزب الله الثقافية لموضوع عاشوراء.
- كيف تنظرون الى موقع عاشوراء في ثقافة حزب الله كمورد ومرجع يستمد منه الحزب الكثير من المواقف الراهنة؟
في الحقيقة موضوع عاشوراء لا يرتبط بحزب الله كتنظيم، بقدر ما يستند الى الجانب العقائدي الذي يرتكز إليه حزب الله، وهو الفكر الإسلامي الأصيل الذي تحتل عاشوراء فيه موقعاً مهماً عبر التاريخ.
عاشوراء لم تأخذ البعد الكبير بعد عام 1982 وإن شهدت بعض التطورات الإيجابية على مستوى طريقة إحيائها، نتيجة تدخل التنظيم الداعي في مسألة تنظيمها، لكن عاشوراء كانت محوراً أساسياً للفكر الإسلامي عبر التاريخ، فأهل البيت (عليه السلام) هم الذين دعوا الى تنظيم المجالس وإحياء أمر الإمام الحسين عبر هذه المجالس.
- ولكن يوماً بعد يوم وعاماً بعد عام نلاحظ التطور النوعي في إحياء ذكرى عاشوراء، وقد عمل حزب الله على تحميلها معاني ومضامين سياسية، وكانت محطة للتعبئة ضد العدو الصهيوني.
ومنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 تطورت عاشوراء شكلاً ومضموناً، شكلاً عبر هذه المشهديات الكبرى، ومضموناً من خلال التوظيف والتوجيه.
لا يمكننا فهم سر هذا التطور الشكلي والمضموني إلا بالرجوع الى الحدث البارز في أواخر القرن العشرين، وهو ثورة الإمام الخميني (قدس سره)، هذه الثورة التي اعتبر الإمام أن السبب في انتصارها يعود الى عاشوراء، وسر ذلك يرتبط بمحورين أساسيين: الأول فكري والثاني عاطفي. ففي عاشوراء نلاحظ أن هناك انجذاباً تاريخياً نحو المجالس العاشورائية، نظراً لتعلق الناس بأهل البيت (عليهم السلام). هذا الأمر واضح ولافت، فلو أراد أحدنا أن يدعو الى مناسبة معينة فهو يحتاج الى الكثير من الأنشطة الإعلامية المرافقة، أما في موضوع عاشوراء فهذه المسألة منتفية، لأن الناس يحتشدون بشكل طبيعي، وهذا يرجع الى الخلفية العقائدية وإلى جاذبية الإمام الحسين (عليه السلام) عبر التاريخ، وأيضاً الى التربية الاجتماعية التي سعى الأئمة الى تأكيدها في المجتمع. هناك جهد في التاريخ انصب على إحياء ذكرى الإمام الحسين (عليه السلام)، وبشكل مركز جداً. وكان أهل البيت (عليهم السلام) يبذلون طاقة كبيرة جداً على مستوى التشجيع على إنشاد الشعر العاشورائي الذي كان له وظيفة إعلامية لإيصال الفكرة.
لهذا فأن ترى أناساً غير متدينين بالمعنى الدقيق للكلمة وفتيات غير محجبات مثلاً في مجالس عاشوراء، له سببه الموضوعي الذي يجب أن نستفيد منه في عملية التغيير الاجتماعي الذي ننشده.
أما في ما يتعلق بالجانب الفكري فإنه يرتبط بمسألة رفض الظلم وإرساء العدالة وتنفيذ الإصلاح الذي أشار إليه الإمام الحسين في حديثه الى أخيه محمد بن الحنفية: "ما خرجت أشِراً ولا بطراً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله".
يمكن لمن يقرأ خطابات الإمام الحسين (عليه السلام) ونداءاته أن يتبين ذلك المسار التصحيحي الذي كان ينشده: "أسير بسيرة جدي وأبي علي".. بهذه العباراة أراد إرجاع المسلك السياسي الى مسلك رسول الله (ص).
من جهة أخرى حث أهل البيت ـ كما أسلفنا ـ على إحياء البعد العاطفي لعاشوراء، كما نلاحظ أن الروايات تشير الى ذلك الارتباط بين الإمام الحسين والعَبرة، حتى يروى أن النبي (ص) حين وُلد الإمام (عليه السلام) بكى عليه، وكان الإمام علي (عليه السلام) يناديه "يا عَبرة كل مؤمن".. وحتى الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: "إن الحسين عبرة لكل مؤمن". يوجد تلازم بينه وبين العَبرة، وهذا له سبب، وخاصة إذا أضفنا الروايات التي تتحدث عن ثواب البكاء على الإمام الحسين أو حتى التباكي، والسبب قد تلاحظه من خلال قراءة للتجارب التاريخية التي لم تعتمد ـ لا سيما في بداياتها ـ على الجانب الفلسفي والبرهاني والاستدلالي في الحركة التغييرية. إذا لاحظنا مثلاً تاريخ الأنبياء (عليه السلام) ـ وهذه النقطة يلفت إليها الإمام القائد الخامنئي دام ظله في إحدى خطبه ـ إذا قرأنا الجانب الحركي في تاريخ الأنبياء نجدهم اعتمدوا بشكل أساسي على العاطفة في عملية التغيير الاجتماعي، وفي حركة النبي محمد (ص) نرى أنه لم يأتِ في بداية الدعوة ببراهين فلسفية لكي يثبت قضية التوحيد، وإنما اعتمد على العاطفة الصادقة التي أثارها بين الناس الذين حوله، والتي تنبع من برهان فلسفي يساندها.
- هل يمكن أن نبني الفكرة والعقيدة على أساس عاطفي؟
عندما تكون العاطفة صادقة ومنطلقة من برهان عقلي وفلسفي ثابت فإنه يمكن الاعتماد عليها في بداية عملية التغيير وبعد ذلك يؤتى بالاستدلالات العقلية والمنطقية لتثبيت الفكرة. العاطفة هنا ناشئة من القضية الحقة، ومن الاستدلال العقلي الصحيح.
في عاشوراء المطلوب أن يتفاعل الإنسان عاطفياً مع قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، وهذا الأمر أساسي في عملية تغيير الفرد والمجتمع. ونلاحظ أن ثمة مفكرين ينظّرون لعقيدة ما بشكل كبير جداً، ولكن هذه العقيدة تقف عند حدود العقل على حد تعبير الإمام الخميني (قدس سره)، ولكن العقل لا يرسمها بقلمه على لوح القلب، وإنما تبقى في الدائرة العقلية، لذلك لا تحقق تغييراً لا في الفرد ولا في المجتمع، وإنما تبقى في الدائرة الجافة.
لقد أراد أهل البيت أن يتحرك الفكر الإسلامي في دائرة العاطفة لتندمج الفكرة مع الدمعة لإحداث التغيير. وإذا أردنا مثالاً على ذلك لن نذهب بعيداً في التاريخ، فتجربة المقاومة الإسلامية في لبنان توضح الفكرة، لأن مجاهدي المقاومة استندوا الى فكر عاشوراء وعاطفة عاشوراء.
- هناك الكثير من الإشكاليات التي أثيرت حول البعد الطقسي في إحياء ذكرى عاشوراء، حتى الفقهاء اختلفوا حول مسألة تعذيب النفس و"التطبير" وغيرها.. من موقعكم كمسؤول ثقافي مركزي في حزب الله، كيف تنظرون الى الطريقة الأنسب لإحياء ذكرى عاشوراء؟
لا بد من الفصل بين البكاء وبعض المظاهر مثل "التطبير". بالنسبة الى البكاء فهو تعبير عاطفي إنساني لا أحد يعترض عليه. الإنسان يبكي نتيجة الانفعال العاطفي مع الحدث، وخاصة إذا كان هذا البكاء يمثل حالة تعبوية ضد الظلم والانحراف. أما بالنسبة الى بعض الحالات التي يرى المجتمع بشكل عام فيها سلبية كمسألة "التطبير"، فمرة نناقشها من الناحية الفقهية الرياضية الهندسية على حسب تعبير البعض، بأنه هل يجوز للإنسان أن يجرح نفسه من دون أن يؤدي الى التهلكة؟ هذا النقاش بأنه هل يجوز أم لا يوجد اختلاف حوله، وهذا النقاش يجعل الأمر فردياً خاصاً، وقضية عاشوراء ليس لها هذا الجانب الفردي الخاص، إنما عاشوراء هي حركة عامة، وهذه الحركة العامة هي مظهر وشعيرة أمام كل الناس والمجتمع.. والشعيرة التي تظهر أمام الناس في عاشوراء وخاصة في هذا العصر الذي انفتحت فيه ثقافات الشعوب على كل العالم، وخاصة من خلال العولمة الإعلامية التي نلاحظها في هذا العالم.. مسألة "التطبير" انبرى لها كبار علماء الشيعة ليعالجوا هذه القضية من خلال المظهر الذي تقدمه للآخرين.
- البعض اعتبره مسيئاً للمذهب؟
نعم، البعض اعتبر هذا المظهر مسيئاً للمذهب. في الفترة السابقة انبرى السيد محسن الأمين (قدس سره) لتحريم "التطبير"، لأنه يسيء الى مذهب التشيع، والآن نرى الإمام الخامنئي (حفظه الله) يحرم "التطبير"، وقد اعتبر أنه يمثل حالة إساءة لمذهب أهل البيت في نظر الآخرين. وينطلق من خلال ذلك الى التحريم الذي يعرض مرتكبه الى الإثم الشرعي والمعصية الشرعية. ونلاحظ أنه في لبنان بعد تصدي الإمام الخامنئي وقبله تصدي الإمام الخميني (قدس سره)، انحسرت مظاهر "التطبير"، وفي حزب الله إضافة الى التحريم الشرعي يوجد قرار بمنع "التطبير"، ونسعى مع الآخرين أيضاً في هذه السنة خصوصاً، ووعدت بعض الأطراف بأن تسعى جاهدة الى حصر هذه المسألة ومنع وتوجيه الناس الى عدم "التطبير". على أي حال كل سنة نلاحظ انحسار هذه المسألة، وذلك يرجع الى ازدياد الوعي عند الناس، والسعي الى عدم حصول ما يشوّه سمعة هذا المذهب عبر هذه الممارسات.
- أثار البعض مسألة المبالغات في سرد الملحمة العاشورائية، والمقصود هنا المبالغة في سرد الوقائع، ما هو رأيكم في هذه النقطة تحديداً؟
وقوع مبالغات في هذه الوقائع كان موجوداً لا ضرورة لإنكاره وكان محلاً لانتقاد كبار علمائنا. من يقرأ الملحمة الحسينية للشهيد مطهري يلمس الانتقادات لهذه المبالغة. ونحن بدورنا في لبنان سعينا سعياً منظماً لإزالة الشوائب التي قد لا يلتفت إليها البعض، ويضعها في إطار المجلس. عُقد سنة 1999 المؤتمر العاشورائي الأول، وكانت هذه المسألة ضمن المحور الأساسي للمؤتمر، ومن نتائج هذا المؤتمر أنه أُلف كتاب يجمع كل المقتل والمصرع الحسيني لتوحيد قراءته في المجالس، ونحن نقحنا هذه السنة الكتاب وطبعناه ووزعناه على كل قراء مجالس العزاء.
- أقمتم العديد من المؤتمرات، المؤتمر العاشورائي الأول والمؤتمر العاشورائي الأخير حول مجالس الأطفال، ماذا تحدثوننا عن أجواء هذه المؤتمرات؟ وما هو الداعي لإقامتها؟ وكيف تقوّمون نتائجها؟
ذكرت قبل قليل أننا عقدنا سنة 1999 المؤتمر العاشورائي الأول الذي أقامته الوحدة الثقافية المركزية، والذي شارك فيه نخبة من كبار العلماء والمثقفين في لبنان. هذا اللقاء عالج الإشكاليات التي كانت تُطرح حول المضمون وحول الشكل، وقدمت فيه أبحاث عديدة تتعلق بالمضمون وأيضاً بالشكل، وهي أبحاث مفيدة جداً وموجودة لدى الوحدة. وكان لهذا اللقاء نتائج إيجابية، منها توحيد المصرع وتوحيد المقتل الحسيني على مستوى القراءة، حيث طُلب من جميع القراء يوم العاشر قراءة هذا المصرع الذي لوحظ فيه المضمون وأيضاً الوقت. ففي الفترة الماضية كان المصرع يُقرأ بفترة طويلة جداً بما لا ينسجم مع الوضع التنظيمي لليوم العاشر الذي ينطلق من المصرع الى المسيرة الى الصلاة بعد الخطبة. هذا من نتائج المؤتمر، وأيضاً أُنجز معهد خاص بالمنبر الحسيني وسُمي معهد سيد الشهداء للتبليغ والمنبر الحسيني، وهو معهد يقوم بإعداد خطباء حسينيين. هناك دورات الآن ونحن في أجواء الدورة الرابعة، هذه الدورات تركز على المضمون الفكري والشكلي لأداء الخطيب الحسيني الذي يعبّر عنه قارئ العزاء.
يحتوي المعهد على مكتبة حسينية خاصة هي بيت للقراء، بحيث ان قرّاء العزاء إذا أرادوا تحضير موضوع معين، فقد جمعنا في هذه المكتبة ما كُتب عن الإمام الحسين (عليه السلام) بشكل عام، ونحن في صدد تزويدها بأجهزة كمبيوتر وC.D خاصة بالحسينيات. ويقوم هذا المعهد أيضاً بجملة من المؤتمرات التخصصية، ومن هذه المؤتمرات التخصصية قمنا بعقد مؤتمر خاص بمجالس الأطفال والناشئة، استضفنا فيه نخبة من العلماء والمتخصصين بأدب الأطفال وقصص الأطفال والشعراء والمؤسسات التربوية وأيضاً الكشافة، لبلورة الهيكل العام لهذا المجلس، واستطعنا في هذا المؤتمر أن نبلور الهيكلية لهذا المجلس، ونعمل الآن على رسم المجلس الخاص بالأطفال والناشئة.
- ماذا عن نشاطاتكم لهذا الموسم؟
هذا العام قمنا بإعداد كُتيب يحتوي على عناوين المحاضرات التي يلقيها المحاضرون في عاشوراء، وهذه العناوين كُتبت مع محاورها وشواهدها آخذين في عين الاعتبار: أولاً تحديد الأولويات في المضمون الحسيني الذي نريده لهذا العام، لأننا نلاحظ ما تحتاجه الساحة من أولويات فكرية ومسلكية. بعد دراسة هذه الأولويات تحددت العناوين لكل ليلة بما يرتبط بهذه الأولويات التي تحدثت عنها.
وثانياً حتى لا يقع تكرار في المضامين الفكرية، هناك مشكلة سابقة اذ يأتي محاضر يتحدث عن موضوع تحدث عنه محاضر في يوم سابق، ما يوقع الناس في تكرار المضمون. أيضاً بالنسبة الى قراء العزاء أيضاً حددنا ما يقرأ في الليالي، وأيضاً المواعظ حددت مع شواهدها. كما حددت في هذا الكتيب مواضيع متعددة: موضوع عن الشباب، موضوعان عن المرأة، موضوع عن الجو الاجتماعي ـ صلة الرحم، موضوع عن التضحية وعن أسباب النصر. هذا من جملة التحضيرات، وأيضاً منها لقاء عام يجتمع فيه المحاضرون والخطباء الحسينيون مع سماحة الأمين العام لتوجيه المحاضرين والخطباء نحو السياسات العامة والأولويات للخطاب، وهذا اللقاء مفيد جداً على مستوى تأكيد الوعي الفكري الذي يبثه المحاضر أو الخطيب في مجالس العزاء. أيضاً من جملة التحضير لهذه السنة هناك بعض المنشورات في عاشوراء التي توزع على الأفراد، كمنشور حول آداب عاشوراء، ومناشير عامة توزع في المساجد، مثل زيارة وارث للإمام الحسين (عليه السلام)، هذا إضافة الى تنظيم المجالس في كل أنحاء لبنان، أي تأمين المحاضرين والخطباء الحسينيين للمناطق كافة.
حاوره: حسن نعيم