اللقاءات الرمضانية التي عقدتها الجمعية الخيرية اللبنانية في لندن 1418 هـ.
الأسئلة الأربعة يوم القيامة
السؤال (1): العمر؟
عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:
1-عن عمره فيما أفناه؟
2-وشبابه فيما أبلاه؟
3-وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟
4-وعن حبنا أهل البيت؟
قال تعالى: ﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئاً إن الله عليم قدير﴾.
الحياة والدنيا:
يتصور بعض الناس أن حياة الإنسان تنحصر في هذه الدنيا، وتصورهم هذا هو أساس حرصهم عليها وتمسكهم بها، لكنهم مخطئون فيما يتصورونه، لأن الحياة لا تنحصر في الدنيا بل نسبة الدنيا إلى الحياة لا تتعدى نقطة ماء من بحر لجي يمثل نشآت الحياة التي يعبرها الإنسان.
مراحل الحياة:
وهذه النشآت تبدأ من رحم الأم الذي هو مستودع أعده الله تعالى ليكون داراً لتكامل الإنسان على المستوى الجسدي، فيتهيأ بذلك للخروج إلى دنيا خارج الرحم التي أعدها الله تعالى لتكون دراً لتكامل الإنسان على المستوى الروحي، فيتهيأ بذلك للخروج إلى نشأة البرزخ (عالم القبر) ومنها إلى نشأة يوم القيامة ومنها إلى مصيره الأبدي.
إذن الدنيا (خارج الرحم) دار عبور أعدت ليتزود منها الإنسها ويهيء زاده إلى الآخرة وعلى أساس هذه النظرة للحياة نفهم:
نظرة الإسلام إلى عمر الإنسان
دعا الإسلام إلى الاستفادة التامة من العمر، وجعل وسيلة ذلك تبيان جملة من حقائق العمر منها:
1-العمر يمضي ولا يرجع:
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام): "الليل إذا أقبل نادى منادٍ بصوت يسمعه الخلائق إلا الثقلين: يا ابن آدم إني خلق جديد إني على ما في شهيد، فخذ مني فإني لو طلعت الشمس لم أرجع إلى الدنيا، ولم تزود في من حسنة، ولم تستعتب فيّ من سيئة وكذلك يقول النهار إذا أدبر الليل".
2-العمل يمضي بسرعة:
وهذا المضي لعمر ليس بطيئاً بل هو سريع جداً، ويعبر الإمام علي (عليه السلام) عن سرعته بقوله: "ما أسرع الساعات في اليوم، وأسرع الأيام في الشهر، وأسرع السنين في العمر"، ويؤكد النبي نوح (عليه السلام) هذه الحقيقة عندما سئل عند موته: يا نوح يا أبا البشر ويا طويل العمر كيف وجدت الدنيا فقال (عليه السلام): ما وجدتها إلا كدار لها بابان دخلت من أحدهما وخرجت من الآخر.
3-العمر والموت:
ورد أن ملك الموت إذا ظهر للعبد أعلمه أنه قد بقي من عمره ساعة وأنه لا يستأخر عنها، فيبدو للعبد من الأسف ما لو كانت له الدنيا كلها لخرج منها على أن يضمه إلى الساعة ساعة أخرى يتدارك تفريطه فيها، فلا يجد إليه سبيلاً، يقول لملك الموت: مهلني يوماً، يقول: قد ضيعت الأيام فيقول العبد، مهلني ساعة أتدارك فيها فيقول: قد ضيعت الساعات.
استفد من عمرك:
وإذا كان هذا هو واقع الحياة وهذه هي حقيقة العمر فالأحرى بالإنسان أن يستفيد من عمره لتحصيل زاده للدار الآخرة، وهذا ما أكدت عليه النصوص الإسلامية فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام): إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما ويأخذان منك فخذ منهما" وقد حدد علي (عليه السلام) صفة هذا العمل المطلوب وهي أن يكون نافعاً للإنسان في الدار الآخرة فقال فيما روي عنه (عليه السلام): "اشتغال النفس بما لا يصحبها بعد الموت من أكبر الوهن".
ساعات الفراغ والندم يوم القيامة:
ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه يفتح للعبد يوم القيامة على كل يوم من أيام عمره أربعة وعشرون خزانة- عدد ساعات الليل والنهار- فخزانة يجدها مملؤة نوراً وسروراً فيناله عند مشاهدتها من الفرح والسرور ما لو وزع على أهل النار لأدهشهم عن الإحساس بألم النار، وهي الساعة التي أطاع فيها ربه ثم يفتح له خزانة أخرى فيراها مظلمة منتنة مفزعة فيناله عند مشاهدتها من الفزع والجزع ما لو قسم على أهل الجنة لنغّص عليهم نعيمها وهي الساعة التي عصى فيها ربه، ثم يفتح له خزانة أخرى فيراها فارغة ليس فيها ما يسره ولا ما يسوؤه وهي الساعة التي نام فيها أو اشتغل فيها بشيء من مباحات الدنيا فيناله من الغبن والأسف على فواتها حيث كان متمكناً من أن يملأها حسنات ما لا يوصف، ومن هذا قوله تعالى "ذلك يوم التغابن".
نعم:
لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل... عن عمره فيما أفناه في طاعة الله أو في معصيته؟
وأخيراً نذكر أبيات نسبت إلى الإمام علي (عليه السلام) يقول فيها:
إذا عاش الفتى ستين عاماً فنصف العمر تمحقه الليالي
ونصف النصف يذهب ليس يدري لغفلته يميناً عن شمال
وثلث النصف آمال ورحص وشغل بالمكاسب والعيال
وباقي العمر اسقام وشيب وهم بارتحال وانتقال
فحب المرء طول العمر جهل وقسمته على هذا المثال
السؤال (2): الشباب؟
عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:
1-عن عمره فيما أفناه؟
2-وشبابه فيما أبلاه؟
3-وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟
4-وعن حبنا أهل البيت؟
لعل مرحلة الشباب تثمل المرتبة الأهم من عمر الإنسان، وأود عنا أن أركز الكلام على صفتين لهذه المرحلة: أنها (1- فرصة 2- خطرة).
1-مرحلة الشباب فرصة:
حثت الأحاديث على استثمار فرصة الشباب مؤكدة أنه لا يعرف قيمة هذه الفرصة إلا من فقدها فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) "شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الشباب والعافية.
وهذا الحث- كما يبدو من الروايات- كان على أساس أن فرصة الشباب أفضل مرحلة لتكامل الإنسان من حيث الاستعدادات الموجودة فيه فقد روي عن علي (عليه السلام): "إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما أُلقي فيها من شيء إلا قَبِلتْهُ".
وقد قال الصادق (عليه السلام) مخاطباً أحد المبلغين للإسلام: "عليك بالأحداث فإنهم أسرع إلى كل شيء".
العلم والعبادة:
وقد أكدت الروايات على أن يكون استثمار مرحلة الشباب مركزاً على أمرين أساسيين هما:
الأول: فرصة الاستعداد العقلي لغرض التعلم، فعن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) "من تعلم في شبابه كان بمنزلة الرسم في الحجر ومن تعلم وهو كبير كان بمنزلة الكتاب وهو على وجه الماء". وكان الإمام الكاظم (عليه السلام) يقول مهدداً "لو وجدت شاباً من شبان الشيعة لا يتفقه لضربته ضربة السيف".
الثاني: استثمار فرصة الاستعداد الجسدي لغرض تأدية العبادات والطاعات فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله): "إن الله يحب الشاب الذي يفني شبابه في طاعة الله" وقال أيضاً "فضل الشاب العابد الذي تعبد في صباه على الشيخ الذي تعبد بعدما كبرت سنه كفضل المرسلين على سائر الناس.
2- مرحلة الشباب خطرة:
أشار الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى خطورة هذه المرحلة حين قال: "الشباب شعبة من الجنون" وتكمن خطورة الشباب في أمور أركز الكلام على اثنين منها هما:
1-الجمال:
فالشاب الجميل أمامه خياران إما أن يغتر بجماله أو يجعل جماله في طاعة الله تعالى.
فإن اغتر بجماله فمصيره حددته رواية تقول: "يجاء بالشباب الذي افتتن بجماله في الدنيا يوم القيامة (يقول): يا رب لقد وهبتني جمالاً فافتتنت فيجاء بيوسف (عليه السلام) ويقال: أنت أجمل أم هذا لقد وهبناه جمالاً فلم يفتتن".
وإن جعل جماله في طاعة الله فمنزلته حددها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حين قال: "إن أحب الخلائق إلى الله عز وجل شاب حدث السن في صورة حسنة جعل شبابه وجماله لله وفي طاعة الله، ذلك الذي يباهي به الرحمن ملائكته يقول: هذا عبدي حقاً".
2-الجنس:
الجنس غريزة كامنة في الإنسان كغيرها من الغرائز الكامنة فيه من قبيل حب الأكل وحب النوم، والإنسان بطبيعته يسعى لتحقيق الأفعال التي تشبع هذه الغرائز. وهنا أشر إلى نقطة هامة جداً هي أن حسن هذا الفعل الناتج عن الغريزة ليس بكثرة وقوعه بل بحسب حاجة الإنسان له.
وهذا ما نفهمه من الحكمة الواردة عن لقمان (عليه السلام) حين يوصي ابنه بثلاث:
1-بأكل ألذ الأطعمة.
2-بالنوم على أريح الأسرة.
3-بالإضطجاع مع أجمل النساء.
وحين سأله ابنه عن كيفية تحقيق ذلك أجاب (عليه السلام): لا تأكل حتى تجوع تماماً ثم كل فإنك تجد الطعام ألذ الأطعمة ولو كان خبزاً يابساً، ولا تنم إلى أن تتعب كثيراً ثم نم فإنك تجد نومك أريح نوم وإن كان على حجر، ولا تضطجع مع إمرأة حتى تشعر بشدة الرغبة للنساء ثم اضطجع فإنك تجد من اضطجعت معها من أجمل النساء.
إذن حسن الأفعال الناتجة عن غرائز الإنسان ليس بكثرتها بل بحسب طلبها النابع عن الحاجة.
وبما أن غريزة الجنس من الغرائز التي هي برغم كماليتها تشكل بعض المشكلات للإنسان فقد وضع الإسلام حلولاً تجنب الإنسان الوقوع فيها ومن هذه الحلول:
1-الزواج الدائم:
فقد حث الإسلام على الزواج للشباب في السن المبكرة فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "ما من شاب تزوج في حداثة سنه إلا عج شيطانه: يا ويله يا ويله عصم مني ثلثي دينه، فليتق الله في الثلث الباقي. وقد بين المعصومون (عليه السلام) ثواباً جزيلاً للمتزوج من قبيل ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) "إن ركعتين يصليهما رجل متزوج أفضل من رجل يقوم ليله ويصوم نهاره أعزب".
2-الزواج المنقطع:
بما أن الزواج الدائم قد لا يتيسر لكل الناس في كل الأوقات، وبما أن الغريزة الجنسية حاجة ملحة في الإنسان طرح الإسلام حلاً لهذه المشكلة بتشريع الزواج المنقطع قال تعال " فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة" (النساء 24) إذن زواج المتعة طرح حلاً للمشكلة الجنسية لكي يستعفف به الإنسان لا ليجعله هذا الزواج زير نساء، وهذا ما نفهمه من خلال جواب الإمام الرضا (عليه السلام) عن سؤال حول المتعة إذ قال: "هي حلال مباح، مطلق لمن لم يغنيه الله بالتزويج..فليستعفف بالمتعة".
إن بعض الناس وللأسف يمارس هذا الزوج بشكل خاطئ يوقع المجتمع بجملة من السلبيات، وذلك عندما يتحرك الطالب لهذا الزواج على أساس النهم الشهواني لا على أساس الطلب عن حاجة وبالشكل الصحيح، مما يجعل بعض الناس يسيئون إلى هذا الطرح الإسلامي فضلاً عما يسبب من مشاكل داخل البيت الزوجي، والظاهر أن هذه المشكلة ليست في زماننا الحاضر فقط بل كانت قائمة في زمن المعصومين (عليه السلام) الذين واجهوها مبينين أن في هذا السلوك خروجاً عن هدف التشريع الإسلامي، فقد ورد أن الإمام الرضا (عليه السلام) كتب إلى بعض مواليه "لا تلحوا على المتعة، إنما عليكم إقامة السنة فلا تشتغلوا بها عن فرشكم وحرائركم (زوجاتكم) فيكفرن ويتبرين ويدعين على الآمر بذلك ويلعنونا".
إذن إن زواج المتعة إنما شرع لحل مشكلة، فلا ينبغي أن يتعاطى معه بشكل يؤدي إلى مشكلة بدل أن يحلها.
إن الزواج المنقطع كالدواء الذي يعطى للمريض بمرض معين أما غير المريض فإذا تناول هذا الدواء فقد يسبب له مشاكل لا تحمد عاقبتها.
السؤال (3): المال؟
عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:
1.عن عمره فيما أفناه؟
2.وشبابه فيما أبلاه؟
3.وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟
4.وعن حبنا أهل البيت؟
قال تعالى: "وتحبون المال حباً جماً" تتحدث الآية عما يكنُّه أكثر الناس من الحب الكبير للمال، فما هو موقف الإسلام من حب المال؟
بعضهم يجيب: إن حب المال مذموم بنظر الإسلام، وقد دل على هذا نصوص عديدة منها ما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): "حب المال سبب الفتن"، "حب المال يوهن الدين ويفسد اليقين"، "إذا أحب الله سبحانه عبداً بغّض إليه المال، وقصّر منه الآمال، إذا أراد الله بعبدٍ شراً حبّب إليه المال وبسط منه الآمال".
الجواب الصحيح: إن الجواب المتقدم لا يُشكّلُ تصوراً صحيحاً لنظرة الإسلام في موضوع المال فإن النصوص الإسلامية لا تطرح أي سلبية في نفس حب المال بل تجعل محور الحكم بالسلب أو الإيجاب على نوعية تعلق الإنسان به، فإن كان تعلقه على أساس الاستغراق به غير مكترث بآخرته، فالإسلام يحكم على هذا التعلق والحب للمال بأنه سبب الفتن ومضُعّف للدين ومُفسد لليقين، أما إذا تعلق الإنسان بالمال على أساس الإستفادة منه لحفظ كرامته في الدنيا والتزود منه لآخرته، فالإسلام ينظر إلى هذا الحب نظرةً إيجابية وإلى هذا يشير الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله: "لا خير في من لا يحب جمعل المال من حلال يَكُفُّ وجهه ويقضي به دينه ويصل به رحمه".
إذن: الإسلام لا يرفض أن يجمع الإنسان الأموال ويملكها وإنما يرفض أن تملك الأموالُ الإنسان، وفي هذا المضمون ورد قبس من قبسات أمير المؤمنين (عليه السلام): يقول فيه: "ليس الزهد في أن لا تملك شيئاً وإنما الزهد في أن لا يملكك شيء".
المال: من أين؟ وفي أين؟
وعلى أساس هذه النظرة يُحذّرُ الإسلامُ جامع المال من أمرين: الأول: من أين يكسبه؟ والثاني: فيما ينفقه. وهذان السؤالان لا بد من الجواب عنهما يوم القيامة لأنه " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه"؟
من أين اكتسبهُ؟
على الإنسان أن يكون دقيقاً في حلية الأموال التي يجمعها ويُحاسب نفسه فيها، فقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يا أبا ذر لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، فيعلم من أين مطعمه؟ ومن أين مشربه؟ ومن أين ملبسه؟ من حلال أو من حرام؟"
وإلا فإن ماله سيكون وبالاً عليه وقت احتضاره. وفي هذا يحدثنا أمير المؤمنين عن موقف الإنسان فيه وإنه في ذلك الوقت "يتذكر أموالاً جمعها، أغمض في مطالبها وأخذها من مُصَرّحاتها ومشتبهاتها، قد لَزِمَته تبعات جمعها، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، ويتمتعون بها فيكون المهنأُ لغيره والعبء على ظهره.
فيوم القيامة سيكون مصير الذي لا يدقق في حليّة أو حرمة الأموال التي يجمعها، ما أخبرنا عنه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): بقوله: "قال الله تعالى: من لم يُبال من أي بابِ اكتسب الدينار والدرهم، لم أُبالِ يوم القيامة من أي أبواب النار أدخلته".
وفيما أنفقه؟
وكما على الإنسان أن يدقق من أين يجمع المال، عليه أن يدقق فيما يُنفقه، فقد أخبرنا الإمام الكاظم (عليه السلام) "أن الله عز وجل يبغض القيل والقالَ وإضاعة المال"، والسؤال "فيما أنفقته" يشمل السؤال عن حق الله في ماله، فَيُسأل الإنسان هل أديّتَ حقوق الله في مالك أم لا؟ فإن كان لم يؤدي حق الله تعالى، يكون مالهُ شرَ الأموال كما قال علي (عليه السلام): "شرُّ الأموالِ ما لم يُخرجُ منه حق الله سبحانه" ويكون له موقف صعب يوم القيامة، يحدثنا عنه الإمام الباقر (عليه السلام) بما مضمونه: " أن الله تبارك وتعالى يبعث يوم القيامة أناساً من قبورهم مشدودةً أيديهم إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يتناولوا بها قدر أنملة، والملائكة يعيّرونهم تعييراً شديداً، يقولون هؤلاء الذين أعطاهم الله فمنعوا حق الله في أموالهم".
وقد سُئل أميرُ المؤمنين (عليه السلام): من أعظمُ الناس حسرةً؟ قال: من رأى ماله في ميزان غيره فأدخله الله به النار وأدخل وارثه به الجنة.
وأخيراً:
فلنعتبر بقول الشاعر:
أبقيت مالك ميراثاً لوارثه فليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال يسرهم فكيف بعدهم حالت به الحال
ملُّوا البكاء فما يبكيك من أحدٍ واستحكم القيل في الميراث والقال
أنستهم العهد دنياً أقبلت لهم وأدبرت عنك و الأيام أحوال
السؤال (4): حب أهل البيت (عليهم السلام)؟
عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:
1.عن عمره فيما أفناه؟
2.وشبابه فيما أبلاه؟
3.وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟
4.وعن حبنا أهل البيت؟
قال تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجراً إلا المودة في القربى﴾ (الشورى 23). تدل الآية أن الله تعالى جعل أجر رسالة النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) هو حب القربى فـ:
من هم القربى؟
أجمع علماء المسلمين الشيعة ووافقهم ثلة من علماء السنة كالإمام أحمد بن حنبل والطبراني والحاكم وابن حجر أن المراد بالقربى علي وفاطمة والحسن و الحسين، وقد ذكر ابن حجر أنه لما نزلت الآية قالوا: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم فأجاب (صلى الله عليه وآله)" علي وفاطمة والحسن والحسين".
وقد ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) في أحاديث كثيرة العطايا الإلهية العظيمة التي يمنحها الله لمحب أهل البيت وعلى رأسهم علي بن أبي طالب نتعرض هنا لبعضها:
حب علي ميزان الإيمان
ورد من طرق المسلمين العامة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "يا علي لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا كافر أو منافق". وورد من طرقهم أيضاً أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي وعدوي عدو الله".
منزلة محب أهل البيت عند الموت
روى الزمخشري (أحد كبار علماء أهل السنة) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
من مات على حب آل محمد مات شهيداً.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفوراً له.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائباً.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات مؤمناً مستكمل الإيمان.
ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة ثم منكر ونكير.
ألا ومن مات على حب آل محمد يزفّ إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها.
ألا ومن مات على حب آل محمد فتح له في قبره بابان إلى الجنة.
ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله قبره مزار ملائكة الرحمة.
ألا ومن مات على حب آل محمد مات على السنة والجماعة.
ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله.
ألا ومن مات على بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة.
منزلة محب أهل البت يوم القيامة
روى الإمام أحمد بن حنبل والترمذي (من كبار علماء أهل السنة)أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان ينظر إلى الحسن والحسين ويقول: من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة. وروى المحقق المشهور أحمد الخوارزمي بسند معتبر عن النبي (صلى الله عليه وآله) "ألا ومن أحب علياً حشره (الله) يوم القيامة آمناً من الصراط والنار".
منزلة محب أهل البيت في الجنة
وروى المحقق الخوارزمي أن النبي محمداً (صلى الله عليه وآله) قال: "ألا من أحب علياً أعطاه الله بكل عرقٍ في بدنه مدينةً في الجنة".
معنى حب أهل البيت
قد يظن بعض الناس أن حب أهل البيت الموجب لهذه المنزلة العظيمة عند الله هو مجرد العلاقة القلبية بهم حتى لو كان المحب عاصياً لله تعالى.
إلا أن هذا الاعتقاد باطل بحسب ما يفهم في الإطار العام للشريعة الإسلامية الذي أكدته النصوص الشريفة. إذ يفهم منها أن الله تعالى أمر بحب أهل البيت لا على أساس العلاقة الشخصية القلبية بل كان ذلك من باب أنهم القادة الإلهيون والمبلغون للشريعة الحقة فحبهم هو مدخل لتحريك المحب نحو الالتزام بالشريعة المقدسة.
وعلى هذا الأساس نفهم الرواية التي نقلها الإمام أحمد بن حنبل عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): "لو اجتمع الناس على حب علي بن أبي طالب لما خلق الله النار". وذلك لأن الناس لو اجتمعوا على الحب الحقيقي لعلي (عليه السلام) لكانوا ملتزمين بأوامر الله تعالى فلا موجب حينئذٍ لخلق النار.
وعلى هذا الأساس أيضاً نفهم الرواية القائلة: "حب علي بن أبي طالب حسنة لا تضر معها سيئة" فقد فسرها أحد كبار العلماء وهو الوحيد البهبهاني- كما قيل- بأن المراد منها أن الحب الحقيقي لعلي (عليه السلام) يحول بين الإنسان والذنوب. فهو مثل اللقاح الذي يُكسب الإنسان مناعة تحميه من الأمراض الملقح ضدها، فليس المعنى أن محب علي (عليه السلام) لا تضره الذنوب التي يقترفها بل إن حبه يمنعه من اقترافها، لأن الحبيب يطيع من يحبه.
قال الإمام الصادق (عليه السلام) في الشعر المنسوب له:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمرك في الفعال بديع
لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
وقد شدد أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن طاعة الله هي أساس وسبيل النجاة.
يقول الباقر (عليه السلام): "ما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع"
وينقل طاووس اليماني أنه رأى الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) يطوف حول بيت الله ويشتغل بالعبادة من وقت العشاء إلى السحر ولما خلا المكان اتجه إلى الله تعالى وبدأ بمناجاته وهو يبكي بكاءً حاراً ثم وقع على التراب ساجداً فأخذ طاووس رأس الإمام ووضعه في حجره وأخذ يبكي فقال الإمام من الذي شغلني عن ذكر ربي فأجابه: أنا طاووس يا بن رسول الله وسأله عن سبب تضرعه وبكائه وهو علي بن الحسين بن فاطمة حفيد رسول الله فنظر إليه الإمام قائلاً" هيهات يا طاووس دع عي حديث أبي وأمي وجدي خلق الله الجنة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبداً حبشياً، وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً، أما سمعت قوله تعالى: فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يتساءلون. والله لا ينفعك غداً إلا تقدمة تقدمها من عمل صالح".