امريكا الشيطان الاكبر

انطلاقًا من هذا الحديث يمكن القول: إنّ العدو هو الذي يتعدّى ويتجاوز المسار المستقيم للإنسان، والذي من خلاله يحقّق الإنسان كماله. وبعبارة أخرى: إنّ عدوّ الإنسان هو الذي يعمل على انحرافه عن مساره التكامليّ، وصراطه المستقيم.

 

أنواع العدوّ

تحدّثت النصوص الدينيّة عن نوعين للعدوّ:

الأوّل:عدوّ داخليّ هو نفس الإنسان حينما تتغلّب عليها قوى الغضب أو الشهوة أو الوهم، وهذا ما أشار إليه الإمام عليّ (ع) بقوله: "أعدى عدوٍّ للمرء غضبه وشهوته، فمن ملكهما علت درجته، وبلغ غايته"[3]، وعنه (ع): "الهوى أعظم العدوّين"[4].

الثاني:عدوّ خارجيّ أي خارج نفسه، وهو يشمل أصنافًا يمكن التعرّض لهم من خلال التنوّع في أساليبهم المتَّبعة.

أنواع العدوّ الخارجيّ

يتعدّد العدوّ الخارجيّ باعتبار أساليب العداء إلى نوعين:

الأوّل:العدوّ الناعم وهو الذي يحاول أن يُحرف الإنسان لا بالقهر، والإكراه، بل بتغيير صورته الإدراكيّة، ممّا يؤدّي إلى تغيير ميوله، وبالتالي سلوكه، وقد أطلق القرآن الكريم على هذا العدوّ مصطلح "الشيطان.

وقال تعالى: " إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"[5]، وقال تعالى: "أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"[6].

أصناف الشيطان

والشيطان الذي أكّد القرآن على كونه عدوًّا ناعمًا على صنفين: شيطان جنّيّ وشيطان إنسيّ، قال تعالى: "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"[7].

أ- شياطين الجنّ

وشياطين الجنّ هم إبليس وذرّيته، قال تعالى: " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا"[8].

 

ب- شياطين الإنس

وعرض القرآن الكريم عدّة أصناف لشياطين الإنسن وهم:

1- الكافرون

قال تعالى: "مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ"[9]؛ فإنّ عداوة الكافرين لله وللملائكة والرسل ليس بالحرب الصلبة، بل بمحاولتهم منع تحقيق الأهداف الإلهيّة التي هي أهداف الملائكة والرسل، فالكافرون هم أعداء ناعمون في محاولتهم حرف الناس عن مسار تكاملهم، لذا قال تعالى: "وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا"[10].

2- المنافقون

 قال تعالى: "إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ* وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ"[11].

الموقف من العدوّ الناعم (الشيطان)

أمرنا الله تعالى أن نتّخذ موقفًا واضحًا من الشيطان وهو عداؤه الدائم قال تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا"[12].

وهذا يعني أنّ مواجهة العدوّ الناعم على المستوى الاجتماعيّ هي جهاد اجتماعيّ أكبر كجهاد النفس، فكما أنّ جهاد النفس كان أكبر؛ لأنّه يستمرّ إلى نهاية حياة الإنسان، كذلك عداوة الشيطان لا بدّ أن تستمرّ إلى النهاية طالما الشيطان شيطانًا.

ومواجهته وجهاده تكون من خلال التحصين المجتمعيّ في مواجهة الحرب الناعمة التي عمدتها الاقتناع بأنّه شيطان، وبأنّه علينا أن نحافظ على الادراك الصحيح للأمّة، وعلى وعيها وبصيرتها وهو ما يعبِّر عنه بالتقوى الاجتماعيّة.

على أساس هذا التأصيل المستمدّ من القرآن الكريم شخّص الإمام الخمينيّ "قده" منذ بداية حركته الثوريّة الرائدة أعداء الأمّة، وأرشد إلى أساليب هؤلاء الناعمة من خلال المصطلح القرآنيّ الذي أطلقه عليهم وهو "الشيطان"، وفي هذا الإطار سمَّى أمريكا "الشيطان الأكبر"، وكان يتحدّث عن شيطنتها وحربها الناعمة بقوله:

-" على شبابنا أن يعلم أنّ أمريكا لا تدخل الميدان بالسلاح، بل بالقلم"[13].

-"على شبابنا أن لا ينخدعوا بهذه الدعايات الفاسدة، فهذا هو أسلوب أمريكا في الدعاية؛ لأنّها لن تأتي بالجنود، بل بالكُتَّاب"[14].

ومن منطلق كون أمريكا الشيطان الأكبر، وانطلاقًا من قول أمير المؤمنين (ع): "لا تغترنّ بمجاملة العدوّ؛ فإنّه كالماء، وإن أطيل إسخانه بالنار لم يمنع من إطفائها"[15]، كان "قده" يقول: "لو قالت أمريكا لا إله إلاّ الله فلا تصدِّقوها".

الثاني:العدوّ الصلب وهو الذي يحاول أن يحرف الإنسان بالقهر أو الإكراه من خلال حروب عسكريّة أو أمنيّة أو اقتصاديّة وما شاكل ذلك.

وقد يمارس هذا الأمر إضافةً إلى حربه الناعمة، فيكون في الوقت ذاته عدوًّا صلبًا وناعمًا، ومن الواضح أنّ هذا العدوّ ينحصر بالإنسان. ولا يتعدّاه إلى الجنّ كإبليس وجماعته.

الموقف من العدوّ الصلب

قد يقوم العدوّ الصلب بالاعتداء الفعليّ على المجتمع، وقد يجد من مصلحته أن لا يفعِّل عداوته عمليًّا.

وفي كلتا الحالتين حدَّد القرآن الكريم موقفًا واضحًا من دوامه واستمراره، وهو جهوزيّة المجتمع الإيمانيّ لردّ أيِّ اعتداء، وذلك من خلال الإعداد الأقصى الذي يُرهب العدوّ، ويردعه من تجاوز حدوده، قال تعالى: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ"[16].

وحينما يتجاوز العدوّ الصلب حدوده، ويتعدّى على المسلمين، فلا بدّ من مواجهته، ويكون مقدار عداوته بحسب مقدار اعتدائه، فهو حينما يتعدّى ويحتلّ الأرض يكون عدوًّا وجوديًا كإسرائيل، وحينما يستعبد الإنسان ويميِّز بين الناس عنصريًّا يكون عدوًّا إنسانيًا كالنظام السابق في جنوب أفريقيا، وحينما يتعدّى في السياسة يكون عدوًّا سياسيًّا كأمريكا في إحدى أوجهها.

ومواجهة العدوّ المعتدي باحتلال الأرض تكون من خلال طرده وإزالة كيانه منها، لذا لا صلح مع العدوّ الإسرائيليّ نظامًا، فإذا، زال، لا مانع في شرعنا من التعامل مع اليهود كأهل الكتاب، كما يعيشون الآن في الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران.

ومواجهة العدوّ المستعبد للإنسان بمقاطعته المطلقة طالما هو يستعبده ويميِّزه عنصريًّا، لذا كان الموقف من النظام السابق في جنوب أفريقيا المقاطعة، وحينما تبدّل النظام تبدّل الموقف.

ومواجهة العدوّ السياسيّ كأمريكا هو بمواجهتها في السياسة وسائر العناوين التي تعتدي بها؛ وتبقى المواجهة طالما بقيت تلك الممارسات العدوانيّة، فإذا تبدّلت سياسة أمريكا الفعليّة، فإنّها مع بقائها شيطانًا أكبر، وعدوًّا يجب إيجاد الجهوزيّة التامّة قبالها، يكون التعامل مع ذلك التبدُّل بحسبه وبمقداره، لأنّ المشروع الإسلاميّ العامّ هو ليس مشروعًا حربيًا فطالما رضا الله لا يتمّ السعي نحو الحرب، فالحرب في الإسلام هي استثناء في مشروع التكامل الاجتماعيّ فعن أمير المؤمنين (ع): "وجدت المسالمة...ما لم يكن وهن في الإسلام أنجع من القتال"[17]، وعنه (ع) في عهد مالك الأشتر: "ولا تدفعنّ صلحًا دعاك إليه عدوّك لله فيه رضى فإنّ في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمنًا لبلادك، ولكن الحذر كلّ الحذر من عدوّك بعد صلحه؛ فإنّ العدوّ ربّما قارب ليتغفل، فخذ بالحزم، واتَّهِم في ذلك حسن الظنّ"[18].

إنّ هذا الصلح الذي دعا إليه الإمام عليّ (ع) هو صلح مع العدوّ، بسبب مصالح مشتركة، وهو لا يجعله صديقًا، بل يبقى عدوًّا يجب منه الحذر، والإعداد الدائم لردعه عن الاعتداء، فإن ان يعمل على تغيير إدراك الأمّة، فإنّه يبقى شيطانًا.

هذا هو الحال مع أمريكا ومثيلاتها.

وعلى أساس هذا التأصيل كانت المفاوضات النوويّة بين الجمهوريّة الإسلاميّة ودول الـ 5+1 والتي استطاعت إيران والإسلام فيها أن تثبت للعالم:

أوّلاً: قدرتها على تحويل الأخطار والصعوبات والتهديدات إلى فرص، على قاعدة الاستفادة من البلاء في أطروحة الإسلام.

ثانيًا: تثبيت نفسها قوّة إقليميّة لا يمكن تجاوزها.

ثالثًا: قوّة نوويّة عالميّة رغم كلّ العقبات التي وضعت قبال ذلك.

إنّ ما حصل له آثار وتداعيات جديدة منها الاقتصاديّ، والسياسيّ، ولكن الأهمّ هو الأثر الثقافيّ، فإنّ ما أنجزته إيران الإسلام هو منارة للإسلام المحمّديّ المتمثِّل بمدرسة أهل البيت (ع) مقابل تلك الصور البشعة للتكفيريّين.

إنّ ما حصل هو من آثار انتصار المقاومة الإسلاميّة في تموز ومن آثار الوحدة الاجتماعيّة الوطنيّة في إيران وهو من بركات بصيرة وهداية النعمة الكبرى الإمام الخامنئيّ دام ظلّه.

ما حصل هو قسط من جهاد أصغر بقي قسط آخر منه، والأهمّ هو أنّه بقي الجهاد الاجتماعيّ الأكبر من خلال الحرب الناعمة التي يقودها الشيطان الأكبر أمريكا.

لذا فما دامت السياسات العدوانيّة للإدارة الأمريكيّة سيبقى شعار "الموت لأمريكا".



[1]سورة فاطر، الآية 6.

[2]الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، ص 178.

[3]الطبرسي، حسين، مستدرك الوسائل، ج12، ص 12.

[4]الريشهري، محمّد، ميزان الحكمة، ج3، ص 1847.

[5]سورة يوسف، الآية 5.

[6]سورة يس، الآية 60.

[7]سورة الأنعام، الآية 112.

[8]سورة الكهف، الآية 50.

[9]سورة البقرة، الآية 98.

[10]سورة النساء، الآية 101.

[11]سورة المنافقون، الآيات 1-4.

[12]سورة فاطر، الآية 6.

[13]الاستكبار الأمريكيّ، جمعية المعارف، ص 61.

[14]المرجع السابق نفسه.

[15]الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، ص 519.

[16]سورة الأنفال، الآية 60.

[17]الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، ص 506.

[18]المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج33، ص 610.