الصداقة الناجحة

بسم الله الرحمن الرحيم
الصداقة الناجحة
قال تعالى: " وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا "1.
إنَّها وصيّة بالإحسان إلى الصاحب بالجنب، وهو رفيق الإنسان ومصاحبه، والتعبير بالجنب معنى أوسع من الصديق الخاص، بحيث تشمل الدعوة للإحسان لكل من صاحب الإنسان ولو كان صاحباً في سفر بشكل مؤقت، وبهذا تفتتح الآية المجال الواسع للأخوة التي دعا وحثّ عليها الإسلام، فقد ورد عن النبيّ الأعظم (ص) أنّه قال: "من جدّد أخاً في الإسلام بنى الله له برجاً في الجنّة". وقال أيضاً: "استكثروا من الإخوان فإنَّ لكلّ مؤمن شفاعة يوم القيامة".
قواعد اختيار الصديق
على الرغم من تشجيع الإسلام لاتخاذ الأخوة، إلاّ أنّه لم يترك أمر اختيار الأخ ليكون عشوائيّاً كيفما كان، بل دعا إلى أمور هي بمثابة قواعد في اختيار الأصدقاء وتأسيس العلاقة الأخويّة معهم، ومن جملة تلك القواعد:
1- العلاقة القائمة على الإخلاص
شدّدت الروايات الواردة عن النبيّ وأهل بيته (ع) على أن لا تكون الغاية من الدخول في علاقة الصداقة غاية دنيوية، بل ينبغي أن يكون الدافع هو الإخلاص لله تعالى في هذه العلاقة، فقد ورد عن أمير المؤمنين (ع) "كلّ مودة مبنية على غير ذات الله سبحانه ضلال"2.
2- العلاقة المفيدة
أكّدت الأحاديث أن تُلاحظ في العلاقة الصفات الحميدة التي تنفع الإنسان في مسيرة الصداقة، فقد ورد عن الإمام علي (ع) "أخٌ تستفيده خير من أخٍ تستزيده"3، وعن الإمام الرضا (ع): "من استفاد من أخ في الله استفاد بيتاً في الجنة"4.
وقد ركّزت بعض الروايات على صفة الصِّدق في الصديق واعتبرتها الصفة التي تكون مُنطلقاًَ لاستحباب اتخاذ الإخوان ففي الحديث عن الإمام علي (ع): "...عليك بإخوان الصدق، فأكثِر من اكتسابهم، فإنّهم عدّة عند الرّخاء وجُنّة عند البلاء"5.
وصفة الصدق هذه هي المُشار إليها في الحديث المعروف "صديقك من صدَقَك لا من صدَّقك"6
ولعلّ الصديق سُمِّي صديقاً لأجل تَلَبُّسِه بهذه الصفة الحميدة.
3- التمييز بين نوعين من العلاقة
دعت النصوص الإسلاميّة إلى عدم التسرّع في اتخاذ الأصدقاء، فالمفروض بالإنسان الواعي أن يدرس شخصية الأخ الذي يريد اتخاذه صديقاً يفتح له قلبه في العلاقة، فليس كل شخص - وإن كان مؤمناً - يكون مُؤهلاًَ لهذه العلاقة، فقد تكون فيه بعض الصفات التي تُعكّر من صفو الإنسجام بينهما، فقد يباشر بعض الناس مشروع الصداقة المفتوحة مع الآخر بدون
دراسة، إلا أنه يصطدم بالواقع بعد فترة من الزمن لتتحوّل المحبة بينهما إلى حالة جفاء.
من هنا طرح الإمام علي (ع) تقسيم الإخوان في العلاقة إلى قسمين:
الأول: إخوان العلاقات الرسمية الذين يعاملهم المعاملة الحسنة لكن من دون توطيد لهذه العلاقة فلا يكون هذا النوع من الإخوة من الأصدقاء الحميمين الذين يفتح لهم كلّ قلبه ويعرض عليهم مشاكله وأسراره.
الثاني: إخوان الثقة، وهم الذين يتخذهم أصدقاء حميمين يفتح لهم قلبه، ويُوطّد علاقته بهم حتى كأنّهم هو في داخل شعوره.
وعن هذين القسمين ورد عن الإمام علي (ع) قوله: "الإخوان صنفان، إخوان الثقة وإخوان المكاشرة"7.
وإخوان المكاشرة هم القسم الأول، أي إخوان العلاقات الرسمية، لأنّ "كاشر" في اللغة العربية بمعنى ابتسم من دون صوت8، مما يعني أنه لم يتفاعل في ابتسامته من داخله، وإنّما اقتصر على الابتسامة الخفيفة ليُحافظ على لياقة العلاقة العامّة.
4- الأخ الثقة
وقد طرح الإسلام صفاتاً لأخ الثقة الذي ينفتح عليه المؤمن كي تستمر علاقة الأخوة الحقيقية بينهما دون عثرات، من هنا ورد في الروايات أنَّ المؤمن الواعي حينما يريد اتخاذ أخ الثقة عليه أن يتعرّف على ثلاث نقاط في شخصيته، ولو كان التعرّف من خلال اختبار وامتحان له، فعن الإمام الصادق (ع): "لا تُسمِّ الرجل صديقاً سمةً معروفةً حتى تختبره بثلاث:
1- تغضبه، فتنظر غضبه يخرجه من الحق إلى الباطل.
2- وعند الدينار والدرهم.
3- وحتى تسافر معه"9.
اعتقد أنَّ طرح مسألة السفر ليس له موضوعيّة، وإنّما المرادُ أن يتعرّف على طبيعته الحقيقية؛ لأنَّ الإنسان يستطيع أن يُحافظ على تطبُّعه ويُخفي طبيعته في كثير من الجلسات، لكن هذا الإنسان حينما يُسافر مع رفاقه سفراً متعباً يكون معهم فيه لأيام عديدة فإنّ من الصعب عليه أن يُخفي طبيعته، إذ لا بدّ أنها ستظهر في هكذا نوع من السفر، كما نلاحظ ذلك في بعض المؤمنين في سفر الحجّ إلى بيت الله الحرام.
فالإمام الصادق (ع) يدعو إلى التعرف على طبيعة الأخ، حتى لا يُصدم حينما يفتح علاقة الصداقة معه، ثمّ ويرى منه بعد فترة من الزمن ما لا يرضاه، فيكون ذلك مما يزلزل عُرى الصداقة بينهما.
قواعد العلاقة
ولم يكتفِ الإسلام ببيان النقاط السابقة الهادفة إلى إيجاد الوعي حالة اختيار الأخ والصديق، بل حدّد أموراً هي بمثابة قواعد العلاقة ينبغي مراعاتها أثناء علاقة الأخوّة كي تستمرّ هذه العلاقة دون عثرات ومن هذه الأمور:
1- احتمال الزّلّة
فقد ورد عن الإمام علي (ع): "احتمل أخاك على ما فيه"10، فالإمام (ع) يلفت في حديثه هذا إلى أنّ المؤمن ينبغي أن لا يُدقّق في كلّ نقيصة يراها في أخيه، فإنّ طبيعة الإنسان غير معصوم، وقد تصدر منه بعض الزّلاّت، فالمفروض أن يتحمّلها مع التّفكير جيّداًَ في طريقة علاجها بالأسلوب الحسن، وهنا تأتي النقطة الثانية التي تصبّ في خانة العلاج وهي:
2- العتاب البنّاء
فإذا صدر من الأخ تصرُّف خاطئ فلا بد أن تكون ردّة الفعل حكيمة في جانب الأخ المقابل، لذا لا بدّ من تحديد نفسيّة المخطئ، هل يتقبّل العتاب أم لا؟، فإن كان من النّوع الذي لا يتقبّل العتاب أصلاً، فإنّ الإقدام على العتاب قد لا يصُبّ في خانة الحكمة، وإلى هذا يشير الإمام علي (ع) بقوله: "واستعتب من رجوت عتابه"11.
أما إذا كان المخطئ يتقبّل العتاب، فينبغي لأخيه المؤمن أن يصارحه بالخطأ الصادر عنه بأسلوب حكيم وهادئ، لأنّ الإنسان حينما يواجه الخطأ من صديقه، ولا يصارحه معاتباً قد يواجه مشكلة نفسيّة وهي حمل نوع من الضغينة في قلبه، فإذا واجه خطًأ آخر منه زادت الضغينة في قلبه، وهكذا يحمل في قلبه تراكمات تجاه صديقه، وتستمرّ العلاقة، لكن بتراكمات من الضغائن في القلب دون أن تحصل حالة المصارحة بينهما، وهذه هي إحدى الأسباب الرئيسية لتحويل حالة الصداقة إلى نفور وعداء عند أيّ مشكلة تحصل لاحقاً ولو كانت صغيرة، فالنّاس حينما يسألون عن سبب النّفور الحادث قد يأتي الجواب بأنّه مشكلة ماليّة صغيرة، ويتعجب الناس من ذلك، والحقّ معهم في تعجبهم، لأنَّ المشكلة الحقيقية ليست المال، وإنما هي التراكمات القلبيّة السابقة التي فجرتها المشكلة الصغيرة، وعلى حد تعبير المثل المشهور "القصة ليست قصة رمانة، بل هي قصة قلوب مليانة".
وهنا نعرف قيمة العتاب البنّاء، فلو كان هذا الشخص قد صارح أخاه من أول خطأ صدر منه وعاتبه لما حصلت هذه التراكمات؛ لأنَّ العتاب كما ورد "غسيل القلوب"، بل هو كما ورد عن الإمام علي: "العتاب حياة المودّة"12.
وينبغي أن يكون العتاب في جوٍّ هادئ، وأسلوبٍ حكيم، فإنَّ العتاب أمام الآخرين قد يُؤثِّر سلباً بدل أن يُحقّق إيجابيات، وقد نبّه الإمام الحسن العسكري (ع) إلى هذا بقوله: " من وعظ أخاه سرّاً فقد زانه، ومن وعظه علانيةً فقد شانه"13.
فالأسلوب الحكيم في توجيه الملاحظات هو الذي يُؤثِّر أثره، وهنا لا بدّ من التذكير بأنّ المؤمن حينما يُوجّه له الآخرون الملاحظات فإنّه يتقبلها بصدر منفتح، بل يكون كما كان أمير المؤمنين (ع) يُوجّه قائلاً: "ليكن آثر الناس عندك من أهدى إليك عيبك وأعانك على نفسك"14.
3- تصديق الأخ
وفي أجواء العلاقة الأخويّة قد يتدخلّ بعض الأشخاص لينقلوا عن الأخ كلاماً يعكّر من صفو العلاقة، وقد سبق أنَّ الإمام علي (ع) أمر في مثل هذه الحالة أن يُراجع الأخ ليستعتب في ذلك، إنْ كان ممَّن يُرجى عتابه، ولكن قد يتفاجأ المراجِع العاتب حينما يقول له أخوه: "أنا لم أقل هذا أصلاً". وعندها ماذا يكون موقفه؟ هل يصدّقه فيما يقول؟! أو يُصدّق أولئك الناقلين؟!
يأتي الإمام موسى الكاظم (ع) ليجيب رجلاً سأله نفس هذا السؤال فأجابه الإمام (ع): "كذب سمعك وبصرك عن أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسامة وقال لك قولاً فصدّقه وكذّبهم"15.
فالأخ صادقٌ فيما يقول، أمّا الناقلون، فينبغي أن لا يترتّب على كلامهم أثرٌ فلا يصدّقهم فيه، لكن يفتح معهم جبهة عداء، نعم إن كانوا من النمّامين المفتنين بين الناس فيجب عليه أن يتخذ الموقف الصارم اتجاههم فيما إذا كانت الحكمة تقتضي ذلك.
إنَّ تصديق الأخ فيما يقول يُعتبر ركناً أساسياً في استمرار هذه الصّداقة، فإنّ عامل الثقة حينما يهتزّ تتزلزل معه أركان العلاقة.
4- عدم تضييع حقّه
من الأمور التي لفت إليها أمير المؤمنين (ع) في علاقة الأخوة أن لا يضيّع الأخ حقّ أخيه اعتماداً على أنّه كنفسه فلا يعيره أهمية، ولا يقيم له احتراماً أمام الآخرين، بل قد لا يُراعي حقوقاً أساسية له ويتسامح فيها اعتماداً على علاقتهما الحميمة.
رفض الإمام علي (ع) هذا الطرح؛ لأنه قد يؤدّي إلى مشاكل في طريق العلاقة، فعنه (ع): "لا تضيّعنّ حق أخيك إتّكالاً على ما بينك وبينه، فإنه ليس لك بأخ من أضعت حقّه"16.

5- الاعتناء العمليّ به
حبّذ الإسلام على خدمة الأخ، واعتبرها طريقاًَ لثواب الله تعالى، فورد عن النبي الأعظم (ص): "ما في أمتي عبد ألطف أخاه في الله بشيء إلاّ أخدمه الله من خدم الجنّة"17.
لكنّ هذه الخدمة يجب أن لا تتعدّى إطارها لتصل إلى حالة الاستخدام، فقد ورد عن الإمام الصادق (ع): "اخدم أخاك فإن استخدمك فلا ولا كرامة"18.
ومن موارد الاعتناء العمليّ بالأخ هو أن يلقاه بوجه بشوش، فقد ورد عن الرسول (ص): "إلقَ أخاك بوجه منبسط"19، لأنّ هذا مما يعزّز علاقة الأخوّة.
6- التعبير عن العاطفة
أراد الإسلام أن تتوطّد العلاقة بين الإخوة من خلال التعبير عن مشاعر المحبّة باللسان، فقد ورد عن النبيّ (ص) أنّه قال: "إذا أحبّ أحدكم صاحبه أو أخاه فليعلمه فإنّه أصلح لذات البين"20.
قواعد مقاطعة الأخ
لم تكتفِ شريعة الإسلام بإرشاد المؤمنين إلى كيفية اتخاذ الأخوة، وطريقة التعامل معهم، بل تدخّلت في موضوع توقُّف هذه العلاقة وقطعها لتضع الإرشادات الآتية:

1- العتاب قبل القطيعة
فقد ورد عن الإمام علي (ع): "لا تصرم أخاك على ارتياب، ولا تقطعه دون استعتاب"21.
فالإمام (ع) يطلب من المؤمن أن يكون متأكداً من الأمر الطارئ الذي قرَّر على أساسه قطع العلاقة، فلا يقطعها على ارتياب منه، بل على يقين واضح، وحينما يُصمّم على القطيعة، فلا بدّ أن يعاتب أخاه على ما فعل؛ لعلّ العتاب يمحو السواد الطّارئ لتتجدّد العلاقة بعد ذلك على صفحة بيضاء.
2- المحافظة على ما يُعيد العلاقة
فعن أمير المؤمنين (ع) "إن أردت قطيعة أخيك فاستبقِ له من نفسك بقيّة يرجع إليها إن بدا له ذلك يوماً ما"22.
3- عدم دوام القطيعة
ففي الحديث الوارد عن النبي محمد (ص): "لا يحلّ لمؤمن أن يهجر مؤمناً فوق ثلاث، فإن مرّت به ثلاث فليلقَه فليسلّم عليه، فإن ردّ عليه السلام فقد اشترك في الأجر، وإن لم يردّ عليه السلام فقد باء بالإثم، وخرج المسلِّم من الهجرة"23.
4- لزوم قبول الصلح
فعن الإمام الصادق (ع): "ملعونٌ ملعونٌ رجلٌ يبدؤه أخوه بالصّلح فلم يصالحه"24.
هذه جملة من القواعد التي استَقَيْناها من منبع الإسلام الأصيل لتكون مناراً أمام العابرين في طريق الأخوة في الله تعالى.

1 سورة النساء، الآية 36.
2 الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق ونشر دار الحديث، ط1، 1416، ج1، ص 40.
3 الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق حسين الحسيني البيرجندي، ط1، دار الحديث، (لا،ت)، ص126.
4 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 276.
5 المصدر السابق، ص 187.
6 الصدوق، محمّد علي، الآمالي، ص 38.
7 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 281.
8 البغدادي، خزانة الأدب، ج3، ص 127.
9 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 180.
10 الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ص 79.
11 الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص 391.
12 الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ، ص 39.
13 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 166.
14 الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج3، ص 2207.
15 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج72، ص 215.
16 البروجردي، جامع أحاديث الشيعة، ج16، ص 163.
17 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 71، ص 298.
18 المصدر السابق، ص 178.
19 المصدر السابق، ص 171.
20 المصدر السابق، ص 182.
21 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص 42.
22 المصدر السابق، ج71، ص168.
23 النووي، محي الدين، المجموع، ج 16، ص 446.
24 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 71، ص 236.