بسم الله الرحمن الرحيم
السعادة الزوجيّة
قال تعالى: " وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا "1.
ذكرت في الخطبة السابقة أنَّ قوله تعالى: "والصاحب بالجنب" فسِّر بالرفيق الذي يصاحب الإنسان، وهناك تفسير آخر للصاحب بالجنب في بعض الروايات هو أنَّ المراد به الزوجة2، وقد يكون هذا التفسير مبنيّاً على كون الزوجة هي إحدى مصاديق الصاحب بالجنب، وقد عبَّر القرآن الكريم عن الزوجة في مشاهد يوم القيامة بـ "صاحبته" باعتبار صحبتها له في حياته الدنيا.
ونحن نغتنم هذا الأمر الذي يؤول إلى دعوة الله تعالى للإحسان إلى الزوجة للحديث عن العلاقة الزوجيَّة التي بها قوام الأسرة، وبالتالي قوام المجتمع.
قال تعالى في محكم كتابه: " وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ "3.
المولد الثاني
الآيات جمع آية وهي العلامة، والآية المتقدمة تتحدّث عن علامة من العلامات الدالّة على الله تعالى. ما هي؟ إنّها " أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا".
لماذا اعتبر الله تعالى هذه القضيّة آية من آياته، وعلامة من العلامات الدالّة عليه؟
الجواب: لأنّ الإنسان خلقه الله تعالى-بعد آدم وحواء- من أبيه وأمّه، إلاّ أنّ الآية السابقة تفيد أنّ الزوج خلق من نفس الزوج.
كيف نتعقّل ذلك؟
تأمّل في الشاب الذي يلبث مع أبويه عشرين سنة أو أكثر، والفتاة التي تلبث مع أبويها عشرين سنة أو أكثر، إلاّ أنّهما بعد الزواج بأشهر يحدث لدى كلٍّ منهما تغيّرٌ في نفسه يختصّ بالعلاقة مع الآخر، إذ يطلب الزوج من زوجته ما لا يطلبه من أمّه وأبيه، وتطلب الزوجة من زوجها ما لا تطلبه من أمّها وأبيها، وكأنّه خُلق منها، وكأنّها خُلقت منه.
لذا فإنّ الزواج هو ميلادٍ ثانٍ للإنسان زوجاً وزوجة. وهو يفترق عن ميلاده الأول، فمولده الأوّل كان من دون اختياره، ودخل فيه هذه الدنيا باكياً، ومولده الثاني يحدث باختياره، ويدخل فيه دنياه الجديدة مبتسماً.
الثقافة الزوجيّة
بما أنّ الزواج هو مولد الاختيار فعلى كلٍّ من الزوجين أن يسعى للتعرُّف على حياته الجديدة، وذلك بالتزوّد من الثقافة الزوجيّة، لا سيّما التي أتى بها الإسلام قرآناً ونصوصاً شريفة لتحصّن الإنسان وتتكامل به في حياته الجديدة.
لماذا الزواج؟
إن سألنا بعض المؤمنين الراغبين بالزواج عن سبب رغبتهم، قد يجيبون بإجابة تتأطّر في دائرة الدين والآخرة، فقد يقول بعضهم: أتزوّج كي يكمل نصف نصف ديني، وقد يقول بعضهم الآخر، أتزوّج كي أعرج بصلاتي إلى الله تعالى بشكل أفضل؛ لأنّ صلاة المتزوّج بسبعين صلاة.
إنّ هاتين الإجابتين صحيحتان من هؤلاء المتديّنين، إلاّ أنّ القرآن الكريم يطرح إجابة إنسانية هي
الجواب الحقيقيّ الذي يصدر من المؤمن وغيره، بل المسلم وغيره، بل الموحّد وغيره، ألا وهو أنّ هدف الزواج هو السعادة.
وبما أنّ للسعادة منشأ واحد هو الاطمئنان القلبي والسكينة النفسية، فإنّ الكتاب العزيز حصر حصول الاطمئنان بمنشأ واحد هو ذكر الله تعالى، فقال سبحانه " أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"4. ولا يخفى أنّ تقديم الجار والمجرور على الفعل يفيد الحصر.
وذِكْرُ الله تعالى هو معرفة يَقِظة واعية لا تنحصر بالمعلومات في قالب الذهن، وإنّما هي التي تحرّك الإنسان نحو سلوك يتماهى مع ما يعتقده في عقله، فيسجّله العقل بقلمه على لوح القلب.
وقد طرح القرآن الكريم نوعين من السلوك الذي يتناغم من المعرفة ويتفاعل مع الذكر فيولّد السكينة وبالتالي السعادة:
الأول: السلوك الفردي في علاقة الإنسان بربّه، ألا وهو الصلاة بين يدي الله عزّ وجل.
قال تعالى: " وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي "5.
الثاني: السلوك الاجتماعي الذي يتجلّى في الزواج، فالزواج في منطق القرآن الكريم يُنتج السكينة النفسيّة، والاطمئنان القلبي، فالله تعالى يقول: " أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا"6.
كيف تتحقّق السكينة بالزواج؟
من بين مئات آلاف الكلمات التي يزخر بها معجم اللغة العربيّة، اختار الله تعالى كلمتين هما: مفتاح السكينة الزوجيّة: المودة والرحمة.
ومعها نقف نستلهم درس القرآن الكريم لتحقيق هدف الزواج.
المودّة
المودّة هي الحبّ، لكن ليس أي حبّ، بل الحبّ الذي يتجلّى من خلال السلوك، وبتعبير العلاّمة الطباطبائي: "الحبّ الظاهر أثره في مقام العمل"7.
والحبُّ ليس اختيارياً يفعله الإنسان حينما يشاء، بل هو قهريّ يأتي لقلب الإنسان دون اختيار، إلاّ أنّ له سبباً، وسببه هو كمال يراه المحبّ فينجذب به إلى المحبوب، فالحبُّ هو انجذاب القلب بسبب كمال يراه المحبّ في محبوبه.
وسرُّ ذلك الانجذاب هو ما فطر الله عليه الإنسان من حبّ الكمال والانجذاب إليه، فالإنسان مفطور على حبّ الجمال، فينجذب إلى الجميل؛ لأنّ الجمال كمال، ومفطور على حبّ العلم؛ لأنّه كمال، فينجذب إلى العالم، ومفطور على حبّ الصدق؛ لأنّه كمال، فينجذب إلى الصادق، ومفطور على حبّ الشجاعة؛ لأنّها كمال فينجذب إلى الشجاع، وهكذا.
لذا نلاحظ أنّ الشاعر المسيحي بولس سلامة حينما أراد أن يعبّر عن حبّه لأمير المؤمنين (ع)، فإنّه تحدّث عن كمالات الإمام علي (ع) فقال:
أنا من يعشق البطولة والإلهام والعدل والخلق الرضيّا
فإن لم يكـن علـي نبـياً فلقد كان خلقه نبويـّا
رسالتا المودّة
من الواضح أنّ المودّة لا تحدث بشكل تكويني حينما يتزوّج الإنسان، فكم من الأزواج لم يعيشوا حالة مودّة بينهما. وهذا يعني أن جعل المودة هو ليس تكوينياً بل هو تشريعيّ بمعنى أنّ الله تعالى أراد من الزوجين أن يحقّقا المودّة.
كيف ذلك، مع كون الحبّ غير اختياري؟! إنّ جعل المودّة بين الزوجين يتحقّق بأمرين:
الأوّل: أن يظهر الزوج كماله للزوجة، وهي كمالها لزوجها، فإظهار الكمال هو إظهار لسبب الحبّ، وبالتالي فإنّه قادر على صناعة الحبّ وبالتالي المودّة، وهذا ما يرشدنا إليه الرسول الأكرم(ص) وأهل بيته الأطهار (ع) فيما وردنا عنهم والذي منه:
1- البشاشة
عن الإمام الصادق(ع): "...البشاشة فخّ المودّة"8.
وعنه (ع): "...البشاشة حبالة المودّة"9.
فابتسامة الزوج لزوجته، وابتسامتها له هما مفتاح المودّة، وبالتالي السعادة.
2- حسن الخلق
عن الإمام علي (ع): "حسن الخلق يورث المحبّة، ويؤكّد المودّة"10.
3- الكرم والسخاء
عن الإمام علي (ع): "السخاء يكسب المحبّة"11.
4- الهديّة
عن الرسول الأكرم (ص): "تهادوا تحابّوا"12.
فالهديّة نوع من التعبير عن الاهتمام بالآخر، والاهتمام هو من أهمّ ما تطلبه الزوجة من زوجها.
وحينما يسافر الزوج تسأل نفسها: هل غيابي عن عينه يعني غياباً عن قلبه، فإنّه أتى لها بهديّة، فإنّها تؤكّد أنّها كانت حاضرة في قلبه، ولعلّ هذا يكون غاية ما تريد. لذا ورد عن الإمام الصادق (ع): "إذا سافر أحدكم، فقدم من سفره، فليأتِ أهله بما تيسّر"13.
5- التعبير العاطفي
إنّ في المرأة عاطفة عجيبة لولاها لما استمرّت البشريّة، بها تحمل تسعة أشهر في عناء، وتلد وكأنّ روحها تُنتزَعُ منها، وتسهر لنوم طفلها، وتتعب لراحته، ولا تريد منه مقابلاً.
ما السبب في ذلك؟ إنّها العاطفة التي غرسها الله تعالى في الفتاة، والتي أراد أن نراعيها بدءًا من كونها ابنة في المنزل، وقد دعا نبيّ الإسلام إلى تقديم البنت على الذكر في تقديم تحفة الأب فعنه(ص): "من دخل السوق، فاشترى تحفة فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قومٍ محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور"14.
وحينما تكبر الفتاة، وتصبح زوجة فإنّها تحتاج كثيراً إلى التغذية العاطفية بشكل دائم لا يرتبط بالعمر وهذا ما أرشد إليه الرسول الأكرم (ص) بقوله الوارد عنه: "قول الرجل للمرأة: (إنّي أحبّك)، لا يذهب من قلبها أبداً"15.
الثاني: التركيز على الكمالات
بما أنّ الحبّ هو انجذاب القلب بسبب كمال يراه المحبّ في المحبّ، فإنّ التركيز على كمالات الآخر يستدرّ الحبّ.
فالإنسان فيه كمالات ونواقص، ومن طبيعة الإنسان حينما يركّز على كمالات شيء ينجذب إليه، وحينما يركّز على نواقصه ينفر منه.
حادثة طريفة
تخاصم زوجان لديّ، ووصل أمرهما إلى إرادة الطلاق، فطلبت من كلٍّ منهما أن يرسم جدولين يذكر في أحدهما إيجابيات وكمالات الآخر وفي الثاني سلبياته ونواقصه، وأعطيتهما فرصة. جاءاني بعد ذلك، وقد حضّرا نفسيهما جيّداً، فالجداول كانت حاضرة مطبوعة.
جلسا وبدء الزوج بتلاوة ما كتب من كمالات زوجته الأول، الثاني، الثالث، الرابع، الخامس، السادس، السابع، الثامن، حينما كان ذكر كمالاتها كانت البشارة تظهر من وجهه ووجهها.
أمّا النواقص فذكر منها اثنين وتوقّف لعدم وجدانه ثالثاً.
بعده ذكرت الزوجة كمالات زوجها وعدّدتها فإذا بها كثيرة أيضاً، أمّا قلة من السلبيات والنواقص.
وكما جرى عند تلاوة الزوج من البشارة، جرى عند تلاوة الزوجة إيجابيات زوجها.
إنّ تركيز كلٍّ منهما على إيجابيات الآخر كان له دور كبير في حلّ تلك المشكلة.
الرحمة
لم يكتفِ الله تعالى بجعل المودّة بين الزوجين، وذلك للإشارة إلى أمر واقعيّ في الإنسان غير المعصوم، فإنّ فيه كمالات عليه إظهاره من نفسه، والتركيز عليها في غيره، إلاّ أنّ فيه نواقص أيضاً.
والكمال يقابل بالمودّة، أمّا النقص فأراد الله تعالى أن لا نقابله بالرجوع خطوة إلى الوراء، بل أن نقابله بالرحمة.
والرحمة هي من أفعال القلب أيضاً، فهي عبارة عن رقّة القلب بسبب نقص يراه الراحم في المرحوم، فأنا حينما أرى طفلاً تنقصه القوّة، فإنّي أرحمه، وحينما أرى مريضاً تنقصه الصحّة،فإني
أرحمه، وحينما أرى أعمى ينقصه البصر، فإنّي أرحمه.
وهكذا أراد الله تعالى لنا أن نتعامل مع نقص الزوج أو الزوجة برحمة.
التغافل
ولتفعيل هذه الرحمة في الحياة الزوجيّة ورد نصّ يتحدّث عن السياسة التي ينبغي أن تعتمد في هذه الحياة، ومنها تنطلق الرحمة، وهو:
"الزواج مكيال ثلثه فطنة وثلثاه تغافل".
فالالتفات الدقيق بين الزوجين ينبغي أن لا يتجاوز الثلث، في حين ينبغي أن يسود التسامح والتغافل الحياة الزوجيّة.
المساعدة
ومن مظاهر تحقّق هذه الرحمة مساعدة الزوجة لزوجها، والزوج لزوجته. فعن الرسول الأكرم (ص): "أيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام، غلّق عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنّة، تدخل من أيّها شاءت"16.
وعنه (ص): "يا علي، لا يخدم العيال إلا صدّيق أو شهيد، أو رجل يريد الله به خير الدنيا والآخرة"17.
إنّ تفعيل المودّة والرحمة في الحياة الزوجيّة ينتج أسرة تعيش سعادة الدنيا والآخرة، تلتقي مع بعضها البعض على حبّ الله تعالى فيحبّهم الله سبحانه، فعن الرسول الأكرم (ص): "إنّ الله يحبّ المؤمن، ويحبّ أهله وولده، وأحبّ شيء إلى الله تعالى أن يكون الرجل مع امرأته وولده على مائدة قبل أن يتفرّقوا من موضعهم"18.
إنّها دعوة للاهتمام بالأسرة التي إن صلحت صلح المجتمع، وصلاحها بكلمتين هما المودّة والرحمة.
1 سورة النساء، الآية 36.
2 في تفسير جامع البيان لابن جرير الطبريّ روى عن أمير المؤمنين علي: هي المرأة (ج5، ص113).
3 سورة الروم، الآية 20.
4 سورة الرعد، الآية 28.
5 سورة طه، الآية 14.
6 سورة الروم، الآية 20.
7 الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج16، ص166.
8 المجلسي، محمد باقر، ج75، ص39.
9 المصدر السابق، ج71، 167.
10 الريشهري، محمد، المحبّة في الكتاب والسنّة، ص 66.
11 الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج2، ص1277.
12 الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص144.
13 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج12، ص11.
14 النوري، حسين، مستدرك الوسائل، ج15، ص118.
15 الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج5، ص569.
16 الحر العاملي، محمد حسن، وسائل الشيعة، ج20، ص 172.
17 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج101، ص 132.
18 الريشهري، محمد، تعزيز الأسرة، ط1، قم، مشعر، 1430، ص156.