بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: " وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا "1.
"وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ"2.
"فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ"3.
"الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ"4.
إنَّها آيات كريمة تأمر بالإحسان إلى ذي القربى، باعتبارهم رحماً أراد الله تعالى أن يبقى موصولاً، ولعن من يقطعه، وذلك ضمن المسار الذي أراد الله تعالى للإنسان أن يعبره من خلال:
1- علاقته الشخصيّة بالله تعالى فيبعده ولا يشرك به شيئاً.
2- البرّ بالوالدين والإحسان إليهما.
3- التواصل مع الأقرباء من أخوة وأعمام وأبناء أعمام وبناتهم وأخوال وأبناء أخوال وبناتهم...
ليستمرّ بعد ذلك في عناوين آية الوصايا العشر المتقدِّمة.
المشهد التعاطفيّ للأقرباء
من أهداف صلة الرحم، والإحسان إلى ذوي القربى التأسيس لمشهد اجتماعيّ تحصينيّ للإنسان ينطلق من دافع القرابة والرحميَّة، وهذا ما أشار إليه الإمام علي (ع) بقوله الوارد عنه " أيّها الناس، إنَّه لا يستغني الرجل، وإن كان ذا مال عن عترته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم، وهم أعظم الناس حيطةً من ورائه، وألمُّهم لشعثه، وأعطفُهم عليه عند نازلة إن نزلت به..."5.
وفي كلام آخر له عليه السلام: "وأكرم عشيرتك، فإنَّهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول"6.
انطلاقاً ممَّا تقدَّم دعا الإسلام إلى صلة الرحم والتواصل مع الأقرباء مبيِّناً مكانة ذلك، وآثاره، وثوابه.
مكانة صلة الرحم
ورد عن الإمام الصادق (ع): "إنَّ رجلاً من خثعم جاء إلى رسول الله (ص)، قال: يا رسول الله، أخبرني ما أفضل الإسلام؟ قال (ص): الإيمان بالله. قال: ثمَّ ماذا؟ قال (ص): صلة الرحم"7.
الآثار الدنيويَّة لصلة الرحم
1- طول العمر
عن النبيّ (ص): "صلة الرحم تزيد في العمر وتنفي الفقر"8.
عن الإمام علي (ع): "يا نوف، صل رحمك يزيد الله في عمرك"9.
وعن النبيّ (ص): "إنَّ الرجل ليصل رحمه، وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيّرها الله عزّ وجلّ ثلاثين سنة..."10.
وعن الإمام الصادق (ع): "يا ميسّر، لقد زيد في عمرك، فأيّ شيء تعمل؟ فأجابه ميسّر: كنت أجيراً وأنا غلام بخمسة دراهم، فكنت أجريها على خالي"11.
وفي خبر آخر عن ميسّر: "قال أبو عبد الله: يا ميسّر، قد حضر أجلك غير مرّة كلّ ذلك يؤخِّر الله بصلتك رحمك، وبرّك قرابتك"12.
2- زيادة الرزق
عن النبيّ (ص): "من سرَّه أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في اجله فليصل رحمه"13.
وعنه (ص): "إنَّ القوم ليكونون فجرة، ولا يكونون بررة، فيصلون أرحامهم، فتنمي أموالهم، وتطول أعمارهم، فكيف إذا كانوا أبراراً بررة"14.
3- عمارة الديار
عن النبيّ (ص): "صلة الرحم تعمّر الديار"15.
4- دفع البلاء
عن الإمام الباقر (ع): "صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسر الحساب، وتنسئ في الأجل"16.
الآثار الأخرويَّة لصلة الرحم
عن النبيّ (ص): "اتقوا الله وصلوا الأرحام؛ فإنَّه أبقى لكم في الدنيا، وخير لكم في الآخرة"17، ومن مظاهر خير الآخرة:
1- تخفيف سكرات الموت
ورد عن الإمام الهادي (ع): "فيما كلّم الله تعالى به موسى عليه السلام، قال موسى: فما جزاء من وصل رحمه؟ قال: يا موسى، أنسئ له أجله، وأهوّن عليه سكرات الموت"18.
2- دفع ميتة السوء
عن النبيّ (ص): "صلة الرحم...تقي ميتة السوء"19.
3- تهوّن الحساب
عن النبيّ (ص): "صلة الرحم تهوِّن الحساب"20.
قطع الرحم
مقابل دعوة الإسلام إلى صلة الرحم، حرَّم قطيعة الأقرباء معبِّراً عنها بتعبيرٍ قاسٍ هو قطع الرحم، مبيِّناً عظيم فظاعته وآثاره وعقابه.
فظاعة قطع الأرحام
سأل الرجل الخثعميّ الذي تقدَّم ذكره رسول الله (ص): "فأخبرني أيّ الأعمال أبغض إلى الله؟ قال: الشرك بالله، قال: ثمَّ ماذا؟ قال (ص): قطيعة الرحم"21.
وعن الإمام علي (ع): "أقبح المعاصي قطيعة الرحم والعقوق"22.
الآثار الدنيويَّة لقطع الرحم
عن الإمام الباقر (ع): "ثلاث خصال لا يموت صاحبهنّ حتى يرى وبالهنّ: البغي، وقطيعة الرحم، واليمين الكاذبة"23. ومن أنواع الوبال المشار إليه:
1- تعجيل الفناء
عن الإمام الصادق (ع): "الذنوب التي تعجِّل الفناء قطيعة الرحم"24.
2- تعجيل العقوبة
عن النبيّ (ص): "ما من ذنب أجدر من أن يعجّل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخره له في الآخرة من قطيعة الرحم والخيانة والكذب"25.
3- حلول النقم
عن الإمام علي (ع): "حلول النقم في قطيعة الرحم"26.
4- عدم نزول الرحمة
عن النبيّ (ص): "إنَّ الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم"27.
وعنه (ص): "إنَّ الملائكة لا تنزل على قومٍ فيهم قاطع رحم"28.
5- منع استجابة الدعاء
عن النبيّ (ص): "قطع الرحم يمنع استجابة الدعاء".
6- نقصان العمر
عن النبيّ (ص): "إنَّ الرجل... يقطعها [أي الرحم] وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيّرها الله ثلاث سنين"29.
الآثار الأخرويَّة لقطع الرحم لقطع الرحم
1- السقوط من الصراط
عن النبيّ الأكرم (ص): "حافتا الصراط يوم القيامة الرحم والأمانة، فإذا مرَّ الوصول للرحم المؤدّي للأمانة نفذ إلى الجنة، وإذا مرَّ الخائن للأمانة القطوع للرحم لم ينفعه معهما عمل، وتكفأ به الصراط في النار"30.
2- الحرمان من الجنّة
عن الرسول الأعظم (ص): "ثلاثة لا يدخلون الجنّة: مدمن خمر، ومؤمن سحر، وقاطع رحم"31.
صلة الرحم عابرة للحدود
أطلق الإسلام دعوته إلى صلة الرحم بصورة لا تقف أمامها جغرافية ولا عقيدة ولا مقاطعة.
وهذا ما يظهر من خلال ما يأتي:
1- صلة الرحم من المكان البعيد
عن الرسول الأكرم (ص): "أوصي الشاهد من أمّتي، والغائب منهم، ومن في أصلاب الرجال وأرحام النساء إلى يوم القيامة أن يصل الرحم، وإن كان منه على مسير سنة؛ فإنَّ ذلك من الدين"32.
2- الصلة لغير أهل الحقّ
لم يحصر الإسلام صلة الرحم في دائرة العقيدة الحقَّة، فهي واجبة حتى مع غير المعتقدين بالحقّ.
عن الجهم بن حميد، قلت لأبي عبد الله (ع): يكون لي القرابة على غير أمري، ألهم عليَّ حق؟ قال: نعم، حقّ الرحم لا يقطعه شيء، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقَّان. حقّ الرحم، وحقّ الإسلام"33.
3- الصلة حالة القطيعة
ولم يدعُ الإسلام إلى صلة الرحم على أساس التبادل في العلاقة، بحيث يزور قريبه إذا زاره ويهديه إذا أهداه وهكذا، بل دعا إلى الصلة حتى في حالة القطيعة من الطرف الآخر فعن الرسول الأكرم (ص): "صل من قطعك...وأحسن إلى من أساء إليك"34.
وعنه (ص): "لا تقطع رحمك وإن قطعتك"35.
وعن الإمام الحسين (ع): "إنَّ أوصل الناس من وصل من قطعه"36.
وعن الإمام زين العابدين (ع): "ما من خطوة أحبّ إلى الله عزّ وجل من خطوتين: خطوة يسدّ بها المؤمن صفّاً في الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع"37.
وورد أنَّ رجلاً أتى النبيّ (ص)، فقال: يا رسول الله، إنَّ لي أهلاً قد كنت أصلهم، وهم يؤذوني، وقد أردت رفضهم، فقال له رسول الله: إذن يرفضكم الله جميعاً، قال: وكيف أصنع؟ قال (ص): تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك كان الله عزّ وجل لك ظهيراً"38.
وورد أنَّ رجلاً جاء إلى الإمام الصادق (ع): "فشكا إليه أقاربه، فقال(ع): اكظم غيظك وافعل (أي أحسن إليهم)، فقال: إنّهم يفعلون ويفعلون. فقال (ع): أتريد أن تكون مثلهم فلا ينظر الله إليكم"39.
كيفية صلة الرحم
لم يرسم الإسلام كيفيّة محدَّدة لصلة الرحم، فهي قد تكون بالزيارة وعيادة المريض، والمساعدة الاجتماعيَّة، وإهداء الهدية، وإرسال السلام، ولو عبر أجهزة التواصل الحديثة، فكلّها من مصاديق صلة الرحم.
عن الرسول الأكرم (ص): "بلّوا أرحامكم ولو بالسلام"40. وعنه (ص): "صل رحمك ولو بشربة من ماء، وأفضل ما يوصل به الرحم كفّ الأذى عنها"41.
1 سورة النساء، الآية 36.
2 سورة الرعد، الآية 25.
3 سورة محمد، الآيتان 22-23.
4 سورة البقرة، الآية 27.
5 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 104.
6 المصدر السابق، ص 105.
7 الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج5، ص58.
8 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 88.
9 المصدر السابق، ص89.
10 المصدر السابق، ص93.
11 المصدر السابق، ص96.
12 المصدر السابق، ص100.
13 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص 96.
14 المصدر السابق، ص 125.
15 المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص94.
16 المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص111.
17 المتقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال، ج3، ص356.
18 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج13، ص327.
19 الطوسي، الآمالي، ص481.
20 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج7، ص273.
21 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج69، ص106.
22 الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج2، ص1057.
23 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص99.
24 المصدر السابق، ص94.
25 السيوطيّ، جلال الدين، الجامع الصغير، ص513.
26 الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، ج2، ص1057.
27 المتقي، الهندي، علاء الدين، كنز العمال، ج3، ص367.
28 المصدر السابق نفسه.
29 المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص93.
30 المصدر السابق، ج8، ص67.
31 المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص90.
32 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص105.
33 المصدر السابق، ص131.
34 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص157.
35 المصدر السابق، ص137.
36 المصدر السابق، ص400.
37 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص89.
38 المصدر السابق، ص100.
39 الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص347.
40 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج71، ص111.
41 المصدر السابق، ص103.