لا تقربوا الزنا

بسم الله الرحمن الرحيم
لاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَا
" وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً "1
خلق الله تعالى الإنسان بقوىً أربع هي الشهوة والغضب والوهم والعقل. وأراد عزَّ وجل أن يكون العقل هو سلطان القوى؛ لأنّ العقل ليس فيه إلاّ خير، فهو الذي يوجِّه الإنسان إلى الخير، ويُلفته إلى نتائج الأمور كي لا يفعل إلاّ خيراً.
أمّا الشهوة والغضب والوهم، فأصل وجودها لأجل الخير، فبالوهم يخطِّط الإنسان لفعل الخير، وبالغضب يدافع الإنسان عن نفسه وعرضه وأرضه، وبالشهوة يتزوَّج ويكثر النسل الإنسانيّ في الأرض.
ولكن الإنسان قد ينحرف بهذه القوى فيخطِّط ليسرق، ويغضب فيعتدي، ويشتهي فيزني.
لذا أراد الله تعالى أن يبعد الإنسان عن سبل الانحراف، فكانت الشريعة في خدمة كمال الإنسان.
في رحاب الآية
والآية الكريمة التي تلوتها تتحدّث عن انحراف الشهوة من خلال إقامة علاقة محرَّمة مع الجنس الآخر، وهو ما يطلق عليه "الزنا" الذي نهى الله تعالى عنه في قوله:
" وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى"
إنّه تعبير بليغ، فلم يقل "لا تزنوا" بل "لا تقربوا"، إنّه إشارة إلى الابتعاد عن المقدِّمات التي تجرُّ إلى الزنا ومن تلك المقدِّمات:

1) النظرة إلى غير الزوجة بشهوة
" قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ "2.
وفي الحديث النبويّ: "من ملأ عينيه من امرأة حراماً حشاهما الله عزّ وجل يوم القيامة بمسامير من نار، وحشاهما ناراً حتى يقضي بين الناس، ثمّ يؤمر به إلى النار"3.
وساحات النظر في هذا العصر واسعة ومتاحة من مواقع إباحيّة على الانترنت والفضائيّات وفي المجلاّت الفاسدة الخ.
" وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى..." نهي عن النظر في هذه الساحات.

2) لمس الأجنبيّات
عن النبيّ (ص): "من صافح امرأةً حراماً جاء يوم القيامة مغلولاً، ثمّ يؤمر به إلى النار"4.

3) الخلوة بالأجنبيّة
عن النبيّ (ص): " لا يخلون رجل بإمرأة فما من رجل خلا بامرأة إلاّ كان الشيطان ثالثهما"5.

4) تجنُّب الميوعة
قال تعالى: " فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا "6.

5) عدم التبرُّج
عن النبيّ (ص): " ونهى أن تتزيَّن لغير زوجها، فإنْ فعلَتْ كان حقّاً على الله أن يحرقها بالنار "7.

6) عدم تعطُّر الزوجة لغير زوجها
عن الإمام الباقر (ع): " ولا يجوز لها أن تتطيَّب إذا خرجت من بيتها"8.

7) أولويّة الابتعاد عن المزاح
قال أبو بصير: "كنت أقرئ امرأة القرآن بالكوفة، فمازحتها بشيء، فلمّا دخلت على أبي جعفر (ع) عاتبني وقال: من ارتكب الذنب في الخلاء لم يبعأ الله به، أيّ شيء قلت للمرأة؟! فغطّيت وجهي حياءًا وتبت. فقال أبو جعفر (ع): لا تعد"9.
" إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً "
الفاحش في اللغة هو الشيء المكروه الذي جاوز حدَّه10.
وفسَّر البعض الفاحشة بأنّها فعل القبيح على أقبح الوجوه11.
فالقرآن الكريم يبيِّن بوصف الزنا بأنّه فاحشة وصل في قباحته أنّه تجاوز حدَّ القباحة العاديّة، فهو انحراف مريع عن طريق كمال الإنسان.
ومقابل ذلك ولأجل تحصين المجتمع:
أ‌- شجّع الإسلام على الزواج المبكر
فعن النبيّ الأكرم (ص): "ما من شاب تزوّج في حداثة سنّه إلاّ عجّ شيطانه: يا ويله، يا ويله، عصم منّي ثلثي دينه، فليتقِ الله العبد في الثلث الباقي"12.
ورفض الإسلام التعقيدات أمام الزواج من غلاء المهور، وتأمين شقّة سكن مملوكة، وغير ذلك، ورسم القاعدة النبويّة المعروفة: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه"13.
ب‌- أوجب الإسلام الحجاب لصيانة المرأة والمجتمع
قال تعالى: " يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ "14.

" وَسَاء سَبِيلاً "
إنّه إخبار عن كون سبيل الزنا هو سبيل سوء في الدنيا والآخرة.
أمّا في الدنيا فله مفاسده الاجتماعيّة العديدة، التي منها:
1- شياع حالة الفوضى في النظام العائليّ، وذلك لانقطاع العلاقة بين الأبناء والآباء، ممّا يؤدّي إلى بروز أناس مشوَّهين على المستوى النفسيّ لحرمانهم العاطفة والاستقرار النفسيّ وغير ذلك.
2- بروز انحرافات تنطلق من الشهوات الجامحة تؤدّي إلى أبشع أنواع الجرائم.
3- ظهور الأمراض والمشاكل الصحيّة.
4- كثرة حالات الإجهاض، وبالتالي التوسعة في قطع النسل15.
لقد عبَّر الحديث النبويّ عن سوء السبيل هذا بالخراب فعنه (ص): "أربعة لا تدخل بيتاً واحدة منهنّ إلاّ خرب، ولم يعمر بالبركة: الخيانة، والسرقة، وشرب الخمر، والزنا "16.
ولأجل منع هذا السبيل السيِّء في الدنيا لم يكتفِ الله بالتوجيه العام، بل شرَّع جملة من القوانين الجزائيّة القاسية، فدعا إلى عقوبة الزاني والزانية أمام الناس.
قال تعالى: " الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ "17.
أمّا في الآخرة، فقد بيَّن الله تعالى عقوبة الزنا الشديدة بقوله تعالى : " وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا "18.
كما بيَّنت الروايات تفاصيل في تلك العقوبة الأخرويّة فعن النبيّ (ص): "من زنا بامرأةٍ: مسلمة، أو يهوديّةٍ، أو نصرانيّةٍ، أو مجوسيّةٍ، حرَّةٍ، أو أمةٍ، ثمّ لم يتب ومات مصرّاً عليه، فتح الله له في قبره ثلاث مائة باب يخرج منه حيّات وعقارب وثعبان النار، يحترق إلى يوم القيامة"19.
وعن الإمام عليّ (ع): "إذا كان يوم القيامة أهبّ الله ريحاً منتنةً، يتأذّى بها أهل الجمع، حتى إذا همّت أن تمسك بأنفاس الناس، ناداهم منادٍ: هل تدرون ما هذه الريح التي قد آذتكم؟ فيقولون: لا، فقد آذتنا، وبلغت منا كلّ مبلغ. قال: فيقال: هذه ريح فروج الزناة، الذين لقوا الله بالزنا، ثمّ لم يتوبوا، فالعنوهم لعنهم الله، فلا يبقى في الموقف أحد إلاّ قال: اللهم العن الزناة"20.
وقد جمع النبيّ (ص) آثار الزنا في الدنيا والآخرة بقوله الوارد عنه: "في الزنا سبعة خصال ثلاث منها في الدنيا، وثلاث منها في الآخرة: فأمّا التي في الدنيا: فيذهب بالبهاء، ويعجل الفناء، ويقطع الرزق، وأمّا التي في الآخرة: فسوء الحساب، وسخط الرحمن، والخلود في النار"21.

1 سورة الإسراء، الآية 33.
2 سورة النور، الآيتان 30-31.
3 المجلسي, محمّد باقر، بحار الأنوار, ج73، ص366.
4 المجلسي, محمّد باقر، بحار الأنوار, ج7، ص214.
5 البروجرديّ، جامع أحاديث الشيعة، ج20، ص309.
6 سورة الأحزاب، الآية32.
7 الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج4، ص6.
8 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج100، ص255.
9 المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج46، ص247.
10 ابن فارس، احمد، معجم مقاييس اللغة، ج4، ص478.
11 السمعانيّ، تفسير السمعانيّ، ج3، ص237.
12 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج100، ص221.
13 الطبرسيّ، مكارم الأخلاق، ص205.
14 سورة الأحزاب، الآي 59.
15 انظر: الشرازيّ، ناصر مكارم، الأمثل، ج8، ص472.
16 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج72، ص170.
17 سورة النور، الآية 2.
18 سورة الفرقان، الآيات 68-70.
19 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج76، ص29.
20 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج76، ص25.
21 المصدر السابق، ص22.