بسم الله الرحمن الرحيم
الاستقامة والثبات
قال الله تعالى مخاطبًا نبيّه محمّدًا (ص) في سورة هود : " فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " .
رُوي أنّ بعض أصحاب النبيّ محمّد (ص) قالوا له: لقد أسرع فيك الشيب، فأجاب (ص): "شيبتني سورة هود" .
ومن سرّ ذلك نقل عن ابن عبّاس في تفسير الحديث السابق: "أنّه ما أنزل على رسول الله آية كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من آية " (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) " .
إنّ ابن عبّاس يشير إلى ثقل الآية باعتبارها تأمر إضافة إلى استقامة النبيّ (ص) وهو المستقيم بالعصمة- باستقامة المؤمنين من أتباع رسول الله (ص) وهو ما أشعر النبيّ (ص) بالمسؤوليّة الكبرى اتّجاه استقامة أتباعه.
إنّ معنى الاستقامة هو السير في سبيل الله وصراطه بثبات دون أيّ انحراف.
إنّ هذه الاستقامة لها مقتضٍ (سبب)، وأمامها موانع (بمعنى محاولات لثنيها وانحرافها)، ولتحقيقها وسيلة وهي السير في ضوء الشريعة.
مقتضى الاستقامة ووسيلتها
أمّا ما يقتضي الاستقامة والثبات فيها فهي المعرفة القطعيّة بأنّ الله تعالى غني حكيم أراد من خلق الإنسان أن يحقّق الإنسان تكامله ورقيّه، ولم يُرد منه شيئًا لذاته جلّت وعزّت الغنيّة، وأنّ تكامل الإنسان يحصل من خلال وسيلة ربّانيّة ألا وهي الشريعة التي في ضوئها يعرف الإنسان تكليفه، فإذا عرفه يكون قد عرف ما يؤدّي به إلى الكمال الإنسانيّ وبالتالي إلى جنّة النعيم، ويبعده عن عذاب الجحيم.
عقبات أمام الاستقامة
لكن سبيل التكامل هذا فيه عقبات تحاول أن تثني الإنسان عن الإكمال فيه مستقيمًا، وتجهد لكي تحرفه عن هذا السبيل.
وهذه العقبات تستهدف محورين:
المحور الأوّل: المعرفة.
المحور الثاني: السلوك.
المحور الأوّل: استهداف المعرفة
قد يكون المستهدف من الإنسان الذي خلق ليسير في السبيل هو إدراكه ومعرفته وقناعاته التي منها ينطلق السير، فلتعطيله يحاول الشيطان أن يحجب الحقيقة أمام إدراك الإنسان إمّا بالتشكيك بها، أو بإحداث أمر آخر بعنوان كونه هو الحقيقة.
ويساعد إبليس في عمله المتأبلسون من الناس كاليهود الذين استهدفوا المعرفة الإنسانيّة عبر ثلاث وسائل:
الأولى: قلب الحقائق
زوّر اليهود الحقائق من خلال تحريف المستندات الإلهيّة، وإدخال نظريّات وأفكار فاسدة إلى المجتمع، وقد عبّر القرآن الكريم عن تحريفهم بقوله تعالى: " مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ " .
أمّا بث النظريّات والأفكار الفاسدة فما زلنا نرى آثارها الماضية ونعيشها في حاضرنا من خلال المناهج الدراسيّة والحملات الإعلاميّة والإصدارات المختلفة وقد صرّح اليهود أنفسهم بدورهم هذا، فعن برتوكول حكماء بني صهيون: "أمّا شباب الغوييم، فقد فتنّاهم في عقولهم، ودوّخنا رؤوسهم، وأفسدناهم بتربيتنا إيّاهم على المبادئ والنظريّات التي نعلم أنّها فاسدة" . وإضافةً إلى التشكيك بالحقائق وقلبها.
الثانية: التشكيك بالحقائق
وقد عبّر عن ذلك القرآن الكريم بقوله عزّ وجلّ: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ " .
الثالثة: صرف الناس عن الحقائق
في برتوكولات: "لكي تبقى الجماهير في ضلال، لا تدري ما وراءها وما أمامها، ولا ما يراد بها، فإنّنا سنعمل على زيادة صرف أذهانها بإنشاء وسائل المباهج والمسلّيات، والألعاب الفكهة، وضروب أشكال الرياضة واللهو، وما به الغذاء لملذّاتها وشهواتها..." .
إنّ هذا يحملنا مسؤوليّة تجاه أنفسنا والآخرين في تثبيت المعرفة الحقّة في الأنفس، هذه المعرفة التي يجب أن تبقى ثابتة ثبوتًا أراده الإمام الصادق (ع) بقوله لصاحبه: "يا هشام، لو كان في يدك جوزة، وقال النّاس: لؤلؤة ما كان ينفعك، وأنت تعلم أنّها جوزة، ولو كان في يدك لؤلؤة، وقال الناس: إنّها جوزة ما ضرّك وأنت تعلم أنّها لؤلؤة" .
المحور الثاني: استهداف السلوك
قد لا يواجه الإنسان الذي يريد أن يتكامل مشكلة في معرفة، فتأتي عقبة أخرى في مساره هي محاولة ثنيه في سلوكه من خلال أحد أمرين:
الأوّل: الإغراء
قد يجد الإنسان نفسه أمام خيارين: إمّا السير في سبيل تكامله والذي قد يتخلّله دفع بعض الضرائب على حساب راحته وما شاكل، وإمّا السير في ساحة الدنيا وما فيها ممّا يحبّه الإنسان ويصبو إليه وتتفاعل معه شهواته وملذّاته.
هنا يحدث الصراع بين جنود الرحمن وجنود الشيطان في نفس الإنسان جنود الشيطان تزيّن له ساحة الشهوات وجنود الرحمن تحذّره من عواقبه، وتوضح له حسن سبيل الله.
ونصرة لجنود الرحمن أعطى الله تعالى نماذج من الذين انفتحت لهم ساحة الدنيا ففضّلوا سبيل الله عليها.
من هذه النماذج نبيّ الله سليمان الذي حدّثنا الله تعالى عن ولايته التكوينيّة بقوله: "فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ " .
ومع ذلك ورد أنّه (ع) كان يجلس مع المساكين ويقول: "مسكين مع المساكين" ، وكان يشدّ يديه إلى عنقه في جوف الليل، ويقول: "لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير ممّا أعطي ابن داود، إنّ ما أعطي ابن داود يذهب، وإنّ التسبيحة تبقى" .
والنموذج الآخر آسية بنت مزاحم التي كانت زوجة فرعون، تعيش في قصره الكبير، في ثراء وفير، بين خدم وحشم كثير، ومع ذلك رفضت كلّ هذا الثراء، وسلكت في سبيل الله تعالى، وفضّلت بيتًا عند الله في الجنّة على قصور فرعون في الدنيا فقالت: " رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " .
الثاني: التهديد والأذيّة
كانت امرأة فرعون نموذجًا في مواجهة التهديد والتعذيب كما كانت نموذجًا في ترك ملذّات الدنيا.
فقد هدِّدت بالعذاب، فلم تتراجع حتى مدّت بين أربعة أوتاد، ثمّ لا زالت تعذّب، وهي تردّد: " رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ " حتى ضربها الله مثلاً لكلّ المؤمنين في العالم: قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ" .
ومن النماذج الأولى لمقاومة التهديد والتعذيب هو نبيّنا محمّد (ص) الذي حاول المشركون أن يثنوه عن سبيل الله بالتهديد واليهود فعبّر عن ثباته على الصراط بقوله "والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" .
ومن النماذج الرائعة في مواجهة الأذيّة نبيّ الله نوح الذي بلّغ في قومه فلم يستجيبوا له، فأمر الله أن يصنع السفينة التي سوف تحمل بقيّة البشر من أهل الإيمان لتنقذهم من الطوفان العظيم.
وأخذ يصنع الفلك بأمر الله، فإذا بالكافرين يمارسون عليه أنواعًا من الأذى المعنويّ من خلال الاستهزاء به والسخرية منه.
واللافت هو موقف نوح (ع) المعبّر عن غاية الثبات على الإيمان، فقد كانوا يستهزئون به كلّما مرّوا عليه، معتبرين أنّ من يصنع هذه السفينة الكبيرة على يابسة لا بحر قربها ولا نهر، يعدّ من المجانين.
فما كان موقف نوح (ع) من قومه؟ هل كان يشعر بضيق كلّما استهزأ به القوم؟ هل كانت ملامحه تتغيّر حينما يسمع سخريتهم؟ أبدًا، كان موقف نوح (ع) هو الاستهزاء بهم، مقابل الاستهزاء به، والسخرية منهم مقابل السخرية منه. قال تعالى: " وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ" .
إنّ ما واجهه الأنبياء والأولياء عبر التاريخ تكرّر ويتكرّر في مجتمعنا، فالمقاومة الإسلاميّة في لبنان تمّ اغراؤها بالكثير لتتراجع عن موقفها فثبتت على موقف الحقّ، وكانت حرب تموز القاسية وثبتت على موقف الحقّ، واليوم يريدون من المقاومة ومجتمعها أن تتراجع عبر التهديدات والسيارات المتفجِّرة، لكن الجواب هو الجواب: "والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه، ما تركته" .