النِعَم الثلاث

بسم الله الرحمن الرحيم
النِّعم الثلاث

ورد عن أهل البيت (ع): "إنّ الله تبارك وتعالى يقول: ابن آدم، تطوّلت عليك بثلاث:
1- سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك،
2- وأوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم خيرًا،
3- وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرًا" .
إنّها ثلاث نعم لا يلتفت إليه ويسير في ضوئها أكثرُ الناس نقف عندها، عسى أن نلبّي رسالة هذا الحديث القدسيّ المبارك.

النّعمة الأولى: الستر (سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك).
من نعم الله على الإنسان هو أنّه مع علمه بمعاصي الإنسان وآثامه وما يقترفه من أخطاء، فإنّه يستر عليه، ولا يفضحه أمام الآخرين، وأراد الله تعالى أن يتحلّى الإنسان بخصلة الستر هذه، فورد الحثّ على الستر على الآخرين، كما في الحديث النبويّ: "من ستر مسلمًا ستره الله عزّ وجلّ في الدنيا" ، وحرّم عزّ وجلّ غيبة المؤمن التي ورد فيها عن الإمام الصادق (ع): "من الغيبة أن تقول في أخيك ما ستره الله عليه" .
وفي هذا السياق ورد عن الإمام الصادق (ع): "من قال في أخيه المؤمن ما رأته عيناه، وسمعته أذناه، فهو ممّن قال الله عزّ وجلّ: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) " .
وفي هذا الإطار منع الله تعالى تتبّع عيوب المسلمين، فعن النبيّ (ص): "لا تذمّوا المسلمين، ولا تتّبعوا عوراتهم؛ فإنّ من تتبّع عوراتهم تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله تعالى عورته يفضحه ولو في بيته" .
ولعلّ من أبرز الأحكام الإلهيّة التي انطلقت من ستر الله تعالى لعباده هو حكمه بعدم جواز قبول شهادة الزنا إلاّ من قبل أربعة أشخاص، وبشروط من النادر البعيد أن تتحقّق، بل حكم الله تعالى على شهود الزنا، وإن كانوا من المعروفين بالإيمان والصلاح، إذا لم يبلغوا أربعة أن يجلدوا ثمانين جلدة، قال تعالى: " وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ " .

النِّعمة الثانية: الإنفاق في سبيل الله (وأوسعت عليك، فاستقرضت منك، فلم تقدّم خيرًا).
فمع أنّ الله تعالى هو الرازق لعباده، وهو المالك لجميع ما يملكون، فإنّه عزّ وجلّ قال لهم: " مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" .
عبّر الله تعالى عن الإنفاق في سبيل الله بالقرض الحسن؛ لأنّه سيردّه إلى الإنسان أضعافًا مضاعفةً، فعن الإمام الصادق (ع): "إنّ من عبادي من يتصدّق بشقّ تمرة، فأربيها كما يربي أحدكم فلوه حتى أجعلها مثل جبل أحد" .
وهذا تطبيق لقوله تعالى: " يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ" .

النّعمة الثالثة: الوصيّة بالثلث (وجعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرًا).
ورد في بعض الأحاديث الحثّ على الوجود الدائم لوصيّة الإنسان، فعن النبيّ (ص): "ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة، إلاّ ووصيته تحت رأسه" .
والوصيّة:
أ- تارةً تكون في الأمور المتعلّقة في ذمّة الإنسان كديونه على الناس، ويلحق بها ردّ المظالم، وهو عبارة عن حقّ متعلّق بذمّة الإنسان لشخص لا يستطيع الوصول إليه لأداء حقّه، كما إذا سرق الإنسان مالاً، ولا يعرف صاحبه، أو تعدّى على ملك الغير، ولم يعرف كيف يصل إليه للتعويض عليه...الخ فإنّ ذمّة هذا الإنسان مشغولة، وطريق إفراغها أن يدفع ذلك الشيء أو قيمته للفقراء بإذن الحاكم الشرعيّ. وقد تكون ذمّة الإنسان متعلّقة بواجبات بينه وبين الله تعالى كالصلاة والصوم والحجّ والكفّارات الخ.
فينبغي على الإنسان أن لا يخطو خطوة في حياته، إلاّ ويكون قد ترك مستندًا هو الوصيّة لإبراء ذمّته في حال وفاته، وهو لا يدري متى يحين أجله.
ب- وتارةً أخرى تتعلّق الوصيّة بما يمكن للإنسان أن يرتقي ويتكامل عند الله به، وذلك من خلال أن يوصي بدفع جزء من ماله لأعمال الخير، وفي سبيل الله تعالى.
وقد منح الله تعالى الإنسان نعمة، في هذا المجال، هي أنّه يجوز له أن يتصرف بثلث ماله في سبيل الله فيما أراد من هذه الأمور، ولعلّ الحكمة في الاختصار على ثلث المال، ليكون الإنسان بذلك متحمِّلاً لمسؤوليّته تجاه الورثة بحيث يبقى لهم ما ينتفعون به في حياتهم.
والتشريع بالوصيّة بثلث المال في سبيل الله هي نعمة كبيرة من الله على الإنسان، لأنّه بموته ينقطع عن ماله، ويصبح ماله لغيره، وقد ورد في ذلك أنّ الإنسان في احتضاره، بتعبير الإمام عليّ (ع)،: "يتذكّر أموالاً جمعها، أغمض في مطلبها، وأخذها من مصرحاتها ومشتبهاتها، قد لزمته تبعات جمعها، وأشرف على فراقها، تبقى لمن وراءه ينعمون فيها، ويتملّقون بها، فيكون المهنأ لغيره، والعبء على ظهره" .
وورد عنه (ع) أيضًا أنّ الإنسان: "يلتفت إلى ماله، فيقول: والله إنّي كنت عليك حريصًا شحيحًا، فمالي عندك، فيقول: خذ منّي كفنك" .
فمع أنّ الإنسان ينقطع عنه ماله، أنعم الله عليه بنعمة أن يستفيد من بعض هذا المال لأعمال الخير، وهو ما أشار إليه النبيّ (ص) بقوله: "إنّ الله تصدّق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" .
وتطبيق ذلك كأن يوصي الإنسان بثلث ماله أو أقل لبناء مسجد، أو مدرسة، أو للفقراء، أو للأيتام، ونحو ذلك، وقد أصبحت الوصيّة بالثلث لأعمال الخير عادةً في بعض المجتمعات المتديّنة بحيث أطلق عليه مصطلح الأثلاث مقابل مصطلح الخمس والزكاة، وهو ما ينبغي تعزيزه في كلّ مجتمع شكرًا لله تعالى على هذه النِّعمة.