بسم الله الرحمن الرحيم
الموقف في ضوء المنهج الصحيح
قال الله تعالى: " وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل
لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ " 1.
إنّ هذا الحوار بين الله تعالى والملائكة فيه درس أساسيّ حول النظرة الصحيحة إلى الأمور، فالملائكة كانت محقّة في استشرافها مستقبل الإنسان في كونه سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، إلاّ أنّ جواب الله تعالى تعلّق بالمنهج الصحيح في النظرة إلى المشروع الإنسانيّ، وهو الذي عبّر عنه بقوله عزّ وجلّ: " إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ " أي أنّكم يا ملائكتي، وإن كنتم محقّين في ما قلتم، إلاّ
أنّكم نظرتم في الصفحات السوداء المظلمة في مستقبل البشريّة، ولم تنظروا إلى كلّ الكتاب لتروا الصفحات البيضاء المنيرة، نظرتكم إلى الجزء الأسود من لوحة البشريّة، ولم تنظروا إلى كلِّ اللوحة. من هنا علّم آدم الأسماء المنيرة المتلألئة التي من خلالها يحكم على لوحة الإنسانيّة بالحُسن والجمال.
وتطبيقًا لهذا الدرس المهمّ، لو سأل سائل:
ما هو الأجمل الخطّ المستقيم أو الخطّ الأعوج؟
فقد يجيب البعض: إنّه المستقيم، لكن هذا الجواب خاطئ، كما أنّ الجواب بكونه الأعوج خاطئ أيضًا؛ لأنّ الجواب الصحيح لا بدّ أن ينطلق من معرفة المشهد واللوحة التي يحلّ فيها هذا الخطّ، فحينما ننظر إلى كلِّ اللوحة نحكم على جمال الخطّ أو قبحه، فحينما يكون الخطّ حاجبًا في وجه الإنسان، فإنّ جماله في اعوجاجه، لذا قال بعضهم:
يا أيّها الحاجب المعوجّ لو كنت جالسًا لكنت أعوج
إنّ هذا المنهج هو المنطلق لمعرفة الحكمة الإلهيّة من خلق الكون وإدارته، والذي بناه ويديره الله تعالى على قاعدة النظام الأصلح، فالزلازل والفيضانات والعواصف، وإن كان فيها جانب من الأمور السلبيّة، إلاّ أنّ الإيجابيّة الغالبة بالنظرة إلى كلّ اللوحة تجعلها في دائرة الحسن، وهكذا الأمور في خلق الإنسان الذي يطرأ عليه ما يعتبره الإنسان سلبيًّا كالمرض والفقر، إلاّ أنّ الإيجابيّات
الكثيرة لا سيّما ما يخصّ اختياره في مساره يجعل الناظر إلى كامل اللوحة ينبهر بجمالها.
والتشريعات الربّانيّة جارية على هذا المنهج، فما قد يعتبره البعض داخلاًَ في السلبيّات يذوب أمام الإيجابيّات التي تضفي على لوحة التشريع الربّاني حسنًا وجمالاً.
والعقلاء في سيرتهم ينطلقون من هذا المنهج، فحينما وضعوا أنظمة سير المركبات من خلال الإشارات الحمراء والخضراء والصفراء لم ينطلقوا في ذلك من كونه النظام الذي يحمل الإيجابيّة المطلقة 100%، فالبعض قد يتضرّر من وقوفه بسبب الإشارة الحمراء، إلاّ أنّ الإيجابيّة الغالبة لهذا النظام تبرّره وبالتالي يُحكم عليه بالحسن والجمال.
إذن الحكم على الشيء بكونه حسنًا جميلاً لا يكون من خلال طريق واحد هو أنّه يتمتّع بالإيجابيّة المطلقة 100 %، بل يكون كذلك من خلال تمتّعه بالإيجابيّة التي تغلب السلبيّة.
القرار الصائب في ضوء المنهج السابق
انطلاقًا من هذا المنهج في النظرة إلى الأمور ندخل في تقييم القرارات المتعلّقة بالشأن العام، فحينما نريد أن نحكم على قرار أنّه صحيح أو خاطئ لا بدّ أوّلاً أنْ نتعرّف ونحدّد اللوحة الكاملة، ونرى موقع القرار من هذه اللوحة.
تطبيقات من التاريخ
ولتوضيح الفكرة أعرض أربعة تطبيقات تاريخيّة:
1- قرار النبيّ (ص) بصلح الحديبيّة
في السنة السادسة من الهجرة قرّر النبيّ (ص) أن يذهب مع المسلمين لزيارة بيت الله الحرام في مكّة، في رحلة سلميّة، فخرج مع ألف وأربعمائة من المهاجرين والأنصار وقيل أكثر من ذلك 2 باتجاه مكّة.
وصل النبيّ (ص) وأصحابه إلى ثنية المراد مهبط الحديبيّة من أسفل مكّة، فمنعتهم قريش بإصرار عن دخول مكّة، وبعد قدوم العديد من الوفود إلى رسول الله (ص) يُبلغونه موقف قريش الحازم تم التوصّل إلى اتفاق قَبِله النبيّ (ص) ومن أهم بنود هذا الاتّفاق رجوع النبيّ (ص) بمن معه ذلك العام، على أن يأتي (ص) في العام الذي يليه مكّة بمن معه من المسلمين، ويخرج منها أهلها، ويبقى
فيها النبيّ ثلاثة أيّام بدون سلاح غير السيوف في أغمادها، وأن من أحبّ من المشركين أن يدخل في عهد محمّد كان له ذلك، ومن أحبّ أن يدخل مع المشركين فله ذلك أيضًا، من غير حرج من أحد الطرفين 3.
بعض صحابة النبيّ (ص) لم يعجبهم الاتّفاق، ففي كتب السيرة أنّ عمر بن الخطّاب جاء النبيّ (ص) وقال له: ألست برسول الله، قال (ص): بلى، قال: ألسنا بالمسلمين وهم مشركون، قال (ص): بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا، فقال له النبيّ (ص): أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره" 4.
إنّ هذا الصحابيّ كان ينظر إلى زاوية من ذلك الحدث وهو ما اعتبره "الدنيّة" ولم ينظر إلى إيجابيّات القرار في لوحته العامّة، لا سيّما أنّ وقوف قريش موقف المفاوض والمعاهد شكّل اعترافًا من قريش بوجود محمّد ورسالته في الجزيرة العربيّة بعد أن كانت لا ترى له وجودًا.
ومن نتائج هذا الاتّفاق أنّه دخل في الإسلام في تينك السنتين أكثر ممّن كان على الإسلام أي أكثر من تسعة عشر سنة 5، وهو الذي مهّد للنبيّ (ص) في السنة الثامنة أن يدخل مكّة في عشرة آلاف مقاتل فاتحًا ذلك الفتح العظيم.
2- قرار الصبر من أمير المؤمنين (ع)
إنّ بعض من يقرأ مجريات ما بعد السقيفة، لا سيّما في قضيّتي الإمامة وما جرى مع السيّدة الزهراء (ع)، قد يتوقّع أن يخرج الإمام عليّ (ع) محاربًا مدافعًا عن الحقّ المسلوب والعرض العزيز، إلاّ أنّ قرار أمير المؤمنين (ع) انطلق من نظرته إلى لوحة المصلحة العامّة للإسلام، لا سيّما مع وجود 200 ألف من الروم ومن معهم من المرتزقة على حدود الدولة الإسلاميّة، لذا صبر أمير
المؤمنين (ع) ليكون من نتائج صبره بقاء الإسلام.
3- قرار الإمام الحسن (ع) بالصلح
نظر بعض أصحاب الإمام الحسن (ع) قضيّة الصلح من زاوية المذلّة فخاطب الإمام الحسن (ع): يا مذلّ المؤمنين 6.
لكنّه تراجع حينما أقنعه الإمام الحسن (ع) أنّ قضية الصلح انطلقت من مصلحة الإسلام العامّة التي يراها من نظر إلى كلّ اللوحة التي يعلم الناظر إليها أنّه لولا صلح الإمام الحسن (ع) لما بقي الإسلام.
4- قرار الإمام الحسين (ع) بالشهادة
لم يفهم الكثير ممّن عاصر الإمام الحسين (ع) وأحبّه مشروعه الاستشهاديّ، فقد نظر العديد من هؤلاء إلى زاوية حفظ شخص الإمام الحسين (ع) فقال له ابن عبّاس: "أتخوّف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال" 7.
وكتب له عبد الله بن جعفر: "إنّي أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي، فإنّي مشفق عليك من هذا الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك" 8.
وقال له عمر بن لوذان: "أنشدك الله لمّا انصرفت، فوالله ما تقدم إلاّ على الأسنّة وحدّ السيوف" 9.
كان جواب الإمام الحسين (ع) لكلّ هؤلاء، انطلاقًا من نظرته إلى مصلحة بقاء الإسلام: "إنّ الله شاء أن يراني قتيلاً وشاء أن يراهنّ سبايًا" 10.
كذلك فإنّ بعض من يرى حجم الملحمة والإجرام الذي حصل في كربلاء فإنّه قد يناقش في مدى حسن المشروع الحسينيّ وعقلانيّته، لأنّه اقتصر نظرته على الدماء ورضّ الصدور وقطع الرؤوس، بخلاف موقف السيّدة زينب (ع) التي نظرت إلى كلّ اللوحة التي من خلالها بقي الإسلام: فقالت حينما سألت عمّا رأت في كربلاء: "ما رأيت إلاّ جميلاً" 11.
تطبيقات معاصرة
دعوة الإمام الخمينيّ (قده) للثورة في الشارع
دعا الإمام الخمينيّ (قده)، ذات يوم من أيام الثورة الإسلاميّة المباركة في إيران، أن ينزل الشعب إلى الشوارع، فنزل لتكون مجزرة كبيرة ارتفع فيها الآلاف من الشهداء.
في ذلك الوقت نظر بعض العلماء من زاوية كثرة الشهداء، فراسلوا الإمام الخمينيّ (قده) معترضين على دعوته باعتبارها مخالفة للاحتياط، والسبب في ذلك أنّهم لم يطّلعوا على كلّ اللوحة التي تكون فيها هذه الدماء مقدّمة لإقامة دولة الله العادلة في الأرض، وبالتالي فمهما ارتفع من شهداء فإنّ النتيجة التي حصلت تبرّر ذلك، وتضعه في دائرة الحكمة، بل إنّ عدد الشهداء الذين ارتفعوا
لولا قيام هذه الثورة سيكون أكبر بكثير لو لم تقم، وسيستمر الظلم على النّاس.
المقاومة في لبنان
في بداية المقاومة الإسلاميّة كان يوجّه إليها بعض الانتقادات التي كان يصدر بعضها بثوب فقهيّ شرعيّ، باعتبار العدد والعتاد القليلين للمقاومين، في مقابل جيش كبير مجهّز بأحدث وأشدّ الأسلحة، وقد عرف بأنّه لا يقهر، كانت نظرة هؤلاء مسلّطة إلى عدد المقاتلين وعدّتهم، ولم ينظروا إلى اللوحة الكاملة التي فيها استمداد النصر من الله تعالى في إطار مشروع التمهيد للإمام المهديّ (
عج). والنتيجة أثبتت صحّة مسار المقاومة.
القرارات الراهنة في ضوء المنهج
ممّا تقدّم نعلم أنّ صوابيّة أي قرار ينطلق من قراءةٍ للّوحة الكاملة المتعلّقة بذلك القرار، هذه اللوحة التي لا بدّ أن يُراعى فيها مصلحة الإسلام المحمّديّ الأصيل أوّلاً، ثمّ مصلحة المسلمين المحمّديّين الأصيلين في العالم والوطن، وهذا الأمر هو مدخل لضرورة كون صاحب القرار أو الموجّه فيه هو صاحب رؤية شاملة، ناظرة إلى كلّ اللوحة، ليتخذ القرار في ضوء هذه النظرة، وهذا ما
ينسجم من أطروحة الوليّ الفقيه الواحد الموجِّه للأمّة والمقرِّر لأولويّاتها في ضوء نظرته الشاملة.
إنّه المنهج الذي يخرج الإنسان فيه نفسه من موقع الصغار الذين ينظرون في دائرة ضيّقة إلى موقع الكبار الذين يرتّبون الأولويّات في ضوء المصلحة المنظورة في اللوحة الكاملة.
1 سورة البقرة، الآيات 30-33.
2 الحسينيّ، هاشم، سيرة المصطفى، (لا،ط)، بيروت، دار التعارف، 1986 م، ص 541.
3 المصدر السابق، ص 528.
4 المصدر السابق، ص 528-529. المقريزيّ، إمتاع الأسماع، ج 1، ص 291.
5 الحسينيّ، هاشم، سيرة المصطفى، ص 523.
6 ابن طاووس، الملاحم والفتن، ص 72.
7 شرف الدين، عبد الحسين، المجالس الفاخرة في مصائب العترة الطاهرة، ص 110.
8 المفيد، محمّد، الإرشاد، ج 2، ص 68.
9 المصدر السابق، ص 76.
10 مغنية، محمّد جواد، الشيعة في الميزان، ص 470.
11 المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 45، ص 116.