الانسان والاسئلة الاولى

أنا أتجرّد الآن عن كلِّ قبليَّاتي الاعتقادية السابقة، وأنطلق كأنّي خرجت لتوّي من مغارة ظلماء نضجتْ فيها قواي المعرفية لأشاهد هذا الكون الرحب بسمائه وأرض، بأشجاره وبحره وأنهاره، بحيواناته الدابّة والزاحفة والطائرة، بسائر جماداته المتنوعة، وبناسه الذين أنا واحد منهم، فما هي الأسئلة الأولى التي ترد إلى ذهني بعد التأمُّل بهذا الكون وما فيه، وأنا ممَّا فيه؟

1-ما أنا؟ ما الفرق بيني وبين سائر الموجودات الأخرى؟

2- كيف وُجدت؟ هل أحد ما خلقني؟ أو لا يوجد داعٍ لمثل هذه الأسئلة؟

3-ماذا عليّ أن أفعل؟  هل أنا الذي أُحدِّد ما عليّ أن أفعله، أو هناك من خلقني، وهو الذي يُرشدني إلى ما يجب فعله؟

4- إن كان هناك خالق يريد منّي تحقيق شيء ما، كيف أعرف ما يريده؟

5- هل تنتهي حياتي بموتي فتكون الساحة التي عليّ أن أراعيها في مساري هي فقط هذه الحياة التي أراها في هذا الكون، أو أنّ هناك حياة أخرى لا تطالها حواسي استمر فيها بعد موتي، وبالتالي لا بدّ أن أراعيها أيضاً؟


السؤال الأوّل: ما أنا؟ وما الفرق بيني وبين سائر الموجودات الأخرى؟

لمعرفة الإجابة لا بدّ من إحصاء الموجودات التي أشعر بها وباستقراء الحواس يمكن جمع هذه الموجودات بأربعة أنواع[1]هي:

1- الجماد  2- النبات   3- الحيوان     4- الإنسان

خصائص النبات عن الجماد

ويفترق الجماد عن الأنواع الثلاثة، بحسب التعبيري التقليديّ الشائع، بالنموّ، فهي تنمو بخلاف الجماد، ولكن يمكن تفصيل الفارق بينها بالحياة، فالنبات فضلاً عن الحيوان والإنسان يتميّز بحياة حدّد خصائصها مقال علميّ في الموقع الرسميّ لجامعة كامبردج البريطانية بأمور سبعة هي:

1- الحركة.

2- التنفس.

3- النموّ (بمعنى استعمال الغذاء لنموّ الخلايا حجمًا وعددًا).

4- الإحساس (بمعنى ردّة الفعل تجاه أي مؤثر خارجي كالضوء، والحرارة، والجاذبيّة، والمواد الكيميائية).

5- التكاثر.

6- التغذية.

7- التخلّص من الفضلات[2].

خصائص الحيوان عن النبات والجماد

أمّا الحيوان فيتميّز عن النبات إضافة إلى الجماد بخصائص ثلاث هي:

1-   الحسّ، وهو يختلف عن الإحساس السابق في النبات؛ إذ المراد منه القوّة الإدراكيّة للبصر والسمع واللمس والشم والذوق.

باختلاف الحيوانات في اجتماع هذه الحواس جميعاً، أو بفقدان بعضها.

2- الخيال، أو القوة المتخيّلة، وهي القوة التي تتصرّف في الصور الحسّية الموجودة في الذهن[3]، فالقطّة حينما تريد أن تقفز فوق جدار، فإنّها تنظر إليه بعينيها وتحدِّد ارتفاعه، وعلى أساس ذلك تدفع نفسها بالطاقة المناسبة التي تحقِّق القفز الناجح، وهكذا نرى الفهد يتباطئ أثناء مراقبته فريسته المتوقّعة، فإذا صار على بعد حوالي أربعة أمتار يقفز بسرعة ليُمسك بها، كلّ ذلك يحصل من خلال القوة المتخيّلة أو الخيال.

3- الوهم، أو القوّة المتوهّمة، وهي، بحسب اصطلاح المناطقة، القوة التي تدرك المعاني الجزئية، كإدراك الشبل لحبّ أمّه اللبوة، والفيصل لحبِّ أم الناقة، من خلال هذه القوة تعرف الشاة أنّ ولدها حبيبها، وأن الذنب عدوّها، وأنّ المتعهِّد بعلفها صديقها.

الكلب الحنون

في مشهد لافت وأثناء استعراض من الشرطة للكلاب البوليسيّة، انقضَّ كلب على كلب آخر وعضَّه بقوّة، فاقترب مدرِّبه ناحيته وزجره على ما فعل وضربه بيده، فما كان من الكب إلاّ أن لحق مدرِّبه يحنو عليه بهيئة المعتذر، فلم يكترث المدرِّب له، وبقي الكلب يحاول مرة بعد أخرى أمام المشاهدين لذلك العرض أن يسترضي صاحب ممرِّغاً جسده به، لكنه لم يستطيع استرضاءه، فنظر الكلب إلى مدرِّبه بهيئة الحزن، وفجأة انهملت دموعه وسط مفاجأة الحضور. إنّه شعور بالحبِّ لمدرِّبه من خلال قوة الوهم.

وقوّة الوهم هذه لا تتوقّف عند مجرّد إدراك المعاني الجزئيّة، بل تتعدّى ذلك إلى التخطيط من خلال وجوهٍ من الحيل من الحيل للوصول إلى الغاية المطلوبة.

الطائر الماكر

حدّثني أحد أصدقائي الذين زاروا سويسرا، أنّه رأى طائراً يقف على عمود إشارات السير، وفي فمه حبّة جوز، وحينما أضاءت الإشارة الحمراء، وقفت السيارات، فنزل الطائر، ووضع حبّة الجوز تحت دولاب سيارة واقفة، ورجع إلى قمّة ذلك العمود إلى أن أضاءت الإشارة الخضراء، وسارت السيارات، وبالتالي كُسِرت حبّة الجوز تحت إطار تلك السيارة، ولما أضاءت الإشارة الحمراء مرة أخرى، وتوقفت السيارات نزل الطائر إلى الأرض ليأكل فتات تلك الحبة المتحطِّمة من الجوز.

إنّ ما قام به هذا الطائر ينطلق من قوّة الوهم التي لديه، والتي من خلالها استنبط ذلك المكر وتلك الحيلة.

الطائر الصائد

شاهدت مقطع فيلم وثائقي يصوِّر طائراً على ضفة نهر يحمل في منقاره شيئاً جلبه من الغابة يبدو أنّ السمك يرغب في أكله ويرميه في النهر، وينتظر إلى أن تأتي سمكة لتأكله فينقضّ عليها ليلتهمها.

خصائص الإنسان عن الحيوان

فهو يرى ويسمع ويشمّ ويذوق ويلمس، كما أنّ يتصرّف في الصور والمحسوسات، فهو حينما يريد النزول من على الدرج، فإنّه يقيس ارتفاع الدرجة عن الأخرى وينزل بالقوة المناسبة لتلك الدرجة، هذا في إدراكه للمادة، أمّا المعاني، فهو يدرك الجزئي منه منذ طفولته، فالطفل يدرك حبَّه لأمِّه فينجذب إليها، ويتعلّق بها.

 وعليه فمن الواضح أنّ الحسّ والخيال والوهم من القوى المشتركة بين الحيوان والإنسان، إلاّ أنّ الإنسان يتميّز عن الحيوان بخاصّية من خلالها تطور الإنسان، وبقي الحيوان كما كان عليه في الماضي.

فالملاحظ أنّ الحيوانات في الغابات وغيرها ما زالت كما كانت عليه منذ الزمان القديم دون إدخال أي تطوير في بيئتها ومجتمعها، بينما استطاع الإنسان أن يطوِّر نفسه ومجتمعه وبيئته بالتطوُّرات الهائلة التي وصل إليها في القرن الواحد والعشرين، فما هو سرُّ هذا التطوّر؟

إنّه بالتأمّل، قوّة رابعة تسمى العقل وهو يتميَّز بميزتين:

الأولى:أنّه يدير دفَّة المدركات الحسّية والخيالية والوهميّة، ويُميِّز الصحيح منها عن الفاسد[4]، فالعين، مثلاً، قد ترى الكوكب البعيد عن الأرض صغيرًا، لكن العقل يصوِّب ذلك، ويصحِّح الإدراك الخاطئ الناتج عن الحسّ.

الثانية:أنّه يدرك المعاني الكلّيّة، متجاوزًا في ذلك الحيوان الذي يقتصر إدراكه للمعاني على الجزئيّة منها فقط، فهو يدرك حبّ أمّه، وبغض عدوه، لكنّه لا يدرك المعنى الكلّي والعام للحبّ والبغض، والحيوان يرى الأشجار، لكنّه لا يدرك المعنى العامّ للشجرة,.

بينما نلاحظ أنّ الإنسان حينما يرى، مثلاً، شجرة الزيتون، وشجرة التين، وشجرة النخيل، وشجرة الموز، فإنّه يستطيع بذهنه أن يجرِّد (يقشِّر) كل شجرة عن ما يخصّه بالذات ويدرك المعنى المشترك بين هذه الأشجار، فيطلق عليه: "شجرة"، والذي يعبِّر عنه في الاصطلاح الأدبي بـ اسم الجنس، وهكذا يجرِّد (يقشِّر) خصائص زيد وحسّان وليلى ووسيم، ويدرك المعنى العام للإنسان.

وهذا المدرك للكليات  يطلق عليه في المصطلح: العقل.

من هنا صحَّ أنّ الإنسان يتميَّز عن غيره من الحيوانات بالعقل.

لذا يفسِّر الناطق قولهم الإنسان حيوان ناطق أي عاقل مدرك للكلّيات، فالنطق عندهم هنا هو بالمعنى الباطنيّ لا الظاهري المعروف.

إذًا، الذي يتميّز به الإنسان عن الحيوان هو هذا العقل، الذي اعتبر بعض الفلاسفة أنّه "نفسُ الإنسان المدرك"[5].

الإجابة على السؤال الأوّل

بما تقدّم أستطيع أن أجيب على السؤال الأوّل الذي كان مفاده: ما أنا؟ وما الفرق بيني وبين سائر الموجودات؟ أنا إنسان لدي جسم ينمو، يتحرّك، لدى قوى من خلال أحسّ وأتصرّف بالصور المحسوسة، وأدرك العديد من المعاني الجزئيّة، كما أنّ لديّ عقلاً أتميّز به عن سائر الموجودات التي شاهدتها، فهو يصوِّب مدركاتي تلك وأيضاً يدرك المعاني الكليّة.

وباختصار: أنا جسم نام حسَّاس متحرِّك بالإرادة عاقل.

 

الخلاصة

لديّ كإنسان أربع أدوات للمعرفة هي:

1-             الحس

2-             الخيال

3-             الوهم

4-             العقل

أُريد أن أستفيد من هذه الأدوات للإجابة على الأسئلة اللاحقة.

 

 



[1]لا يراد من النوع التعبير المنطقي الخاصّ، بل الأعمّ.

[2]Nge pathimo kadhila. CAMBRIDGE ENIVERSITY PRESS-NSSC BIOLOGY MODELE/I/UK

[3](وكذا تتصرّف في المعاني الجزئيّة المنتزعة من صور المحسوسات) الأيجي، المواقف، تحقيق عبد الرحمن عميرة، ط1، بيروت، دار الجيل، 1997، ج2، ص 588.

[4]أنظر: المظفر، محمد رضا، المنطق، ص 7.

[5]الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص 40.