أدب الخطاب

بسم الله الرحمن الرحيم
أدب الخطاب

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف النبيين وأعز المرسلين محمد وآله الأطهار.

القرآن وأدب الخطاب
سعى الإسلام إلى بناء الشخصية الإيمانية المتميزة في علاقتها مع الآخرين, وبما أن اللسان هو الأداة الأساسية لتعبير الإنسان عن شخصيته فقد ركَّز الإسلام على ضبطه من خلال القانون الذي يحرّم تعابير الرذيلة ويحثّ على انتقاء العبارات الحسنة التي تشهد على حسن قائلها وقد خطا القرآن الكريم خطوات هامة في إعطاء النماذج التعبيرية الراقية في الحوار مع الآخرين, فمن باب المثال نجد القرآن الكريم يريد أن يعبّر عن العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة, فإنه لا يأتي بتلك العبارات النابية بل يشير إلى المعنى المقصود بأدب راق كقوله تعالى: " أو لامستم النساء" (سورة النساء آية 43), فاستعمل مادة اللمس التي لا يرى الإنسان أي عيب في استعمالها بل يرى فيها حسن التعبير بدل أن يعبِّر بألفاظ أخرى قد يستهجنها المخاطب.

بذاءة اللسان
من هنا حرّم الإسلام جملة من التعابير التي يستقبحها العرف وتسيء إلى شخصية المتكلم, ومن تلك التعابير المحرّمة ما يكون منها بذيئاً في نظر العرف, وقد بيّنت الروايات أن الإنسان الفاحش بذيء اللسان هو في معرض الهلكة في عالم الآخرة, فقد ورد عن النبي(ص): "الجنة حرام على كل فاحش أن يدخلها".
وشددت بعض الروايات على أولئك الناس الذين يستغلون لسانهم الفاحش في علاقتهم مع الآخرين حتى يصلوا إلى درجة يخاف الآخرين من لسانهم, فذكرت الروايات أن موقع اولئك في العالم الآخر هو نار جهنم, فقد روي عن الإمام الصادق(ع):" من خاف الناس لسانه فهو في النار" وأي موقع في النار هو ؟ إنه الموقع الذي يتأذى منه أهل جهنم على ما بهم من الأذى, فعن الرسول الأكرم(ص): "أربعة يؤذون أهل جهنم على ما بهم من الأذى, يسعون بين الحميم والجحيم..." رجل يسيل فوه قيحا ً ودماً بين الحميم والجحيم..."رجل يسيل فوه قبحاً ودماً, فيقال له: ما بال الأبعد قد آذانا على ما بنا من الأذى, فيقول: إن الأبعد كان ينظر إلى كل كلمة فزعة خبيثة فيستلذها كما يستلذ الرفث"
حرمة البذاءة مع أي شخص
ذكر أحد المحققين الكبار (الشيخ محمد تقي الشيرازي) أن مقتضى إطلاق الروايات حرمة الفحش مع أيِّ أحد, مسلماً كان أو كافراً, مؤمناً كان أو فاسقاً, فإن البذاءة مع أي شخص يدخل تحت قول الإمام الصادق(ع): " البذاءة من الجفاء والجفاء في النار"

التنابذ بالألقاب
ومن خطايا اللسان التي تعرض لها القرآن الكريم صريحا ً هو عدم التنابز بالألقاب بأن ينادي شخصاً بلقب حقير عند الناس كأن يناديه يا سفيه, يا فاسق, وهذه العادة مستشرية في بعض مجتمعاتنا, مع أن القرآن الكريم قد نهى عن هذا الأمر بقوله تعالى " ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان"

السبّ
ومن قبيح خطايا اللسان السبّ للآخرين, وقد اعتبر الإسلام أن السابّ شيطان, ففي الحديث: المتسابان شيطانان, بل أن العلامة المجلسي قال: " إثم السبّ أعظم من الغيبة, لأن المؤمن يتأذى من السبّ أكثر, وقد أدبَّنا الإسلام على عدم سبّ الآخرين مهما كانوا حتى أولئك المنحرفين في الاعتقاد, لأن السبّ لا يتلاءم مع شخصية الإنسان المؤمن من هنا نهى الإمام علي(ع) عن سبّ معاوية.
وقد شدد القرآن الكريم على عدم سبّ مقدسات الآخرين وعلّل ذلك بأن سبّها يستدعي أن يسب الآخرون مقدساتنا, قال تعالى " لا تسبوا الذين يدعون من دون الله, فيسبُّوا الله عدواً بغير علم"

أدب الخطاب مع المؤمن
والبذاءة والتنابز بالألقاب والسبّ وإن كانت حرمتها كبيرة حينما تكون أدوات لخطاب الناس بشكل عام, إلا أنها حينما تكون موجَّهة للمؤمن فالأمر أصعب بكثير والحرمة أشد رتبة لأن الله تعالى قد كسا المؤمن حلة بهاء من عظمته فعن رسول الله(ص): "إن الله خلق المؤمن من عظمة جلاله وقدرته" وقد ورد عن الإمام الكاظم(ع) أنه وقف ينظر الكعبة وقال: " ما أعظم حقك يا كعبة والله إن حق المؤمن لأعظم من حقك". لذا فإن السابّ للمؤمن يتحمّل وزرا ً كبيراً عبّر عنه الرسول الأكرم(ص) بقوله: "سابّ المؤمن كالمشرف على الهلكة", بل إن هناك حديثاً عن رسول الله(ص) يحرِّم من طعن ريح الجنة وهو قوله(ص): "من طعن في مؤمن شطر كلمة حرّم الله عليه ريح الجنة وإن ريحها ليوجد مسيرة خمسمائة عام"

تحقير المؤمن
وكيف لا يكون هذا هو مصير طاعن المؤمن, وقد جعل الله عزة المؤمن بعد عزته تعالى وعزة الرسول الأكرم(ص) كما ورد في القرآن الكريم " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين", من هنا كان تحقير المؤمن وإيذاؤه من المساوئ العظيمة التي تغضب رب العزة تعالى, فقد ورد عن الإمام الصادق(ع): " من استذل مؤمناً أو استحقره لقلة ذات يده ولفقره شهره الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق."
وقال(ع): من حقّر مؤمناً مسكيناً أو غير مسكين, لم يزل الله حاقراً له ماقتاً حتى يرجع عن محقرته إياه".
وروى أبو هارون عن الإمام جعفر الصادق(ع) إنه قال لنفر ٍ عنده وأنا حاضر: مالكم تستخفون بنا؟ , فقام رجل من خراسان فقال: معاذ الله لوجه الله أن نستخف بك أو بشيء من أمرك, فقال(ع): بل إنك أحد من استخف بي, فقال الرجل: معاذ الله أن أستخف بك, فقال له(ع): ويحك ألم تسمع فلاناً ونحن بقرب الجحفة, وهو يقول لك: أحملني قدر مبل, فقد والله عييت, والله ما رفعت به رأساً, لقد استخففت به, ومن استخف بمؤمن فبنا استخف, وضيَّع حرمة الله عزّ وجل.

الحمد لله رب العالمين.