حياة الشهيد

حياة الشهيد

﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ.

كرَّم الله تعالى الإنسان كإنسان بغض النظر عن عقيدته وسلوكه، وهذا ما نصَّ عليه القرآن الكريم بقوله تعالى "ولقد كرَّمنا بني آدم" ، فلم يقل لقد كرَّمنا الموحِّدين من بني آدم، ولا المؤمنين منهم بل قال "بني آدم" من دون تقييد.

وتكريم الله للإنسان هو من نواحٍ عدة:

- منها ما يتعلَّق بالتكوين: قال تعالى:
﴿... وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ.

وقال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ....

- ومنها ما يتعلق بالاحترام الذي على رأسه احترام الحياة الذي يبدأ منذ تكوين الإنسان علقة في رحم أمه ويستمر بعد ولادته حيث كانت الأصالة هي حرمة قتل الإنسان الذي عبَّر القرآن الكريم عن فظاعته بقوله:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا....

وفظاعة حرمة القتل هذه المنطلقة من احترام الإنسان تشمل قتل نفسه، من هنا كان تحريم الإسلام للانتحار، قال تعالى:
﴿... وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا .

وفي الروايات ما يُعبِّر عن مدى بعد ذلك عن الإيمان، فعن الإمام الباقر(عليه السلام): "إن المؤمن يُبتلى بكل بليّة، ويموت بكل ميتة إلا أنَّه لا يقتل نفسه".

وفيها ما يعبِّر عن المصير الأسود للمنتحر، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): "من قتل نفسه متعمِّداً، فهو في نار جهنَّم خالداً فيها".

وأصالة حرمة القتل هذه والتي انبثقت عن قيمة احترام الحياة شرَّع الله تعالى الخروج عنها تحت نفس القيمة أي احترام الحياة. ولهذا سببان أحدهما سلبي والآخر إيجابي.

أما السلبي فهو المتعلق بمعاقبة الإنسان بقتله، وهو يتحقق في موارد منها أن يتعدَّى الإنسان عمداً على حرمة حياة الآخرين من خلال القتل، فيُعاقب بالقتل ليكون قتله وازعاً للآخرين من الإقدام على القتل، فيكون في قتله حياة الآخرين، من هنا عبَّر القرآن الكريم عن هذه الخلفية بقوله تعالى:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ .

أما الإيجابي فهو المتعلق بإقدام الإنسان على تعريض نفسه للقتل، فيتحقق في مورد يتعلق القتل فيه بحياة المجتمع التي تعتبر أهم من حياة الإنسان وهذا الأمر يحتاج إلى وعي وبصيرة بالمجتمع لتتم المقارنة من خلال ذلك بين حياتين: حياة الفرد وحياة المجتمع.

وبما أنَّ هذا الوعي والبصيرة لا بدّ أن ينطلق من معايير ومبادئ الشريعة الإلهية، ومن دراسة الأولويات في أوسع نظرة في ساحة المجتمع الإنساني احتاج تقديم الإنسان لنفسه قتيلاً من أجل حياة المجتمع إلى منظار واسع من عين قائدٍ إلهيٍّ بصير ينطلق في نظرته من مبادئ الشريعة وأولويات المجتمع، من هنا ورد عن الإمام علي (عليه السلام): "الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، فإنما يجاهد في سبيل الله رجلان: إمام هدى، ومطيع له مقتد بهداه".

ومن لطيف ما أشار إلى هذا المعنى ما ورد عن عبّاد البصري أنه قال للإمام زين العابدين (عليه السلام) في موسم الحج: "تركت الجهاد وصعوبته، فأقبلت على الحج ولينه، وإنّ الله عزَّ وجل يقول:
﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ .

فقال له الإمام (عليه السلام): أتمَّ الآية، فقال عبَّاد:
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

فقال له الإمام (عليه السلام): "إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم، فالجهاد معهم أفضل من الحج".

إذاً فالجهاد والشهادة بحاجة إلى دقة في تحديد المسار. وهذا ما يتطلَّب من المجاهد طالب الشهادة وعياً دينياً من جهة ضمانة شرعية عمله، ووعياً اجتماعياً يدرك من خلاله قيمة عمله الذي يدخل في كبرى قضايا الدين وأولويات المجتمع، بحيث يقرِّر أن يقدِّم الخاص العزيز عليه، وهو نفسه لأجل العام الأعزّ، وهو الدين أو المجتمع الذي تمثّل خدمته والتضحية لأجله اختزالاً لمسيرة كماله في سبيل الله تعالى.

إذاً تقديم النفس للقتل بهدف حياة المجتمع تحتاج إلى علم ووعي وبصيرة بقضايا المجتمع، وبالقيادة الشرعية الحكيمة من هنا أطلق الإسلام على هذا المقتول الذي ضحَّى بنفسه من خلال وعيه هذا صفة معرفية تعبِّر عن بصيرته وهي صفة "الشهيد".

وقد اختار الإسلام هذه الصفة من بين جملة من الصفات المعرفية فلم يسمِّه:
1- العالم، أي المدرك، أي الذي تحضر صورة الشيء أو ماهيته في ذهنه.
2- المفكر، أي الذي يسير من المجهول إلى المعلومات الذهنية ويدور فيها للرجوع إلى المجهول بهدف معرفته.
3- الفاهم، أي الذي تنتقش صورة الشيء في ذهنه.
4- الفقيه، أي التي تثبت تلك الصورة المنتقشة في ذهنه.
5- الحافظ، أي الذي تنضبط الصور في ذهنه بحيث لا يتطرق إليها التغيير والزوال.
6- الشاعر، أي الذي يدرك إدراكاً دقيقاً، أُخِذَ من الشَّعر لدقته.
7- الذاكر، أي المستحضر للصورة في ذهنه بعد غيابها عن الإدراك، أو الحافظ لها من أن تغيب عنه.

إلى غير ذلك من الصفات التي كلها تتعلق بحضور صورة الشيء منتقشةً، ثابتةً، دقيقةً، إلخ... بل سمَّاه "شهيداً" وهو الذي ينال نفس الشيء لا أنّه تحضر في ذهنه صورته كما في تلك الأوصاف.

من هنا ميَّز الله الشهيد بخصال تتناسب مع مقامي البصيرة والتضحية منها:

1- رفض الله تعالى أن يسمَّى الشهيد ميتاً، لأن حياته بشهادته أصبحت أعظم من حياته في الدنيا.

قال تعالى:
﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ.

فالموت في اللغة هو ذهاب القوة من الشيء، وهذا ما يتوضح بالحديث النبوي عن النوم " من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مسجدنا، فإن كنتم لا بدَّ آكليها، فأميتوها طبخاً" ، أي أذهبوا ما فيها من قوة الرائحة.

وعليه فإن القرآن الكريم ينفي عن الشهيد ذهاب قوته، بل يُخبر عنه بأنه ما زال في موقع القوة الحياتية، والتي هي باقية، ليس في الجسد المادي الذي يتغيَّر ويتحوَّل، وإنما في النفس الإنسانية، وهذا ما قد تختلف معه الحياة، وبالتالي القوَّة، إذ إنَّ هذه النفس لن تكون بلبوس مادي، وإنما بجسم مثالي برزخي كما نصَّت عليه الروايات، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) حينما سُئل: أين هي أروح المؤمنين؟

أجاب (عليه السلام): "في روضة كهيئة الأجساد في الجنة" ، وفي رواية أخرى "في أبدان كأبدانهم".

2- بيَّن الله تعالى قوة حياة الشهيد من خلال آية هي قوله تعالى:
﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ .

وبيَّن النبي (صلى الله عليه وآله) قوة حياته من حين استشهاده في حديثه: " للشهيد سبع خصال من الله:
الأولى:
أول قطرة من دمه مغفور له كل ذنب.
والثانية: يقع رأسه في حجر زوجتيه من الحور العين، وتمسحان الغبار عن وجهه فتقولان: مرحباً بك ويقول هو مثل ذلك لهما.
والثالثة: يكسى من كساء الجنة
والرابعة: يبتدره خزنة الجنة من كل ريح طيبة أيّهم يأخذ معهم
والخامسة: أن يرى منزله
والسادسة: يقال لروحه اسرح في الجنة حيث شئت
والسابعة: أن ينظر في وجه الله، وإنّها لراحة لكل نبيّ وشهيد".

3- بيَّن الله تعالى قوة حياة الشهيد بعد نفخ الصور الأول حيث يبقي الله الشهداء أحياء بشكل استثنائي كما أشار إليه بعض ما ورد قال تعالى:
﴿فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ.

فقد نقل الشيخ الطبرسي في تفسير جوامع الجامع عن ابن جبير في تفسير لـ "من شاء الله": هم الشهداء متقلدو السيوف حول العرش.

4- أعطى الله تعالى الشهيد مقاماً مميزاً يوم القيامة هو مقام الشفاعة فعن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): "ثلاثة يشفَّعون إلى الله فيشفْعون: الأنبياء، ثم العلماء ثم الشهداء".

وتنطلق الشفاعة يوم القيامة في كثير من مجرياتها بسبب فعل الهداية الذي كان يمارسه الشفيع في حياته الدنيا، فالأنبياء والعلماء كان دورهم الأساس هو هداية الناس، لذا فإنَّ شفاعتهم للناس تكون في ضوء تجاوب الناس معهم من خلال اهتدائهم، وهذا ما يوضِّح ميزة تقدم الأنبياء (عليه السلام) والعلماء في موقع الشفاعة.

ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هو أنَّ مقام شفاعة الهداية واضح من خلال دور الأنبياء (عليه السلام) والعلماء، ولكن كيف نتعقَّل شفاعة الهداية في الشهيد الذي قد يكون غير عالم، بل قد يكون صغيراً لم يكتب كتاباً، ولم يعتلِ منبراً، ولم يُقدِّم محاضرة، كذلك الشهيد الصغير الذي قام بالعملية الاستشهادية وهو لم يتخط زمن بلوغه إلا بفترة قليلة، فنوَّه به الإمام الخميني "ره" واصفاً إياه بـ "قائدنا ذلك الطفل الذي فجّر نفسه، تحت دبابات العدو في خرمشهر".

وكالشهيد الأردبيلي ابن الثانية عشر الذي منع من الذهاب إلى الجبهة في إيران، فمشى إلى طهران حيث قابل سماحة الإمام الخامنئي "دام ظله" حينما كان رئيس جمهورية طالباً منه الإذن في الشهادة ولمَّا ذكر له الإمام الخامئني "دام ظله" أن منع الأخوة له كان بسبب عمره قال له: "إذاً ألغوا من مجالس العزاء قراءة شهادة القاسم ابن الحسن".

وكالشهيد الاستشهادي أحمد قصير ابن التاسعة عشر من عمره الذي كان يحدِّث رفاقه في مطلع الثمانينات في وجوب إزالة إسرائيل من الوجود، وهو العاشق لله الذي قال لمن أعدَّ له السيارة المفخخة: ثقل لي العبوة تحت مقعدي؛ لأني أريد أن أطير بسرعة.

والذي قال قبيل شهادته: هذا اليوم يوم سعدي.

واستطاع بفضل الله تعالى أن يقتل بتلك العملية 141 ضابطاً وجندياً اسرائيلياً بحسب اعتراف العدو الإسرائيلي، لتشكِّل عمليته الفاصل بين زمن الهزائم وعصر الانتصارات.

السؤال: ما هي خلفية وقوف هؤلاء الشهداء الصغار في السن إلى جانب الأنبياء والأئمة والعلماء مع أنّهم صغارٌ لم يتوفقوا لهداية الناس كما هو حال الأنبياء والعلماء.

يجيب الإمام الخميني (قدس سره): بلى لقد هدوا الناس لكن لا بالقلم ولا بالكلمة بل بالدم، فالشهيد يهدي إلى الله تعالى بدمه.

صدق الإمام الخميني (قدس سره)، فإن مجتمعنا اهتدى ببركة دماء الشهداء.

إن ما نراه اليوم من تحول اجتماعي إنما هو ببركة جهادهم ودمائهم وشهادتهم من هنا نطل على مسؤولياتنا تجاه الشهداء.

المسؤولية الأولى: هي حفظ القضية التي استشهدوا من أجلها، فإذا كان " من بلغ رسالة غازٍ كمن أعتق رقبته، وهو شريكه في ثواب غزوته"، فكيف بمن حمل وبلَّغ القضية التي كانت نصب عين الشهيد حينما قُتل في سبيل الله؟!

رحم الله سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي الذي كان يقول "الوصية الأساس: حفظ المقاومة".

المسؤولية الثانية: هي حفظ عوائلهم وتكفل أيتامهم، لقد كان الإمام الخميني (قدس سره) يقول: "إن رضا صاحب العصر والزمان من رضا عوائل الشهداء".

المسؤولية الثالثة: هي استمرار العلاقة بهم، من خلال إهدائهم ما فيه أجر وثواب، تأسياً بالسيدة فاطمة الزهراء (عليه السلام) التي كانت تزور شهداء "أُحد" أسبوعياً، وقد صنعت من طين قبر سيد الشهداء حمزة" سبحة خاصة تسبح الله تعالى بها.

المسؤولية الرابعة: هي حفظ وتنمية روحية الشهادة في أنفس المؤمنين، والتي رسم الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) حدَّها الجهادي الأدنى بقوله: " من مات ولم يغزُ، ولم يُحدِّث به نفسه، مات على شعبة من نفاق".

أسأل الله تعالى أن يرحم شهداءنا، ويُلحقنا بإمام الفاتحين في كربلاء.

والحمد لله رب العالمين