إنّ التعبير بالمعروف والمنكر يشير إلى أنّ ما يريده الله تعالى في دعوته إلى الهداية هو ما يعرفه العقل السليم والفطرة السليمة، وأنّ ما ينهى عنه ما هو يستنكره العقل السليم والفطرة السليمة، ومن ثمّ يأتي الإسلام فيأمر بالأوّل، وينهى عن الثاني.
وهذا يدلّ على التوائم بين العقل الإنسانيّ والفطرة الإنسانيّة وبين ما يريده الله تعالى في رسالته.
فمعروف لدى الفطرة الإنسانيّة والعقل الإنسانيّ دعوتهما إلى كلّ ما يتكامل من خلاله الإنسان فردًا ومجتمعًا من عِفّة الفرد، إلى الإحسان إلى الآخر، إلى خدمة الناس، وما تستنكره الفطرة الإنسانيّة هو ما يتسافل به الإنسان فردًا ومجتمعًا كأذيّة الناس والتعدّي على حقوقهم. وعلى هذا الأساس فإنَّ القرآن الكريم يدعو إلى أمرين:
1- أن يلتزم الإنسان نفسه المعروف، ويُبعد نفسه عن المنكر.
2- أن يأمر الآخرين بالمعروف وأن ينهاهم عن المنكر.
والهدف هو تحقيق الكمال الفردي والاجتماعي، وهذا ما يرشد إليه الإمام الباقر (ع) من خلال بيانه سبعة إيجابيّات لهذه الفريضة، إذ يقول (ع): "إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر...فريضة عظيمة بها:
1- تُقام الفرائض.
2- وتأمن المذاهب.
3- وتحلّ المكاسب.
4- وتُردّ المظالم.
5- وتعمر الأرض.
6- ويُنتصف من الأعداء.
7- ويستقيم الأمر"[2].
وحتى لا يتوجَّس الإنسان خيفة من الآثار السلبيّة لهذه الفريضة أعلن الإمام عليّ (ع) في خطبة له عن ضمانة إلهيّة تتعلّق بذلك، فقال (ع): "...اعلموا أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يقرِّبا أجلاً ولن يقطعا رزقًا"[3].
آثار ترك الفريضة
وبسبب أهميّة هذه الفريضة بيَّن الإسلام الآثار السلبيّة الشديدة لتركها، وهي آثار تتحقّق على الفرد والمجتمع، ففي رواية عن الإمام أبي جعفر(ع) :" أوحى الله إلى شعيب النبي (ع): إنّي معذِّب من قومك مئة ألف: أربعين ألفاً من شرارهم، وستين ألفاً من خيارهم، فقال (ع): يا ربّ، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار ؟ فأوحى الله عزّ وجل إليه: داهَنوا أهلَ المعاصي، ولم يغضبوا لغضبي"[4].
في قصة بني اسرائيل الذين حرَّم الله تعالى عليهم صيد السمك يوم السبت، وابتلاهم تعالى بكثرة الأسماك على شواطئهم في يوم التحريم بخلاف الأيَّام الأخرى، قال تعالى: " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ "[5].
فما كان من أولئك الصيادين إلا أن قاموا بحفر أحواض قرب الساحل، وتركوها مفتوحة لتدخل إليها مياه البحر والأسماك، ثم بعد ذلك كانوا يقفلونها إلى أن يجيء يوم الأحد ليخرجوا منها الأسماك. وقد التفت المؤمنون إلى أنّ هذا نوعاً من التلاعب بالشريعة، والتفافاً على الحرام بحرام، فأقبلوا ينهون الصيادين عن هذا المنكر، إلا أنّ فريقاً تدخّل يحاور الناهين مستنكراً نهيهم للصيادين الفاسقين، قال تعالى (وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ )[6]. وقصّ علينا القرآن نهاية هذه القصّة بقوله تعالى: (فَلَمَّا عَتَوْاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ)[7].
فمن هم الذين مسخهم الله إلى قردة خاسئين؟
تشير الروايات أنّ الممسوخين هم: الصيادون، والمستنكرون نهي الصيادين عن المنكر"[8].
آثار ترك النهي عن المنكر
وحينما يترك المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنّ هناك عواقب سوف يواجهها يمكن بيانها في العناوين الآتية:
1- نزع البركات من المجتمع
عن النبي(ص):"لا تزال أمتي بخير ، ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك ، نزعت منهم البركات"[9].
2- تسلّط الأشرار على المجتمع
عن الإمام علي(ع): "لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فيولَّى عليكم شراركم"[10].
3- عدم استجابة الدعاء
ويكمل الإمام علي(ع) الحديث السابق بقوله:"...ثم تدعون فلا يُستجاب لكم"[11].
ومن أخطر الآثار على ترك الفريضة انقلاب المفاهيم
عن أبي عبد الله (ع) قال: قال النبيّ (ص): "كيف بكم إذا فسدت نساؤكم وفسق شبابكم ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر، فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟فقال:نعم، وشرّ من ذلك كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، فقيل له: يا رسول الله ويكون ذلك؟ قال: نعم، وشرّ من ذلك، كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا والمنكر معروفًا"[12].
وانقلاب المفاهيم في عصرنا أسهل ممّا مضى، وذلك بسبب وسائل الإعلام التي غزت كلّ إنسان والتي تُدفع ويُدفع إلى الكثير منها الكثير من الأموال الهائلة لأجل بثّ المفاهيم التي تريد، وهذا يتطلّب مواقف جريئة في وجه من يعمل لقلب المعروف إلى منكر والمنكر إلى معروف. وإلى صبر وثبات في المواجهة.
لعلّ من أبرز ما نواجهه اليوم في داخل الأمّة الإسلاميّة في عملية قلب المفاهيم هو ما يصرّح ويقوم به الوهابيّون التكفيريّون، لتربية جيل مسلم على مفاهيم لا تمتّ للعقل السليم ولا للفطرة السليمة، وبالتالي لا تمتّ للإسلام بصلة، ككون الإسلام دين ذبح وحرق وتوحّش وإقصاء وما إلى ذلك.
ولا تقتصر الأمور على المفاهيم بل هم يعملون على قلب الوقائع كالذي حصل ويحصل في اليمن، ففيها شعب حرّ يريد الخروج من حالة الذلّ والتبعيّة والرجعيّة إلى الكرامة والاستقلال والتقدّم، وقد رأى الوهابيّون من آل سعود في ذلك خروجًا عن طاعة سيّدهم الأمير بحياكة أو دفع من الإدارة الأمريكيّة، فبدأ القصف والتدمير وقتل الأطفال والنساء والشيوخ واستهداف أماكن على الطريقة التي عهدناها من العدوّ الإسرائيليّ نفسها..وجيّشوا لذلك عربًا وعجمًا.
- لعلّهم كانوا يظنون، كما بيّنت وسائل إعلامهم، أنّه خلال يومين تسقط اليمن، وترجع إلى العبوديّة السابقة، لكنّهم تفاجأوا بالصمود والعزّة والإباء.
- لعلّهم كانوا يظنّون بعد ذلك أنّ اليمنيّين سَيَقْصِفُون مملكتهم فيتذرّعون بهذا لينقضّوا مع الجيوش الأخرى عليهم، لكنّهم تفاجأوا بوعي اليمنيّين الذين أعطوا أولويّة لتطهير اليمن ممَّن يتواطأ مع الأمراء.
- لعلّهم كانوا يظنّون أنّ الجمهوريّة الإسلاميّة في إيران سوف تتوتّر ليستفيدوا من توتّرها ليعلنوا حربًا تحت عنوان سنّي وشيعيّ، ولكنّهم تفاجأوا بحكمة القيادة الإيرانيّة التي لم تعطهم ذريعة لما يريدون تحقيقه.
والنتيجة أنّ السعوديّة اليوم بدأت في حفر قبرها بنفسها، لا سيّما بعد أن أقحمت نفسها وجنودها بهذه المقامرة أمام اليمنيّين الذين نعرف جيّدًا أنّهم يصمدون رغم الآلام والجراح، وأنّ كفاءتهم في ذلك عالية، وحينما يفشلون الهجوم السعوديّ يكونون منتصرين، إن نصرهم ليس بقصف السعوديّة أو بالزحف إليهم، نصرهم بأن يُفشلوا هجوم أمراء آل سعود وحينما يضطّر آل سعود إلى التراجع، أو إلى القبول بالحوار السياسيّ العادل يكون ذلك انتصارًا لليمنيّين الأحرار.
[1] سورة آل عمران، الآية 104.
[2] الحليّ، الحسن، مختلف الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة النشر الإسلاميّ، ط1، قم، 1413هـ، ج4، ص 461.
[3] الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، ج16، ص 122.
[4]الحرّ العامليّ، محمّد، وسائل الشيعة، ج16، ص 146.
[5]سورة الأعراف، الآية 163.
[6]سورة الأعراف، الآية 164.
[7]سورة الأعراف، الآية 166.
[8]أنظر: المشهديّ، محمّد، تفسير كنز الدقائق وبحر الغرائب، تحقيق حسين دركاهي، ط1، طهران، شمس الضحى، 1387ه.ش، ج5، ص 209.
[9]النوري، حسين، مستدرك الوسائل، ج12، ص 182.
[10]ابن أبي طالب، الإمام علي، نهج البلاغة، ج3، ص 77.
[11]المصدر السابق نفسه.
[12]الكليني، محمّد، الكافي، ج5، ص 59.