مقابلة مع مجلة النور الجديد

مقابلة مع مجلة النور الجديد

مقابلة | حسن خليفة – بيروت
٢٥/٠٢/٢٠١٦


الإسلام والكفر مفهومان متقابلان يحتاجان إلى عناية دقيقة في البحث عنهما كمصطلح وهوية، فتحديد معنى الإسلام يساعد في معرفة حقيقة الكفر، ويستدعي البحث عن الإسلام والإيمان من ناحية المعنى والمحقِّقات، وفي محاولة لإزالة الغشاوة عن أبصار وبصائر كل باحث عن حقيقة المفهومَين، طرقنا أبواب الشيخ الدكتور أكرم بركات الذي صدر له مؤخراً كتاب حمل عنوان: "التكفير، ضوابط الإسلام وتطبيقات المسلمين"، وفي حضرته انطلق الحديث بداية عن الإسلام من حيث المعنى الاصطلاحي وكيفية تحقّق هويته، لأن من يعرف الإسلام حقيقةً يعرف الكفر ومعناه حقيقةً، فقال الشيخ الدكتور أكرم بركات:"الإسلام هو عنوان لتحديد الهوية، يمكن أن يعدّ من المصطلحات القانونية لتحديد هوية المنتمي إليه، وحينما تتعلّق قضية الإسلام على المستوى الاصطلاحي بالقانون والدخول في الهوية الإسلامية، يكون المعنى وليد النّص وليس وليد العقل، فعادة وقبل أن يجيب الباحث عن أيّ سؤال عليه تحديد مرجعية الجواب التي هي النّص، والنّص الإسلامي عبارة عن القرآن الكريم والسنّة النبويّة الشريفة".ومن هذا المنطلق ينبغي بداية استنطاق القرآن الكريم، لنعرف أن الإسلام فيه استُعمل بالمعنى اللغوي، وفي آياته ما يحدّد الإسلام كهوية من خلال اللفظ كقوله تعالى:
﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ، وحول هذا يعلّق الشيخ الدكتور أكرم بركات قائلاً: "هذه الآية تدلّ على أن هناك فرقاً بين الإسلام والإيمان، فالله تعالى مع علمه بأن هؤلاء الأعراب لا يؤمنون قَبِلَ منهم الإسلام، وهذا يعني أنّ الإسلام يتحقّق من خلال القلب واللسان، وهو أمر موضوعي عقلاني، لأنّ تحديد الهوية لا بدّ له من معيار موضوعي، ولا يمكن للمرء حسم اعتقاد الآخرين أو عدم اعتقادهم خوفاً أو اقتناعاً، وقد وردت في صحيح مسلم رواية مفادها أن أسامة بن زيد حينما كان في سرية أراد أن يقتل عدواً كافراً ولـمّا رفع السيف في وجهه قال له العدو: "أشهد أن لا إله إلا الله" فقتله أسامة، وبعد أن قتله دخل في نفسه شيء، فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله)، فسأله النبي (صلى الله عليه وآله) مستنكراً: هل قال لاإله إلا الله وقتلته؟! قال نعم إنما قالها متعوّذاً من السلاح، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) هلّا شققتَ قلبه".

وهكذا يمكن معرفة أنّ تحديد الهوية الإسلامية لا يتحتّم من خلال قراءة ما في القلوب، بل من خلال معيار موضوعي أكّده القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وهو ما ورد في جميع المصادر الإسلامية الأصيلة من أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقبل الإسلام بمجرد الشهادتين وهذا يعني أن الإسلام كمصطلح يتحقّق بمجرّد الشهادتين وهذا أمر مؤكّد في القرآن والسنة.

أمّا فيما يخصّ الإيمان من حيث معناه الاصطلاحي، فإنه يلتقي مع الإسلام على أساس العقيدة وليس على أساس اللفظ، وفي هذا تفصيلٌ يسبر أغواره الشيخ الدكتور أكرم بركات: "هناك ما يمكن أن نطلق عليه الإسلام الظاهري الذي يتعلّق بالهويّة، وهناك الإسلام الواقعيّ الذي يعبّر عن الإسلام الحقيقي والذي ينطلق من الاعتقاد، فمن يعتقد بالتوحيد والنبوّة الخاصّة هو مسلم واقعي، ويمكن القول أيضاً إنّ الإيمان ظاهريّ وواقعيّ، ولكن الأغلب في الإسلام هو الإسلام الظاهري، وفي الإيمان هو الإيمان الواقعي، وبهذا نستطيع أن نحدّد معنى الإيمان".

وفي ضوء التّعريف بمصطلحَي الإسلام والإيمان، يطرح السؤال التالي نفسه، كيف يمكن تحديدُ أصول الدين؟ وهو ما يجيب عنه الشيخ الدكتور أكرم بركات بالقول: "إنّ أصول الدين تعني العناصر التي لا بدّ لها أن تتحقّق لكي تتشكّل الهوية الإسلامية، وهي منحصرة بأصلين هما التوحيد والنبوة الخاصة، وهما يتحققان من خلال اللّفظ في الإسلام الظاهريّ، ومن خلال الاعتقاد في الإسلام الواقعي، أما فيما يخصّ المعاد، فأغلب العلماء يقولون إنَّ الإسلام لا يتحقّق بتحقّقه وهو ما خالف السيد الخوئي فيه المشهور، أمّا الإمامة فهي أصلٌ مذهبيٌّ، ومن جهة أخرى فإنّ العدل ليس أصل دين أو مذهب، وهو من الصفات الإلهية كالعلم والقدرة والإرداة وغير ذلك، وقد وضعه الشيعة كأصل فنيّ لأنهم يقولون بأن العقل العملي يدرك حسن الأشياء وقبحها، وبالتالي فإنّ العقل إنسانيّ يدرك الظلم والعدل ويستحيل من الله الظّلم، بينما الأشاعرة لا يقولون بأن العقل الإنسانيّ يدرك حسن الأشياء وقبحها، وبالتالي لا يدرك بنفسه قضية العدل، فوضع الشيعة العدل أصلاً من أصول الدين كأصل فنيّ وهو ليس أصلَ دينٍ أو مذهب، ولكن ليعبّروا عن النقطة الحساسة في تشكيل هويّتهم من الناحية الفكريّة والعقائديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة لأنها تشكّل محوراً في البناء الفكري".

وبعد هذا التوضيح يمكن الآن الوصول إلى موضوع الكفر والكافر، في ظلّ ما يرد حول أصالة موجودة في النصوص والآيات تكفّر المخالفين، فيقول الشيخ الدكتور أكرم بركات: "الكفر من الناحية اللغوية هو عدم الإيمان، وهو المعنى الأبرز الذي ينصرف إليه الذهن مباشرة، وحينما لا يؤمن المرء بشيء يكون كافراً به، والكفر بنفسه كما ورد في القرآن الكريم ليس سُباباً، فالقرآن الكريم نسب إلى أصحابِ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) قولهم: (كفرنا بجماعة التماثيل والأصنام)، وللإسلام حقُّه كدينٍ أن يحدّد الدائرة التي من خلالها ينتسب الإنسان إلى الإسلام، وأن يقول إنّ مَن يقع خارج الدائرة لا يكون مسلماً، فمَن ينطق بالشّهادتين مثلاً أو يولد من أب مسلم يكون مسلماً ومن لا يكون كذلك فهو كافر".

هذه الدائرة يمكن اعتبارها مجرّد إجراء تنظيميّ طبيعيّ، والقرآن الكريم لا يسبُّ مَن ينعتُهم بالكفر بتاتاً، إلّا أنّ قُبح المعنى "الكفر" انتقل إلى اللفظ بسبب الممارسات على المستوى الإجرائي التكفيري في الوقت الحالي، فالمشكلة ليست بالكفر إنما بترتيب الآثار على الكافر، ومنها ما يدخل في دائرة الخطر كما يقول الشيخ الدكتور أكرم بركات: "حينما نقول إن الكافر يقتل وتسبى نساؤه وتؤخذ أمواله، وإن الكفر يبرر الحرب، حينها تدخل الآثار دائرةَ الخطر، وبالرجوع إلى مادة الإيمان والكفر في القرآن الكريم نجد أنها تتعلّق بالتوحيد والنبوة، وهذا يعني أن معنى الكفر الاصطلاحي هو عدم الإيمان بالتوحيد أو بالنبوة الخاصة فقط، وقد ذكر الهيثمي في الزوائد حادثة تاريخية جرت مع أحد الصحابة واسمه حاطب بن بلتعة الذي أرسل رسالة إلى المشركين يُعلمهم بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) سيأتي إليهم ليبغَتَهم، وحين علم بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسل وراءه، فلمّا جاء قال أحد الصحابة: أأقتله يا رسول الله؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله) لا، وبقي حاطب بن بلتعة يعيش بين المسلمين ويعامل معاملتهم حتى مات، فهذا إسلام ظاهري لم يعدّه النبي كفراً يستوجب القتل".