نصوص ثقافية لموقع السيدة الزهراء -ع

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الحبيبة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الحبيبة
 
قال الله عزّ وجلّ:
﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[1]. إنّه توجيه من الله عزّ وجلّ للنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) أن لا يسألَ النّاسَ أجرًا وثوابًا على الجهد العظيم الذي بذله لأجل الإسلام، وبالتالي لأجل النّاس، لكن هناك استثناء: " إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى"[2]، فالرّسول (صلى الله عليه وآله) بتوجيهٍ من الله سبحانه يطلب من النّاس المقابلَ لجهده، ألا هو المودّة في القربى.

فمن هم القربى؟
هذا ما سأله بعض الصّحابة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كما تقدّم، فكان جوابه (صلى الله عليه وآله): "عليّ وفاطمة وابناهما"[3].
والمودّة تعني الحبّ المفعّل الذي يتحقّق من خلال السلوك العمليّ، وبما أنّ الحبّ هو انجذاب القلب بسبب كمال يراه المحبّ في المحبوب، فإنّ طلب المودّة للقربى (عليها السلام) يعني تفعيل الانجذاب إليهم بسبب ما يرى المنجذبون من كمالاتهم، لذا فإن الحديث عن مودّة السيّدة فاطمة (عليها السلام) يجرّنا إلى الحديث عن كمالاتها.

كمالات السيّدة فاطمة (عليها السلام)
وأيّ كمالاتٍ هي لفاطمة (عليها السلام)!!
1- إنّ كمالها (عليها السلام) تجلّى من عالم الأنوار قبل خلق هذا الكون، فعن الإمام الصّادق (عليه السلام) في حديثه عن جدّته السيّدة فاطمة (عليها السلام): "إنّ الله عزّ وجلّ خلقها من نور عظمته، فلمّا أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها"[4].

2- وفي عالم الجنّة ظهر الكمال الثّاني للسيّدة فاطمة (عليها السلام)، وذلك في معراج النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فعنه (صلى الله عليه وآله): "أخذ جبرائيل بيدي، وأدخلني الجنّة، وأدناني من شجرة طوبى، وناولني من ثمارها فأكلته، فحوّل الله ذلك ماءً في ظهري، فلمّا هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة (عليها السلام)، فحملت بفاطمة (عليها السلام)، فما قبّلتها قطّ إلاّ وجدتُ رائحة شجرة طوبى منها"[5].
وعن هذا ورد قول النبيّ (صلى الله عليه وآله): "فاطمة حوراء إنسيّة، كلّما اشتقتُ إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة (عليها السلام)"[6].

3- وبان كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) وهي جنين، في حديث غيبٍ، وذلك حينما قاطعت نساء قريش أمّها السيّدة خديجة الكبرى (عليها السلام)، فعن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف كان ولادة فاطمة (عليها السلام)؟ فقال: "نعم، إنّ خديجة (عليها السلام) لما تزوّج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) هجرتها نسوة مكة، فكنّ لا يدخلنَ عليها، ولا يسلّمنَ عليها، ولا يتركنَ امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة (عليها السلام) لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليه (صلى الله عليه وآله). فلمّا حملت بفاطمة (عليها السلام) كانت (عليها السلام) تُحدّثها من بطنها وتصبّرها، وكانت تكتم ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً فسمع خديجة (عليها السلام) تُحدّث فاطمة (عليها السلام)، فقال (صلى الله عليه وآله) لها: يا خديجة، من تُحدّثين؟ قالت (عليها السلام): الجنين الذي في بطني يُحدّثني ويؤنسني. قال (صلى الله عليه وآله): يا خديجة، هذا جبرئيل يُخبرني أنّها أنثى، وأنّها النَّسِلَة الطّاهرة الميمونة، وأنّ الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمّة، ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه"[7].

4- وظهر كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) المولودة، إذ لمّا وُلدت (عليها السلام) أشرق منها نورٌ حتى دخل بيوتات مكّة، ولم يبقَ في شرق الأرض وغربها موضع إلاّ أشرق فيه ذلك النور، وحدث في السماء نورٌ زاهر لم تره الملائكة من قبل.

5- وخلّد القرآن حديثه عن كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في آية التطهير[8]، وفي آية المباهلة[9]، وفي آية المودّة[10]. وقد تقدّم بيان ذلك.

6- وبيّنت الملائكة كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنّما سُمّيت فاطمة (عليها السلام) محدَّثة؛ لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران (عليها السلام) فتقول: يا فاطمة، الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين. يا فاطمة، اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين، فتُحدّثهم ويُحدّثونها. فقالت (عليها السلام) لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران (عليها السلام)؟ فقالوا: إنّ مريم (عليها السلام) كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ الله عزّ وجلّ جعلك سيّدة نساء عالمك وعالمها وسيّدة نساء الأوّلين والآخرين[11]".

7- وكبرت السيّدة فاطمة (عليها السلام) في كنف أبيها (صلى الله عليه وآله) ليُخبِر عن كمالها بأحاديث كثيرة منها:
- "فاطمة أمّ أبيها"[12].
- "أحبّ الناس إليّ من النساء، فاطمة"[13].
- "أحبّ أهلي إليّ فاطمة"[14].
- "من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي وروحي التي بين جنبيّ"[15].
- "رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، ومن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني"[16].
وكانت (عليها السلام) إذا دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام (صلى الله عليه وآله) إليها فقبّلها ورحّب بها وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه.

8- وظهرت كمالات السيّدة فاطمة زوجةً لوليّ الله (عليها السلام) تصبر على الفقر والجوع وهي تفتخر قائلة: "طوبى لامرأة رضي عنها زوجها"[17]. وعن كمالاتها يتحدّث الوليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: "فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمرٍ حتى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمرًا، ولقد كنت أنظر إليها، فتنكشف عنّي الهموم والأحزان"[18].

9- وتجلّى كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) أمًّا لأولادها الأطهار حيث، كما عبّر الإمام الخمينيّ (قده)،: "ربّت في حجرة صغيرة وبيت متواضع أشخاصًا يشعّ نورهم من بسيطة التراب إلى عالم الأفلاك، ومن عالم الملك إلى الملكوت الأعلى"[19].

10- وبرز كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) عالمةً حيث كانت تنشر تعاليم الإسلام، فقد ورد أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) سُئل عن بعض المسائل، فأجاب (عليه السلام) عنها، وعقَّب قائلاً: "إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بذلك فاطمة (عليها السلام)، وكانت (عليها السلام) تأمر بذلك المؤمنات"[20] ولميزتها في نشر هذه التعاليم المباركة سمّيت بالمحدِّثة.

11- وبان كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) عابدةً، فكانت تصلّي، وتطيل القيام حتى تتورَّم قدماها، وكانت (عليها السلام) تتغيّر معالمها في الصلاة من خشية الله، وقد عرف ذلك منها القريب والبعيد، فقد نُقل عن الحسن البصريّ قوله: "ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمة (عليها السلام)، كانت تقوم حتى تتورّم قدماها"[21].
وفي عبادتها (عليها السلام) عاشت الإنسانيّة بمعناها الواسع، فعن الإمام الحسن (عليه السلام): "رأيت أمّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتّضح عمود الصّبح، وسَمعتُها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتُكثر الدّعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه، لما لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بنيّ، الجار ثمّ الدار"[22].

12- وعُرف كمال السيّدة فاطمة مجاهدةً في الحرب الاقتصاديّة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شِعب أبي طالب ثلاث سنين حيث كانت تربط الحجر على بطنها من شدّة الجوع، وفي الحرب العسكريّة حيث كانت تداوي جرح أبيها (صلى الله عليه وآله) في معركة أُحُد، وتساعده في جهاده في معركة الخندق، وتدخل مع أبيها (صلى الله عليه وآله) وزوجها (ع ) فاتحةً إلى مكّة.

13- وشعَّ كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في ساحة الولاية والإمامة، حيث وقفت (عليها السلام) أمام من حاول أن يحرف التاريخ عن مسار الحقّ والعدالة، فاستطاعت بموقفها، وحركتها، وخطبتها السياسيّة الصّارخة، ووصيّتها الخالدة أن تحافظ على الحقّ ودوامه خارقًا كلّ جدر المستقبل وظلماته.

14- ومن أروع تجلّيات كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في مقامها عند الله تعالى هو حديث جبرئيل (عليه السلام) معها بعد رحيل أبيها النبيّ (صلى الله عليه وآله) حيث نزل يسلّيها ويخبرها بأحداث المستقبل التي ستنتهي بدولة الحقّ على يد حفيدها.
 
 سرُّ حبّها (عليها السلام)
لأجل كلِّ هذه الكمالات كان الحبّ للسيّدة فاطمة (عليها السلام)، الحبُّ لكمالاتها التي استمدّتها من كمالات ربّها، فتجلّت كمالاته عزّ وجلّ فيها، الحبّ الذي يجذب المُحبّ أن يسلك طريق الكمال، لتناله شفاعة الكاملة فاطمة (عليها السلام)، فتفطمه من العذاب، وهذا سرُّ اسمها فهي فاطمة (عليها السلام)؛ "لأنّها فطمت شيعتها من النار"[23]؛ وعن هذا المشهد يحدّثنا الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله الوارد عنه (عليه السلام): "إذا كان يوم القيامة...ينادي المنادي، وهو جبرئيل (عليه السلام): يا أهل الجمع، طأطئوا الرّؤوس، وغضّوا الأبصار؛ فإنّ هذه فاطمة (عليها السلام) تسير إلى الجنّة، فيأتيها جبرئيل (عليه السلام) بناقة من نوق الجنّة ...، فتناخ بين يديها فتركبها، فيبعث الله مائة ألف ملك ليسيروا عن يمينها، ويبعث إليها مائة ألف ملك ليسيروا عن يسارها، ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتى يصيّروها على باب الجنّة، فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت (عليها السلام)، فيقول الله: يا بنت حبيبي، ما التفاتك، وقد أمرت بك إلى جنّتي؟! فتقول (عليها السلام): يا ربّ، أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا بنت حبيبي، ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك أو لأحد من ذريّتك، خذي بيده، فأدخليه الجنّة، قال أبو جعفر (عليه السلام): والله يا جابر، إنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحَبّ الجيّد من الحبّ الرديء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا يقول الله: يا أحبّائي، ما التفاتكم، وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟! فيقولون: يا ربّ، أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا أحبّائي، ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة (عليها السلام)، فخذوا بيده، وأدخلوه الجنّة"[24].


[1] سورة الشورى، الآية 23.
[2] المصدر السابق نفسه.
[3] الطبراني، سليمان، المعجم الكبير، ج3، ص 47.
[4] الصدوق، محمّد، علل الشرائع، (لا،ط)، النجف، منشورات المكتبة الحيدرية، 1385هـ، ج1، ص 180.
[5] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج8، ص 120.
[6] الصدوق، محمّد، الأمالي، 546.
[7] الصدوق، محمّد، الأمالي، ص 690 - 691.
[8] سورة الأحزاب، الآية 33.
[9] سورة آل عمران، الآية 61.
[10] سورة الشورى، الآية 23.
[11] الصدوق، محمّد، علل الشرائع، ج1، ص 182.
[12] الطبرانيّ، سليمان، المعجم الكبير، ج22، ص 397.
[13] الأمينيّ، عبد الحسين، الغدير، ط4، بيروت، دار الكتاب العربي، 1397هـ، ج3، ص 24.
[14] المصدر السابق نفسه.
[15] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 54.
[16] المصدر السابق، ج 28، ص 357.
[17] الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، (لا،ط)، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1404هـ، ج1، ص14.
[18] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 134.
[19]
[20] البحرانيّ، يوسف، الحدائق الناضرة، (لا،ط)، قم، مؤسسة النشر الاسلامي، (لا،ت)، ج3، ص 297.
[21] الزمخشري، محمود، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تحقيق عبد الأمير مهنا، ط1، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1412هـ، ج2، ص104.
[22] الحرّ العاملي، محمد، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليه السلام)، ط2، قم، 1414هـ، ج4، ص 1150.
[23] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 4.
[24] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج8، ص 51-52.