نصوص ثقافية لموقع السيدة الزهراء -ع

السيِّدة فاطمة المشكاة (عليها السلام)

السيِّدة فاطمة المشكاة (عليها السلام)
 
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [1]

وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بالنّور؛

- لأن النّور لا ظُلمة فيه, والظلمة تمثّل العدم والنقص, والله تعالى وجود كامل مطلق في كماله لا نقص فيه.

- ولأن النّور ظاهر بنفسه مُظهِر لغيره, فهو الدالّ على الغير, وليس الغير دالاً عليه, وهو ما عبّر عنه الإمام الحسين(عليه السلام) في دعاء عرفة: "كيف يُستَدَّل عَلَيك بما هُو في وجوده مفتقرٌ إليك؟! أَيَكون لِغَيرك مِن الظّهور ما ليس لك، حتى يكون هو المُظهِر لك؟! متى غِبتَ حتّى تحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليك؟! ومتى بَعُدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عَمِيَت عينٌ لا تراك، ولا تزال عليها رقيباً، وخَسِرت صفقةُ عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيباً "[2].

- ولأنّ النّور هو الهادي عند ضلالة الطّريق كنور النّجوم, والله عزّ وجلّ هو هادي الإنسان كي لا يضلّ عن طريق الكمال.

- ولأنّ النّور هو المؤنس كاستئناس الإنسان بنور القمر، والله تعالى هو أنيس المؤمنين الذين يعيشون الوحشة في ظلمات الدنيا, وبتعبير أمير المؤمنين(عليه السلام) في دعاء كميل :"يا نُور المُستوحشين في الظُّلم"[3].

- ولأنّ الله تعالى كمالٌ مطلق يفيض كماله في عالم الإمكان، فهو نور ينبعث منه نور، فهو النّور، ومنه النّور، وكما ورد عن السيّدة الزهراء (عليها السلام) في الدّعاء الذي علّمته لسلمان الفارسيّ (رض): "باسم الله النّور، باسم الله نور النّور، باسم الله نور على نور، باسم الله الذي هو مدبّر الأمور، باسم الله خالق النّور من النّور..."[4].

لذا انتقل الله تعالى من وصف ذاته بالنّور إلى حديثه عن نوره المنبثق منه، وهو الحامل لكمالات إلهيّة فقال " مَثَلُ نُورِهِ "، أي مثل نور الله وليس مثل الله. إنّه حديثٌ عن النّور الممكن المنبثق من النّور الواجب، عن النّور المخلوق المنبعث من النّور الخالق.
إنّ هذه الآية تريد أن تقرّب لنا نوراً كماليّاً خلقه الله تعالى، وأمدّه من كمالاته، فأراد أن يقرّب لنا هذا النّور الممكن المخلوق الممتلئ نوراً من الله عزّ وجلّ، وهو نورٌ لا يمكن للآخرين مهما فعلوا أن يُطفئوه؛ لأنّه منبعثٌ من نور الله سبحانه، ولأنّ تمامه من فيض الله، فهو، كمال قال الله عزّ وجلّ:
﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه[5].

أراد الله تعالى أن يعرّفنا بنوره هذا بواسطة تقديم تشبيهيّ في أروع قالب بلاغيّ إعجازيّ، فقال عزّ وجلّ:
﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار[6].

تفسير آية النّور
المشكاة هي الكوَّة التي تكون في الحائط بلا منفذ، فمثل نور الله عزّ وجلّ كمشكاة في داخلها سراج، وهذا السراج موضوع في زجاجة؛ لأنّ الزّجاجة تزيد من نوره وإشعاعه أكثر، ومن الواضح أنّ نوعيّة الزّجاجة وصفاءها تلعب دوراً مهمّاً في مستوى انعكاس الإضاءة والنّور المنبعث، من هنا بيّن الله تعالى النّوعيّة العجيبة لهذه الزّجاجة بحيث وصفها وكأنّها كوكبٌ من درّ، والذي هو بطبيعته صافٍ جداً إضافةً إلى جماله وحسنه.

ولمقاربة هذا التوصيف، لنتصوّر القمر الذي له إضاءة عالية جميلة هادية مؤنسة مع أنّه حجر مظلم كثيف معتم في نفسه، فكيف لو كان القمر مكوّناً من درّ! ترى كيف تكون إنارته وضوؤه وإشعاعه. إنّ الزجاجة التي تحضنها المشكاة وتحيط بالمصباح هي زجاجة نقيّة صافية كأنّها كوكب دريّ.

ومن الواضح أيضاً أنّ الوقود له دور كبير في صفاء النّور ومستوى انبعاثه واستمراره، لذا كان حديث الله عزّ وجلّ عن وقود المصباح، وبأنّه يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ. إنّها شجرة كثيرة البركة في جمالها ومنافعها من حيث الزّيتون إلى الزّيت إلى النّواة وغير ذلك، وهذه الشّجرة (الزّيتونة) التي يستسقي منها المصباح وقوده متميّزة من ناحية نورها، فالزّيتونة التي نعهدها في أراضينا نلاحظ أنّها حينما تشرق الشمس عليها يتوهّج قسمها الشرقيّ بخلاف قسمها الغربيّ، وأثناء انتقال الشمس إلى الغروب يتوهّج قسمها الغربيّ بخلاف قسمها الشرقيّ، أمّا الشّجرة الزّيتونة المباركة في آية النّور فهي زيتونة " لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ"، فهي دائماً متوهّجة بنورها دون أن يقع عليها ظلّ شرق أو ظلّ غرب. وإضافةً إلى ذلك، فإنّ الضياء ينبعث عادة من النّار التي تأخذ وقودها من الزّيت، إلا أنّ زيت هذه الشّجرة من صفائه ونقائه وشفافيّته يكاد يضيء " وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ".

فالمصباح نور، والزجاجة نور، والشّجرة نور، والزّيت نور، وهي نورٌ على نور.
 
تأويل آية النّور
وتُتابع الآية الكريمة
﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ .
إنّه تصريح بأنّ كلّ ما ذُكر هو تمثيل لحقائق أراد الله عزّ وجلّ أن نعرفها، ونهتدي إليها.
فما المراد بتلك الأنوار التي ضرب الله تعالى بها مثلاً؟
وما المراد بالمصباح، والزّجاجة، والشّجرة الزّيتونة؟
وما المراد بالمشكاة التي صدّر الله بها التمثيل بالنّور، والتي هي منطلق النّور ومركز إشعاعه؟
الجواب نقراه في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيها: " فِيهَا مِصْبَاحٌ": الحسن (عليه السلام)،  "المصباح في زجاجة": الحسين (عليه السلام)[7].
فالإمام الحسن(عليه السلام) هو المصباح المنير، إلا أنّ الذي ينشر نوره وضياءه وصفاءه هو الإمام الحسين (عليه السلام).

ويُكمل الإمام الصادق (عليه السلام) حديثه عن تأويل الشّجرة المباركة الزّيتونة الّتي توقد ذلك المصباح، فيتحدّث عن جذور الإمام الحسن والحسين  (عليه السلام) من الإمام عليّ (عليه السلام) إلى خاتم الأنبياء "ص" إلى آبائهما في السّلسلة الطاهرة التي يرجعان بواسطتها إلى جدّهما خليل الله إبراهيم (عليه السلام) فيقول (عليه السلام): " يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ": إبراهيم (عليه السلام)، "زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ": لا يهوديّة ولا نصرانيّة"[8] ويكمل تأويل النّور على النّور فيقول (عليه السلام): " نُّورٌ عَلَى نُورٍ ": إمامٌ منها بعد إمام، "يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء ": يهدي الله للأئمة (عليه السلام) من يشاء"[9].

بقي تأويل المشكاة التي هي بيت النّور ومصدر انبعاثه، ومنطلق ضيائه فما المراد بالمشكاة؟ يجيب الإمام الصّادق (عليه السلام): " مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ": فاطمة (عليها السلام)[10].

وفي الإطار ذاته ورد عن عليّ بن جعفر (رض) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ "كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ"، قال: "المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن، والحسين الزّجاجة، كأنّها كوكب دريّ قال: كانت فاطمة كوكباً دريّاً من نساء العالمين، يوقد من شجرة مباركة الشجرة المباركة إبراهيم لا شرقيّة ولا غربيّة لا يهوديّة ولا نصرانيّة، يكاد زيتها يضيء قال (عليه السلام): يكاد العلم أن ينطق منها ولو لم تمسسه نار، نور على نور قال: ابنها إمام بعد إمام يهدي الله لنوره من يشاء قال (عليه السلام): يهدي لولايتهم من يشاء[11]".

وورد عن الكابليّ: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قول الله عز وجل:" فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنّور الَّذِي أَنزَلْنَا "[12] فقال: "يا أبا خالد, النّور، والله، الأئمّة من آل محمد "ص" إلى يوم القيامة، وهم, والله, نور الله الذي أنزل. وهم، والله، نور الله في السماوات وفي الأرض. والله، يا أبا خالد, لَنُور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنّهار. وهم والله ينورّون قلوب المؤمنين، ويحجب الله عز وجل نورهم عمّن يشاء, فتضلّلهم قلوبهم. والله يا أبا خالد, لا يحبّنا ويتولاّنا حتى يطهّر الله قلبه, ولا يطهّر الله قلب عبد حتى يسلّم لنا, ويكون سلماً لنا, فإذا كان سلماً لنا سلّمه الله من شديد الحساب، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر"[13].

 وورد في الزيارة الجامعة: "خلقكم الله أنواراً، فجعلكم بعرشه محدقين"[14]،

وورد في زيارة الإمام الحسين: "أشهد أنَّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة"[15]، وورد في زيارة الإمام الكاظم(عليه السلام): "السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض"[16]،

وفي هذا المعنى أنشد الشاعر:
هم النّور نور الله جل جلاله        هم التّين والزّيتون والشفع والوتر

فاطمة (عليها السلام) النّور
انسجاماً مع ما تقدّم ورد عن رسول الله (ص): " ...ونور ابنتي فاطمة (عليها السلام) من نور الله"[17]، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن الله سبحانه لما خلق إبراهيم (عليه السلام) كشف له عن بصره، فنظر فرأى نوراً إلى جنب العرش، فقال (عليه السلام): الهي، ما هذا النّور؟ فقيل له: هذا نور عليّ بن أبي طالب عليه السلام ناصر ديني. ورأى إلى جنبه ثلاثة أنوار، فقال (عليه السلام): الهي، وما هذه الأنوار؟ فقيل له: هذا نور فاطمة (عليها السلام) فطمتُ محبَّها من النار، ونور ولديها الحسن والحسين عليهما السلام. فقال (عليه السلام): الهي، وأرى تسعة أنوار قد حفّوا بهم، قيل: يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولد عليّ وفاطمة (عليها السلام) [18]".


[1] سورة النّور، الآية 35.
[2] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج64, ص 142.
[3] ابن طاووس، علي، إقبال الأعمال، ج3، ص337.
[4] الراوندي، قطب الدين، الدّعوات، تحقيق ونشر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ط1، قم، 1407هـ، ج1، ص208.
[5] سورة الصف، الآية 8.
[6] سورة النّور، الآية 35.
[7] الكليني، محمد، الكليني، ج1، ص480.
[8] الكليني، محمد، الكليني، ج1، ص480.
[9] المصدر السابق نفسه.
[10] المصدر السابق نفسه.
[11] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج23، ص316.
[12] سورة التغابن، الآية 8.
[13] الكليني، محمد، الكافي، ج1، ص194.
[14] المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين، (لا،ط)، قم، بنياد فرهنك، (لا،ت)، ج5، ص484.
[15] ابن طاووس، علي، إقبال الأعمال، ج2، ص590.
[16] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج102، ص14.
[17] المصدر السابق، ج15، ص10.
[18] البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج5، ص133.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المحدَّثة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المحدَّثة
 
من صفات السيّدة فاطمة (عليها السلام) "المحدَّثة". والمحدَّث هو مصطلح خاص يُطلق على الإنسان الذي وصل إلى مرتبة ومقام يسمع فيه صوت الملك الذي يحدّثه, فقد ورد عن الإمام الصّادق(عليه السلام) "الرّسول: الذي يظهر له الملك فيكلّمه, والنبيّ: الذي يؤتى في منامه, وربّما اجتمعت النبوّة والرّسالة لواحد, والمحدَّث: الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة "[1].

المحدَّثات في القرآن الكريم
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم ثلاث محدَّثات من قِبَل الملائكة وهنّ:

1-  السيّدة مريم (عليها السلام)
قال الله عزّ وجلّ : "وإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ "[2].
وقال تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ "[3]
وقد نَصَّ القرآن الكريم على حوار بين مريم (عليها السلام) وملك أرسله الله إليها, قال جلّ وعلا: " فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (*) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (*) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (*) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (*) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا"[4].
 
2-  سارة زوجة النبيّ ابراهيم(عليه السلام)
قال الله تعالى:" وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ" [5]

3-  أم النبيّ موسى(عليه السلام)
قال الله عزّ وجلّ:" وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ "[6]

فاطمة (عليها السلام) أفضل المحدَّثات
إنْ كان وصول هؤلاء النسوة إلى مرتبة المحدَّثات ينطلق من مكانتهنّ ومقامهنّ عند الله عزّ وجلّ، فمن الطبيعيّ أن تكون السيِّدة فاطمة (عليها السلام) من المحَدَّثات؛ لكونها، بإجماع المسلمين أفضل نساء أهل الجنة وسيدتهنّ، فإضافةً إلى ما ورد في كتب الشّيعة روى البخاريّ في صحيحه عن النبيّ(ص) :"فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة"[7].
وروى مسلم في صحيحه أنّ النبيّ(ص) قال للزّهراء(عليه السلام):" يا فاطمة, أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين, أو سيّدة نساء هذه الأمّة"[8]

حديث الملك مع فاطمة (عليها السلام):
تحقيقاً لما تقدّم ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) :" إنّما سُمّيت فاطمة محدَّثة؛ لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول : يا فاطمة، إنّ الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة، اقنُتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين، فتحدّثهم ويحدّثونها، فقالت (عليه السلام) لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ الله عزّ وجلّ جعلك سيّدة نساء عالمك وعالمها وسيّدة نساء الأولين والآخرين"[9].
إضافةَ إلى هذه الرواية المفسّرة لكون السيّدة الزهراء (عليها السلام) محدَّثة, فإنّ هناك روايات أخرى أدّت الوظيفة التفسيرية ذاتها, لكنّها دارت حول ناتج حديث الملك مع السيّدة الزهراء (عليها السلام) بما عُرِف بمصحف فاطمة (عليها السلام). وقد ورد الحديث عن مصحف فاطمة (عليها السلام) في روايات عديدة لا شكّ ولا ريب في الاعتبار السنديّ بجملة منها, من قبيل الرواية الصحيحة التي رواها الكليني(ره) في كتابه الكافي بسنده عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْجَفْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَمْلُوءٌ عِلْماً، قَالَ لَه: فَالْجَامِعَةُ؟ قَالَ: تِلْكَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي عَرْضِ الأَدِيمِ مِثْلُ فَخِذِ الْفَالِجِ، فِيهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْه، ولَيْسَ مِنْ قَضِيَّةٍ إِلَّا وهِيَ فِيهَاـ حَتَّى أَرْشُ الْخَدْشِ، قَالَ: فَمُصْحَفُ فَاطِمَةَ (عليها السلام)؟ قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلاً ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): إِنَّكُمْ لَتَبْحَثُونَ عَمَّا تُرِيدُونَ وعَمَّا لَا تُرِيدُونَ، إِنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه (ص) خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا، وكَانَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا، ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه، ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا، وكَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَكْتُبُ ذَلِكَ، فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ (عليها السلام).."[10].

حدّدت هذه الرواية جملةً من العناوين المتعلّقة بحديث الملك مع السيّدة الزهراء (عليها السلام) هي:
1-  المملي هو الملك جبرئيل (عليه السلام).
2-  المملَى عليها هي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
3-  الكاتب هو أمير المؤمنين عليّ ابن ابي طالب(عليه السلام).
4-  المناسبة هي التعزية بعد رحيل رسول الله(ص).
5-  الكتاب هو مصحف فاطمة (عليها السلام).
  
الجدل حول مصحف فاطمة (عليها السلام)
إنّ تسمية هذا الكتاب بمصحف فاطمة (عليها السلام) كان منشأً لجدل واسع, واتّهامٍ للشّيعة بأنّهم يعتقدون بقرآن خاصٍّ يختلف عن القرآن المعروف [والعياذ بالله], وقد نُشرت هذه التّهمة بكتبٍ ومقالاتٍ وقنواتٍ وإذاعاتٍ بهدف التفرقة بين المسلمين في قضيّة غاية في الأهمّية تدور حول الثقل الأكبر المقدّس.
ومع أنّ علماء الشّيعة تصدّوا دفاعاً عن القرآن الكريم وعصمته وتنزيهه من التحريف, ودفعاً للشّبهات المغرضة, إلا أنّ اللافت للانتباه هو ما نصّ عليه الإمام الخميني(قده) في وصيّته مفتخراً بهذا الكتاب قائلاً: "نحن نفتخر أنّ منّا...مصحف فاطمة ذلك الكتاب المُلهَم من قبل الله للزّهراء المرضيّة"[11].
 
أسئلة حول مصحف فاطمة (عليها السلام)
لتوضيح العديد من الحقائق حول هذا الكتاب نجيب على الأسئلة الآتية:

س1: ما معنى مصحف ؟
قد يظنّ البعض أنّ كلمة المصحف تعني القرآن مع أنّ هذا خلاف الواقع, فالمصحف كما نصّ أهل اللغة هو "الجامع للصّحف المكتوبة بين الدّفتين"[12]، وهذا تعبير آخر عمّا نطلق عليه هذه الأيّام "الكتاب المجلّد", لهذا نلاحظ أنّ الجاحظ سمّى كلَّ جزء من أجزاء كتابه "الحيوان" بـ "مصحف", وكَتَبَ في نهاية الجزء الأول: "تمّ المصحف الأول, ويتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان" وكتب في نهاية الجزء الثاني: "كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان" وهكذا...[13]
ومع أنّ لفظ المصحف كثُر استعماله في القرآن الكريم بعد مجيء الإسلام, وأصبح مشهوراً في هذا المعنى, إلا أنّ شهرته هذه لم تلغِ استعماله في معناه اللّغويّ الواسع. قال الدكتور ناصر الدّين الأسد في مصادر الشعر الجاهليّ: "وكانوا كذلك يطلقون على الكتاب المجموع لفظ "المصحف", ويقصدون به مطلق الكتاب لا القرآن وحده"[14]
وقد استشهد بما ذكره ثلّة من العلماء في ترجمة التابعيّ خالد بن معدان بأنّ عمله كان : "في مصحف له أزرار وعرى"[15].
وذكر الأستاذ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه "معرفة النسخ والصحف الحديثية" أنّ لفظ مصحف هو من جملة المصطلحات المعبّرة عن أنواع الأوعية التي كانت تدوّن فيها السُّنن"[16].
إذاً لا يصحّ الاعتماد على تسمية كتاب فاطمة (عليها السلام) بـ "مصحف فاطمة (عليها السلام)" لاتّهام الشّيعة بوجود قرآنٍ خاصٍّ باسم مصحف فاطمة (عليها السلام).
  
س2 – ما هو محتوى مصحف فاطمة ؟
تعرّضت روايات مصحف فاطمة (عليها السلام) إلى محتواه بعنوانين : المحتوى المنفيّ, والمحتوى المُثبت.

المحتوى المنفيّ:
نفت الروايات اشتمال مصحف فاطمة (عليها السلام) على أمرين هما:

1- القرآن
ومن تلك الروايات الواردة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام):
- "....وخلّفت فاطمة مصحفاً ما هو قرآن"[17].
- "...ومصحف فاطمة, أما والله ما أزعم أنّه قرآن"[18].
- "عندي مصحف فاطمة, ليس فيه شيء من القرآن"[19].
- "....مصحف فاطمة, ما فيه شيء من كتاب الله"[20].
- "....وعندنا والله مصحف فاطمة, ما فيه آية من كتاب الله"[21].
- "....وعندنا مصحف فاطمة, أما والله ما فيه حرف من القرآن"[22].
 
2- الأحكام الشرعية
في رواية حمّاد بن عثمان عن الإمام الصادق(عليه السلام): " تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة, وذلك أنّي نظرت في مصحف فاطمة...أما أنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام, ولكن فيه علم ما يكون"[23].

المحتوى المُثبت
ورد في الروايات ما يدلّ على احتواء مصحف فاطمة على الأمور الآتية:

1-  مقام النبيّ الأعظم(ص)
في صحيحة أبي عبيدة عن الإمام الصادق(عليه السلام): "... كَانَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا، ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه... وكَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَكْتُبُ ذَلِكَ، فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ "[24].

2-  مستقبل ذريّة الزهراء (عليها السلام)
وفي نفس الراوية السابقة: ".... ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا ".

3-  الحوادث المستقبليّة
عن الإمام الصّادق(عليه السلام):...وأمّا مصحف فاطمة, ففيه ما يكون من حادث"[25].

وفي رواية أخرى تقدّمت: "...فيه علم ما يكون"[26].
 
4-  أسماء الأنبياء والأوصياء
عن الإمام الصّادق(عليه السلام):" ما من نبيّ ولا وصيّ...إلا وهو في كتاب عندي"[27]- يعني مصحف فاطمة (عليها السلام).[28]

5-  أسماء الملوك وآبائهم
عن الإمام الصّادق(عليه السلام): "وأمّا مصحف فاطمة, ففيه ما يكون من حادث, وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة"[29].

استفادة من روايات المحتوى
إنّ المتأمّل في محتوى مصحف فاطمة (عليها السلام)، بحسب الروايات التي تقدّمت يستفيد أنّه كتاب يتحدّث عن تاريخ البشريّة ومستقبلها بأحداثها الماضية والآتية, ففيه أسماء الأنبياء والأوصياء. ونحن نعرف أنّ أوّل إنسان كان نبيّاً, وهذا يعني أنّه تناوَلَ تاريخ البشرية من أوّله, وفيه أسماء الملوك إلى أن تقوم الساعة. وهذا يعني أنّه تناول مستقبل البشرية انتهاءاً بآخره. والأمر ليس مقتصراً على أسماء الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام) والملوك بل على جميع الحوادث, وفيه حديث عن مستقبل ذريّتها, وهذا يعني أنّه يتضمّن الحديث عن دولة الحقّ العالميّة بقيادة حفيدها الإمام المهدي(عج). إذاً مصحف فاطمة (عليها السلام) هو كتاب المخطَّط الإلهي لقافلة البشريّة منذ وجودها إلى قيام الساعة[30].
من هنا نفهم كون حديث المصحف هو لعزاء السيّدة الزهراء (عليها السلام) وتطييب نفسها؛ لأنّ المأساة التي ستجري على ذريّتها –رغم حجمها الكبير- إلا أنّها ستنتهي بتحقيق حفيدها الحادي عشر للمشروع الإلهيّ الأتمّ, لحلم الأنبياء والأوصياء, لدولة العدل العالميّة.
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا النوع من الإخبار فيه تطييب لنفسها (عليه السلام) وعزاء بمصيبتها بأبيها (ص), وأنّ مشروعه الإلهيّ لن يستطيع أحد أن يطفئه، بل سيتحقّق بعد حين.
 
س3: هل يصحّ نزول جبرئيل (عليه السلام) بعد انقطاع النبوّة؟
قد يقول قائل: إذا سلّمنا بأن حديث الملائكة مع السيِّدة الزهراء (عليها السلام) لا مانع منه, ولكنّ المشكلة تبقى في نزول الملك جبرئيل (عليه السلام) بعد وفاة النبيّ(ص) إلى الأرض, فقد ورد أنّه بعد وفاته(ص) ودّع جبرئيل (عليه السلام) الأرض قائلاً: "هذا آخر وطئي بالأرض"[31]. فكيف ينسجم هذا مع القول بأنَّ مصحف فاطمة (عليها السلام) قد أملاه جبرئيل (عليه السلام) على السيِّدة فاطمة بعد وفاة أبيها(ص)؟!.

وهنا قد يتفاجأ القائل من المجيب والجواب معاً, فالمجيب هو أحد أقطاب علماء أهل السنّة وهو الحافظ السّيوطيّ, وجوابه هو أنّ هذا الحديث ضعيفٌ جدّاً سواء بصيغته الواردة في السّؤال أم بصيغته الأخرى, وهي "هذا آخر عهدي بالأرض بعدك", وسبب الضعف عند الحافظ السّيوطيّ ليس أساسه سند الحديث ورجاله الرواة, بل لأنّه يخالف ما يقطع به المسلمون، وما رووه في كتبهم وهو أمران:

الأوّل: إنّه من غير المسلّم أنّ نزول جبرئيل (عليه السلام) وقت وفاة النبي(ص) هو آخر نزول له على الأرض؛ فإنّ لجبرئيل (عليه السلام) نزولاً سنوياًّ إليها، فقد ورد: إنّه ينزل ليلة القدر مع الملائكة يصلّون على كلّ قائم وقاعد يذكر الله.       

الثاني: إنّ وحي جبرئيل (عليه السلام) لم ينقطع بوفاته(ص) عام الانقطاع, بل لجبرئيل(عليه السلام) وظيفة أخرى, وهذا ما نفهمه من خلال حديث "يوحي الله الى عيسى(عليه السلام) أي بعد قتله الدجّال, وهو –أي الحديث كما قال السيوطيّ- "صريح في أنّه يُوحَى إليه بعد النزول, والظاهر أن الجائي إليه(عليه السلام) بالوحي جبريل(عليه السلام), بل هو الذي يُقطع به ولا يُردّد فيه؛ لأنّ ذلك وظيفته؛ لأنّه السفير بين الله ورسله عليهم الصلاة والسلام"[32].
 
استفادة من نزول جبرئيل (عليه السلام)
لقد استفاد الامام الخمينيّ(قده) من نزول جبرئيل (عليه السلام) على السيّدة الزهراء (عليها السلام) مقاماً عظيماً عبّر عنه بقوله: "مسألة مجيء جبرئيل (عليه السلام) إلى شخص ليست مسألة عاديّة، لا تتصوّر أنّ جبرئيل (عليه السلام) يأتي إلى أيّ شخص، أو أنّ من الممكن أنْ يأتي، إنّ هذا بحاجة إلى تناسب بين روح ذلك الشخص الذي يأتي جبرئيل (عليه السلام) إليه وبين مقام جبرئيل (عليه السلام) الذي هو الرّوح الأعظم(عليه السلام), هذا التّناسب كان قائماً بين جبرئيل الرّوح الأعظم(عليه السلام)، والدّرجة الأولى من الأنبياء(عليه السلام)، كرسول الله (ص) وموسى(عليه السلام) وعيسى(عليه السلام)  وإبراهيم(عليه السلام) وأمثالهم(عليه السلام) "[33].

إنّني أعتبر هذه الفضيلة للزّهراء (عليها السلام) على الرّغم من عَظَمة كلّ فضائلها الأخرى أعتبرُها أعلى فضائلها، حيث لم يتحقّق مثلُها لغير الأنبياء، بل لم يتحقّق مثلُها لجميع الأنبياء، وإنّما للطّبقة العليا منهم، ولِأعظمِ الأولياء الذين هم في رُتبتِهم، ولم تتحقّق لشخصٍ آخر. وهذه من الفضائل المختصّة بالصّدّيقة (عليها السلام)"[34].


[1] ابن شهر اشوب, مناقب آل أبي طالب (عليه السلام)، (لا،ط)، النجف، مطبعة الحيدرية، 1367هـ, ج3, ص 336.
[2] سورة آل عمران, الآية 42.
[3] سورة آل عمران, الآية 45.
[4] سورة مريم, الآية 17-21.
[5] سورة هود, الآية 69-73.
[6] سورة القصص, الآية7.
[7] البخاري, محمد، صحيح البخاري, تحقيق ابن باز, (لا،ط)، دار الفكر, (لا،ت)، ج4, ص 467.
[8] مسلم, صحيح مسلم, (لا،ط)، بيروت، دار الفكر, (لا،ت)، ج2, ص 467.
[9] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج14, ص 206.
[10] الكليني, محمد،  الكافي, ج1, ص 241.
[11] الامام الخميني, روح الله، النداء الأخير, طهران, مؤسسة الإمام الخميني(ره) الثقافية, ص12.
[12] الجوهري, اسماعيل، الصحاح, ج4, ص 1384, ابن منظور, محمد، لسان العرب, ج9, ص 186, الفراهيدي، الخليل, كتاب العين, تحقيق المخزومي والسامراني, ط2، 1409هـ، ج3, ص 120. الزبيدي, محمد، تاج العروس, تحقيق علي شيري، (لا،ط)، بيروت، دار الفكر، 1414هـ، ج6, ص 161.
[13] انظر: الجاحظ, أبو عثمان, الحيوان, تحقيق عبد السلام محمد هارون, (لا،ط)، بيروت, دار إحياء التراث العربي, (لا،ت)، ج1, ص 388, ج2, ص 375, ج3 ص 539, ج4, ص 492, ج5, ص 604, ج6, ص 512, ج7 ص 263.
[14] الأسد, ناصر الدين, مصادر الشعر الجاهلي, ط40, القاهرة, دار المعارف, 1969 م, ص 139.
[15] المزي, يوسف، تهذيب الكمال, تحقيق بشار معروف، ط4، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1406هـ، ج8, ص 17.
[16] أبو زيد, بكر, معرفة النسخ والصحف الحديثية, ط1, جدّة, دار االراية, 1412هـ, ص 28-31.
[17] المجلسي, محمد باقر, بحار الأنوار, ج26, ص 41-42.
[18] المصدر السابق, ص 45.
[19] المصدر السابق نفسه.
[20] المصدر السابق ص 48.
[21] المصدر السابق ج47, ص 271.
[22] المصدر السابق, ج26, ص 46.
[23] الكليني، محمد، الكافي، ج1, ص 240.
[24] المصدر السابق ص 241.
[25] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج26, ص 18.
[26] الكليني, محمد، الكافي, ج1, ص 240/ المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج47, ص 32.
[27] القمي، علي، الإمامة والتبصرة, تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، ط1، قم، 1404هـ، ص 51.
[28] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج47، ص 32.
[29] الطبرسي، احمد، الاحتجاج، (لا،ط)، النجف، دار النعمان، 1386هـ، ج2، ص134.
[30] للتوسّع في الفكرة: أنظر، بركات، أكرم، قافلة البشريّة، بيروت، دار السراج.
[31] الحلبي, علي، السيرة الحلبية, (لا،ط)، بيروت، دار المعرفة، 1400هـ، ج3, ص 353.
[32] الحلبي, علي، السيرة الحلبية, ج3, ص 353
[33] من حديث للإمام الخميني في جمع من الأخوات بتاريخ 02/03/1986 (للاطلاع التفصيليّ حول مصحف فاطمة (عليها السلام) أنظر كتابي "حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة".
[34] من حديث للإمام الخميني في جمع من الأخوات بتاريخ 02/03/1986.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المسبِّحة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المسبِّحة
 
ارتبط اسم السيِّدة فاطمة (عليها السلام) بتسبيح لله تعالى، فينسب إليها التسبيح المعروف بتسبيح الزهراء (عليها السلام)، وهو ما علَّمه وأهداه إليها أبوها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كما ورد ذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
 
قصّة تسبيح الزهراء (عليها السلام)
ورد عن الإمام عليّ (عليه السلام) أنّه قال: " أهدى بعض ملوك الأعاجم رقيقًا، فقلت لفاطمة (عليها السلام): اذهبي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فاستخدميه خادمًا، فأتته، فسَألَته ذلك ... فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يا فاطمة، أعطيك ما هو خيرٌ لك من خادم، ومن الدنيا بما فيها: تكبّرين الله بعد كلّ صلاة أربعاً وثلاثين تكبيرة، وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، وتسبّحين الله ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، ثمّ تختمين ذلك بلا إله إلا الله، وذلك خيرٌ لك من الذي أردت، ومن الدّنيا وما فيها، فلزمت صلوات الله عليها هذا التّسبيح بعد كلّ صلاة ونسب إليها"[1].

كيفية تسبيح الزهراء (عليها السلام)
من الرّواية السّابقة يُعرف أنّ تسبيح الزهراء (عليها السلام) هو عبارة عن أذكار ثلاثة، لكلٍّ منها عدد محدَّد هي:
1-  الله أكبر 34 مرّة.
2-  الحمد لله 33 مرّة.
3-  سبحان الله 33 مرَّة.
المجموع 100 ذِكر.

وقد روى الشّيخ الكلينيّ (قده) عن الإمام الصّادق (عليه السلام): "أنّه كان يُسبِّح تسبيح فاطمة صلّى الله عليها، فَيَصِله ولا يقطعه"[2].

موقع تسبيح الزهراء (عليها السلام)
حدَّدت الروايات لتسبيح الزهراء (عليها السلام) موقعين هما:
الأولى: بعد كلِّ صلاة قبل بسط الرجلين، فعن الإمام الصّادق (عليه السلام): "من سبَّح تسبيح فاطمة (عليها السلام) قبل أن يثني رجله من صلاة الفريضة غفر الله له "[3].
وعنه (عليه السلام): "من سبَّح تسبيح فاطمة (عليها السلام) في دبر المكتوبة من قبل أن يبسط رجليه أوجب الله له الجنّة"[4].
الثانية: قبل النّوم، فعن الإمام الصّادق (عليه السلام): "من بات على تسبيح فاطمة (عليها السلام) كان من الذّاكرين الله كثيراً والذّاكرات"[5].
 
منزلة تسبيح الزهراء (عليها السلام)
في مكانة تسبيح الزهراء (عليها السلام) ورد العديد من الرّوايات الشريفة منها:
 
 1-          أفضل تحميد
عن الإمام الباقر (عليه السلام): "ما عُبد الله بشيء من التحميد أفضل من تسبيح فاطمة (عليها السلام)، ولو كان شيء أفضل منه لنحله رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام)"[6].
 
2-          خير من الدنيا وما فيها
وهذا ما ورد في الرّواية السابقة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " . . وذلك خيرٌ لك من الذي أردت، ومن الدّنيا وما فيها"[7].
 
3-          أحبّ من صلاة ألف ركعة
عن الإمام الصادق (عليه السلام): "تسبيح فاطمة (عليها السلام) في كلّ يوم في دبر كلّ صلاة، أحبّ إليّ من صلاة ألف ركعة في كلّ يوم"[8].

ثواب تسبيح الزهراء (عليها السلام) وآثاره
تحدّثت الروايات، إضافةً إلى مكانته، عن ثواب تسبيح الزهراء (عليها السلام) وآثاره العظيمة، نعرض منها:

1-  المغفرة
فقد ورد في الحديث السابق عن الإمام الباقر (عليه السلام): "من سبَّح تسبيح فاطمة (عليها السلام) ثمّ استَغفَر غُفِر له"[9].
 
2-  يملأ الميزان ويزيد
عن الإمام عليّ (عليه السلام): "التسبيح نصف الميزان، والحمد لله يملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السّماء والأرض"[10].
 
3-  يُوجب الجنّة
فقد ورد في الحديث السّابق: "من سبَّح تسبيح فاطمة .. أوجب الله له الجنّة"[11].
 
4-  يُرضي الرحمان
في الحديث السّابق عن الإمام الباقر (عليه السلام): "من سبَّح تسبيح الزهراء (عليها السلام)، ثمّ استغفر غُفِر له، وهي مائة باللسان، وألف في الميزان، وتطرد الشّيطان، وترضي الرحمان"[12].
          وعبارة تطرد الشّيطان تشير إلى أثر تسبيح الزهراء (عليها السلام) في النّجاة من العديلة التي ورد الإشارة إليها في الدّعاء: "اللّهم، إنّي أعوذ بك من العديلة عن الموت"[13].
والعديلة هي عنوان لمحاولة يقوم بها إبليس في حال احتضار الميِّت حينما يفقد الأمل ممّن حوله في الدّنيا، فيحاول عندها أن يعطيه أملاً بالنجاة بشرط أن يعدل عن الحقّ إلى الباطل، فعن الإمام الصادق (عليه السلام): "ما من أحد يحضره الموت إلاّ وكَّل به إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر، ويشكّكه في دينه حتى تخرج نفسه..."[14].
والإمام الباقر (عليه السلام) في الرواية السابقة يعرّفنا وسيلةً للنجاة من العديلة ألا وهو تسبيح الزهراء (عليها السلام) فهو يطرد الشيطان.
 
آداب تسبيح الزهراء (عليها السلام)
قال الإمام الخمينيّ (قده) في كتابه الآداب المعنويّة للصلاة: "يجب في تسبيح فاطمة (عليها السلام) أيضاً التبتّل، والتضرّع، والانقطاع، والتذلّل في القلب، ومع التكرار يتعوَّد القلب على هذه الحال، وإيصال الذّكر من اللسان إلى القلب، حتى يذوب القلب في الذكر والتوجّه إلى الله"[15].

ولعلّ ما يرشد إلى أهميَّة التوجّه القلبيّ أثناء تسبيح الزهراء (عليها السلام) هو ما ورد عن الإمام الصّادق (عليه السلام): "إذا شككت في تسبيح فاطمة الزهراء (عليها السلام) فأَعِد"[16]. فإنّ القاعدة في الشكّ في العدد أن يبني الشاكّ على الأقلّ، فلعلَّ ما ورد من الإعادة ليحرز المسبِّح توجّه القلب إلى الله عزّ وجلّ أثناء ذكر التّسبيح.
 
 
معنى تسبيح الزهراء (عليها السلام)
 
أ- معنى الله أكبر
ورد أنّ رجلاً فسّر الله أكبر بأنّه تعالى أكبر من كلّ شيء، فردّ عليه الإمام الصادق (عليه السلام): "حدّدته"، فقال الرجل: وكيف أقول: فقال (عليه السلام): الله أكبر من أن يوصف"[17].

ب- معنى الحمد لله
إنّ الشّكر يكون للإحسان، والثّناء مدحٌ للإعجاب، أمّا الحمد فهو مجمع للشكر والثّناء، فهو تعبير عن قراءة للوحة الجمال الإلهيّ، وهو شكر لعطاء الله عزّ وجلّ.
فالحامد لله لا يرى في فعل الله إلاّ جميلاً، ويشكر الله على كلِّ شيء.
 
ج- معنى سبحان الله
إنّ معنى تسبيح الله هو تنزيهه عن كلّ عيب ونقص، فالتسبيح اللسانيّ هو إقرار لسانيّ بهذا التّنزيه الاعتقاديّ القلبيّ لله تعالى، والذي ينطلق من كلّ شيء، كلٍّ بحسب إدراكه كما يُفهم من قوله تعالى: "وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ"[18].
 
التكامل بين الأذكار الثلاثة
ممّا مرّ يفهم التكامل بين تكبير الله تعالى بكونه أكبر عن أن يوصف، فهو فوق كلّ ما يمكن أن يتصوّره متصوِّر، وبناءً عليه يُنظر إلى فعله تعالى الذي هو في أعلى مراتب الجمال والإحسان. وانطلاقًا من كونه تعالى أكبر من أن يوصف ومحمود على كلّ فعل، تنزَّه ذاته تعالى وأفعاله عزّ وجلّ من كلِّ نقص وعيب، وهذا لا يكون إلاّ في الله الواحد الأحد؛ ولعلّه لأجل هذا عقّب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) للسيّدة فاطمة (عليها السلام) بعد أن علّمها التسبيحات الثالث بقوله: "ثمّ تختمين بـ "لا إله إلاّ الله"[19].
 
سبّحة الشهداء
ولتسبيح فاطمة (عليها السلام) علاقة خاصّة مع الشهداء، فقد ورد أنّ السيّدة الزهراء (عليها السلام) صنعت من طين قبر سيّد الشهداء "حمزة" (عليه السلام) سبّحة خاصّة كانت تسبّح الله تعالى بها. ولعلّ هذا يوحي بأنّ الشهادة تمثّل التعبير الحقيقيّ:
1-  عن تكبير الله تعالى؛ فالشّهيد قدّم الله المطلق في كماله،  
2-  حمد الله تعالى، فالشّهادة تنطلق من رؤية الجمال الإلهيّ، والشّكر لله عزّ وجلّ.
3-  تسبيح الله تعالى؛ فإنّ عبور الشّهداء في موكب النّور إلى الله تعالى يعبِّر عن خير تنزيه لله تعالى.
 
السيّدة فاطمة (عليها السلام) المحدِّثة
من صفات السيِّدة فاطمة الزّهراء(عليها السلام) "المحدِّثة"، هذه الصّفة التي واكبتها منذ كانت في رحم أمّها، كما ورد في رواية الإمام الصّادق (عليه السلام) المتقدّمة[20]. واستمرت في حياتها (عليها السلام) في أصناف من العلوم والمعارف نعرض منها:

حديثها (عليها السلام) في الفقه
ورد أنّ امرأة تشرّفت بلقاء الصّدّيقة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فقالت لها: إنّ لي والدة ضعيفة، وقد لَبَس عليها في أمر صلاتها شيء، وقد بَعَثَتني إليك أسألك، فأجابتها السيّدة فاطمة (عليها السلام) عن ذلك، فثَنَّت، فأجابت (عليها السلام)، ثم ثلَّثَت إلى أن عَشَّرت، فأجابت (عليها السلام)، ثمّ خجلت من الكثرة، فقالت: لا أشقّ عليك يا ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله). قالت السيّدة فاطمة (عليها السلام): "هاتي وسلي عمّا بدا لكِ، أرأيتِ من اكُترِيَ يوماً يصعد إلى سطحٍ بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار، يثقُل عليه ؟ فقالت: لا، فقالت (عليها السلام): اكتريتُ أنا لكلّ مسألة بأكثر من ملء ما بين الثّرى إلى العرش لؤلؤاً، فأحرى أن لا يثقل عليّ"[21].
 
حديثها في أخلاقيّة التعامل مع الآخرين
عن دور المرأة في أسرتها, حدّثت السيّدة فاطمة (عليها السلام) قائلةً: " ويلٌ لامرأة غضب زوجها، وطوبى لامرأة رضي عنها زوجها، ولم تعصِ له أمراً"[22].
وعن الإمام الحسن(عليه السلام) في رواية تقدّمت، أنّها (عليها السلام) قالت له: "يا بنيّ، الجار ثم الدّار"[23].

حديثها (عليها السلام) عن موقع القرب من الله تعالى
عن أوقات القرب من الله عزّ وجلّ حدَّثت السيِّدة فاطمة (عليها السلام) عن رسول الله(صلى الله عليه وآله): "إنّ في الجمعة لساعةً لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله عزّ وجل فيها خيراً إلا أعطاه, فقلت: يا رسول الله، أيّ ساعة هي؟ قال(صلى الله عليه وآله):" إذا تدلّى نصف عين الشمس للغروب"[24].
وعن مكان القرب الإلهيّ كانت (عليها السلام) تحدّثت (عليها السلام) عن المسجد, فتقول: "كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا دخل المسجد صلَّى على محمّدٍ وسلَّم, وقال: ربّ، اغفر لي ذنوبي, وافتح لي أبواب رحمتك, وإذا خرج صلَّى على محمّد وسلّم, وقال: ربِّ، اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك"[25].

حديثها (عليها السلام) عن الولاية
روى ثلاثون صحابيّاً حديثاً للسيِّدة فاطمة(عليها السلام) تقول فيه: "سمعت أبي رسول الله(صلى الله عليه وآله) في مرضه الذي قبض فيه يقول (صلى الله عليه وآله): "أيُّها النّاس، يوشك أن أُقبض...إنّي مخلف فيكم كتاب الله ربِّي عزّ وجل وعترتي أهل بيتي (عليهم السلام),  ثم أخذ بيد عليٍّ(عليه السلام), فقال: هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض"[26].

ولعلّ من أهمّ أحاديث السيِّدة الزهراء (عليها السلام) هو ما ورد في خطبتها المشهورة بعد المجريات الحسّاسة التي حدثت بعد رحيل رسول الله(صلى الله عليه وآله), إذ دخلت مع ثلّة من النسوة إلى مسجد رسول الله(صلى الله عليه وآله), وضُرب ستار بينها وبين النّاس, فإذا بها (عليها السلام) تقوم خطيبةً تدافع عن مقام الولاية قائلة:

" أنا فاطمةُ وأبي محمّد، أقولُها عوداً على بدء، وما أقولُ إذ أقولُ سَرَفاً ولا شططاً (لقد جاءَكُم رسُولٌ من أنفسِكُم عزيزٌ عليهِ ما عنِتُّم حريصٌ عليكُم بالمؤمنينَ رؤوفٌ رحيمٌ)[27] إن تَعزُوهُ تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمّي دونَ رجالكم بلَّغ النِّذارة، صادعاً بالرسالة، ناكباً عن سنن المشركين، ضارباً لأثباجهم، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجذُّ الأصنام، وينكتُ الهامّ، حتى انهزم الجمعُ، وولّوا الدّبُر، وحتى تفرَّى الليلُ عن صُبحِهِ، وأسفَر الحقُّ عن محضه، ونطق زعيمُ الدين، وهدأت فورةُ الكفر، وخرست شقاشقُ الشيطان وفُهتُم بكلمة الإخلاص. وكنتم على شفا حفرة من النّار، فأنقذكم منها نبيُّه، تعبدون الأصنام، وتستقسمون بالأزلام، مذقَة الشَّارب، ونُهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام تشربون الرَّنق وتقتاتون القدّة، أذلّة خاشعين، تخافون أن يتخطفكم النّاس من حولكُم، فأنقذكُم بنبيّه محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اللتيّا والّتي، وبعد ما مُني ببُهم الرجال وذؤبان العرب (كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ)[28] أو نجم قرن الضّلالة، أو فغرت فاغرةُ المشركين، قذفَ أخاهُ في لَهَواتها، فلا ينكفئُ حتى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمدُ لهبها بحدِّه، مكدوداً في ذات الله، قريباً من رسول الله، سيِّداً في أولياء الله، وأنتم في بُلهنية آمنون، وادِعون فرِحُون، تتوكَّفون الأخبار، وتنكصون عند النزال على الأعقاب، حتى أقام اللهُ بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عمودَ الدين"[29].

لقد بيّنت السيدة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها هذه دور أبيها النبيّ(صلى الله عليه وآله) في تغيير الواقع الاجتماعيّ وانتقاله من القعر إلى القمّة.

ثمّ بيّنت أنّ تحصين هذا الواقع من الضّلالة والشرك كان من خلال جهاد أمير المؤمنين(عليه السلام) الذي قارنت بينه وبين المخاطَبين من خلال مقارنة مواصفات من الأولى بخلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله), فأمير المؤمنين(عليه السلام) يمتاز في خطبة الزهراء (عليها السلام) هذه بالمواصفات الآتية:
1-  الشّجاعة العالية.
2-  التصميم الكامل لإنجاز إرادة الله عزّ وجلّ.
3-  الكدّ في ذات الله جلّ جلاله.
4-  القرب من رسول الله(صلى الله عليه وآله).
5-  السّيادة في أولياء الله.

فهو إذاً القويّ تصميماً وشجاعة، المقبل على الله تعالى في عمله، القريب من رسول الله(صلى الله عليه وآله), السيّد في أولياء الله.

بينما يمتاز المخاطَبون بالمواصفات الآتية:
1-  حبّ الدَّعة والأمن.
2-  التكبّر.
3-  تتبّع أخبار لتغيير المواقف ليكونوا مع الأقوى.
4-  الجبن.
وبالمقارنة من يكون حقيقاً بالخلافة ؟!!.


[1] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار،  ج 82، ص336.
[2] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج3، ص 342.
[3] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج82، ص 335.
[4] المصدر السابق، ص 332.
[5] المصدر السابق نفسه.
[6] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج3، ص 343.
[7] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج82، ص 336.
[8] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج3، ص 343.
[9] الحرّ العامليّ، محمّد، وسائل الشيعة، ج6، ص 442.
[10] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج2، ص 506.
[11] الطبرسي، حسين، مستدرك الوسائل،  ج5، ص 34.
[12] الصدوق، محمّد، ثواب الأعمال، ص 163.
[13] القمي، عباس، مفاتيح الجنان، ط2، بيروت، الأعلمي، 1385هـ.ش، ص128.
[14] الكليني، محمد، الكافي، ج3، ص123.
[15] الخميني، روح الله، الآداب المعنويّة للصلاة، ص408. (لا يُراد من الوجوب: المصطلح الفقهيّ أي مقابل الحرمة).
[16] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج3، ص 342.
[17] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج1، ص 117.
[18] سورة الإسراء، الآية 44.
[19] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج82، ص 336.
[20] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج16, ص 80.
[21] المصدر السابق, ج2, ص 3.
[22] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار, ج8, ص 310.
[23] المصدر السابق, ج86, ص 313.
[24] البروجردي, حسين، جامع أحاديث الشيعة, (لا،ط)، قم، المطبعة العلمية، 1399هـ، ج6, ص 183.
[25] السيوطي، جلال الدين، الجامع الصغير، ط1، بيروت، دار الفكر، 1401هـ، ج2، ص 331.
[26] المجلسي, محمّد باقر، بحار الأنوار, ج22, ص 476.
[27] سورة التوبة، الآية 128.
[28] سورة المائدة، الآية 64.
[29] الطبري، محمّد، دلائل الإمامة، ص115.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الصّدّيقة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الصّدّيقة

من صفات السيّدة فاطمة (عليها السلام) الصدّيقة، هذا اللفظ المشتقّ من الصّدق، الذي هو من أشرف الخصال الكماليّة، وكفى بشرفه أنّ الله تعالى وصف نفسه به, فقال عزّ وجلّ: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا[1]، وقال سبحانه: وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا[2].

الصّدق معيار قيمة الإنسان
 أكّد الإسلام أنّ الصّدق معيار أساس في إيمان المسلم, فعن الإمام الصادق(عليه السلام):" لَا تَغْتَرُّوا بِصَلَاتِهِمْ ولَا بِصِيَامِهِمْ، فَإِنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا لَهِجَ بِالصَّلَاةِ والصَّوْمِ حَتَّى لَوْ تَرَكَه اسْتَوْحَشَ، ولَكِنِ اخْتَبِرُوهُمْ عِنْدَ صِدْقِ الْحَدِيثِ وأَدَاءِ الأَمَانَةِ "[3] .
وعن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: "الصِّدق رأس الإيمان"[4], "الصِّدق أقوى دعائم الإيمان"[5].

مراتب الصّدق
والصّدق مراتب منها :

1-الصّدق القوليّ: ويكون بمطابقة الخبر الواقع.
مثلاً حينما يسأل أحدهم عن شخص, هل هو أمين ؟ وعن بضاعة, هل هي أصليّة ؟
قد يجيب: نعم هو أمين, نعم البضاعة أصليّة, وقد لا يكون واثقاً من إجابته. لكن مع ذلك، فإنّه حينما يكون الواقع أنّ الشخص أمين، وأنَّ البضاعة أصليّة, فإنّ ما صدر منه يُعدّ صدقاً قوليّاً.

2-الصّدق الاعتقاديّ: ومورده حينما يعتقد الإنسان بحقيقة ما يقوله بأن يعتقد بينه وبين نفسه بأمانة من يسأل عنه, فيجيب بأنَّه أمين, وبكون البضاعة أصليّة.

3-صدق الإرادة والعزم: ومورده أن يكون صادقاً في إرادته وعزمه فيما يخبر أنّه سيحقّقه, بأن يقول لك صاحب الصنعة بصدق ارادة: سأنجز لك العمل بعد أسبوع, أو بأن يقول المتديّن بصدق عزم: أنا جاهز لنصرة صاحب العصر والزمان (عج).
وهذا الأمر يحتاج جهداً إضافياً من الإنسان؛ إذ يحتاج إلى تحرٍّ ومتابعة لنفسه حتى يكون صادقاً في إرداته وعزمه.

معنى الصدِّيق
الصّدِّيق لفظ يدلّ على المبالغة في صدق الصّادق، وحدّد معناه بمن تحقّقت فيه المراتب الثلاث السّابقة التي هي:
- خبره مطابق للواقع
- يقينه كامل بما يخبر عنه
- فعله ملازم لقوله, إذ لا يقول شيئاً إلا وهو واثق من متابعته.

فالصّدّيق يكون صادقاً وصدِّيقاً في القضيّة التي يؤمن بها مهما كانت المواجهات صعبة وقاسية, من هنا ورد في الحديث النبويّ اختيار ثلاثة أولياء من غير الأنبياء(عليه السلام) واجهوا ظروفاً قاسية وصعبة تتزلزل فيها القلوب, لكنّهم صدقوا على قضيّتهم, فعن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) "سُبّاق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين, عليّ بن أبي طالب, وصاحب ياسين (حبيب النجار)، ومؤمن آل فرعون, فهم الصّدّيقون، وعليّ أفضلهم[6].

الصدِّيق والإيمان بالمشروع الإلهيّ
ورد مصطلح الصدّيق في القرآن الكريم في آية ينبغي التوقّف عندها وهي قوله عزّ وجلّ: " وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ"[7].

فما معنى: آمنوا بالله ورسله ؟
هل معنى ذلك أن يصدّق الإنسان في قلبه بالله وجميع رسله ؟! إنّ جميع المسلمون يعتقدون بذلك.

فهل يعني ذلك أنهم جميعاً صدّيقون شهداء؟

الجواب
الّلافت في الآية هو التعبير بالرّسل وليس بالأنبياء جميعاً, فالأنبياء 124 ألف نبيّ والرسل 313 رسولاً,كما أنّ اللافت أنّ الله تعالى لم يقل "آمنوا بالله ورسوله" كغيرها من الآيات الكثيرة كقوله تعالى:
 
1-  آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ[8].
2-  " انَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ"[9].
3-  وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ[10].
4-  فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ[11].
5-  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ[12].
6-  " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..."[13].

إلى غيرها من الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن الإيمان بالله ورسوله, في حين أنّ آية الصدّيقين تتحدّث عن الإيمان بالله ورسله " وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ... إنّ هذا التعبير القرآنيّ يرشدنا إلى معنى عميق قد يراد من هذا الإيمان وهو الإيمان بالمسار الإلهيّ الكامل الذي واكبه الرّسل برسالاتهم التي تنشد كمال الفرد والمجتمع, والّتي تعبّر عن مواكبة المخطَّط الإلهيّ لتكامل قافلة الوجود.

إنّها قضيّة تنطلق من الاعتقاد الكامل بحكمة بالله تعالى الذي خلق الإنسان لهدف هو كماله, وخلق المجتمع الإنسانيّ لهدف هو كمال ذلك المجتمع الذي يريد الله تعالى أن يحقّقه من خلال الأفراد الكاملين فيه, فكما للفرد كمال, فإنّ للمجتمع كمالاً.
ويمكن مقاربة المخطّط الإلهيّ من خلال صفوة الرسل (عليه السلام) وهم أولو العزم الخمسة: نوح(عليه السلام) وابراهيم (عليه السلام) وموسى(عليه السلام) وعيسى (عليه السلام) ومحمد (صلى الله عليه وآله) الذين يمثّلّ كلّ منهم محطّة أساسيّة في المخطّط الإلهيّ للمجتمع الإنسانيّ.

● فمُهمّة النبيّ نوح(عليه السلام) لكمال المجتمع أن يصنع مجتمع الإيمان بالله تعالى, ونجح بهذا في مجتمع السّفينة.

● ومهمّة النبيّ ابراهيم(عليه السلام) لكمال المجتمع أن يطوّر مجتمع الإيمان ليكون مجتمع التوحيد, ونجح بهذا بعد أن نقل مجتمعه من الأرض إلى السماء الى الله الواحد تعالى.

● ومهمة النبيّ موسى (عليه السلام) لكمال المجتمع كانت أن يطوّر مجتمع الإيمان والتوحيد الذي كان يتمثّل ببني إسرائيل مجتمع الشريعة، فكانت التوراة والألواح, ونجح كليم الله موسى(عليه السلام) بذلك، تمهيداً للمهمّة اللاحقة والتكامل الأتمّ الذي هو صناعة الحكومة الإلهيّة التي أوكلها الله إلى نبيٍّ قادم.

● وأرسل الله تعالى نبيّه عيسى(عليه السلام) الذي صدّه اليهود عن تحقيق مشروعه الإلهيّ في الإصلاح والتطوير والوصول إلى صناعة الحكومة الإلهيّة، فرفعه الله عزّ وجلّ إليه مجمّداً حركته ليكون الشريك في الخطوة اللاحقة في بناء الحكومة الإلهيّة الكبرى التي:

● أرسل الله لأجلها خاتم رسله محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله) الذي بنى لُبنتها الأولى، وأخبر أنّها ستتحقق على يد حفيدٍ من أحفاده من ولد السيّدة فاطمة(عليها السلام) معبّراً عن ذلك بقوله :" لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتى يخرج قائمنا، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً"[14]

إنّه حديث عن التكامل الاجتماعيّ والحكومة الإلهيّة بقيادة الإمام المهدي(عج) التي يؤازره فيها النبيّ عيسى(عليه السلام).

إنّ من يؤمن بهذا المشروع إيماناً ينعكس في سلوكه حتى لو أدّى ذلك إلى قتله ينطبق عليه قوله تعالى: " وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ".

ولعلّ هذا المشروع هو الذي حدّث به جبرئيل(عليه السلام) السيِّدة مريم (عليها السلام) بعدما تمثّل لها بشراً سويّاً؛ ليجعلها مستعدِّة للتضحية الكبيرة من خلال العنوان الأكثر حساسيّة عند المرأة الشريفة, وهو عنوان الشرف, لعلّه حدّثها عن دور ولدها المسيح (عليه السلام) في شراكته للإمام المهدي(عج), ليسلّيها بذلك لأجل أن تُقدم على تلك التضحية؛ ولأجل ذلك وصفها الله تعالى في كتابه العزيز بالصدّيقة " مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ"[15].

وهذا المشروع الإلهيّ والمخطّط الربّاني هو الذي كان حديثاً لجبرئيل(عليه السلام) مع السيِّدة الزّهراء(عليها السلام) حينما نزل ليسلِّيها بعد رحيل أبيها النبيّ(صلى الله عليه وآله) بإخباره لها عن التضحيات العزيزة منها ومن زوجها(عليه السلام) ومن أبنائها(عليه السلام)، لكن مع نهاية سعيدة يحقّق فيها ولدها المهدي(عج) حكومة الله عزّ وجلّ التي توصل قافلة الوجود إلى كمالها المنشود, لكن هذا الهدف كان يحتاج إلى تضحية خاصة من السيّدة الزهراء(عليها السلام) من خلال موقف تاريخيّ ضمّته الأرض التي وطأتها بين بيتها والمسجد, واحتصنته جدرانه المباركة التي أرجفتها خطبتها العصماء فيه, وأصبح الحلقة في ذلك الباب الذي عبره سيفتح للأمة دار مجدها الإلهيّ في حكومة ولدها المهدي(عج). من هنا كانت فاطمة (عليها السلام) عنواناً لباب كمال الأمة, ولتحقيق هدف الأنبياء, ولذا ورد عن النبيّ(صلى الله عليه وآله): "فاطمة هي الصديقة الكبرى وعلى معرفتها دارت القرون الأولى[16]", ولذا أصبحنا نسلّم عليها منشدين أنشودة الأنبياء والأولياء : السلام عليكِ أيّتها الصدِّيقة الشّهيدة[17].


[1] سورة النساء، الآية 87.
[2] سورة النساء، الآية 122.
[3] الكليني, محمد، الكافي، ج2, ص 104.
[4] الواسطي، علي، عيون الحكم والمواعظ، تحقيق حسين البيرجندي، ط1، (لا،م)، دار الحديث، (لا،ت)، ص 60.
[5] الريشهري، محمد، ميزان الحكمة، تحقيق ونشر دار الحديث، ط1، (لا،م)، 1416هـ، ج2، ص 1573.
[6] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 64, ص 205.
[7] سورة الحديد،  الآية 19.
[8] سورة الحديد، الآية 7.
[9] سورة الحجرات، الآية15.
[10] سورة الفتح، الآية 13.
[11] سورة الأعراف، الآية 158.
[12] سورة النساء، الآية 136.
[13] سورة الصّف، الآية 10.
[14] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار, ج36, ص 340.
[15] سورة المائدة، الآية 75.
[16] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص105.
[17] الطوسي، محمد، مصباح المتهجّد، ط1، بيروت، مؤسسة فقه الشيعة، 1411هـ، ص711.

السيِّدة فاطمة (عليها السلام) الشهيدة

السيِّدة فاطمة (عليها السلام) الشهيدة

قال الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [1].

من صفات السيّدة فاطمة (عليها السلام) صفة الشهيدة الواردة في زيارتها بعد صفة الصدّيقة: "السلام عليكِ أيّتها الصدِّيقة الشهيدة"[2].

فما معنى أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) شهيدة؟              
نحاول مقاربة هذا المعنى من جهتين:
الأولى: ما طرحه القرآن الكريم من معنى الشّهادة.
الثانية: المعنى المعروف للشّهيد بكونه مَنْ قدَّم نفسه في سبيل الله.

المعنى القرآنيّ للشهادة
ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات الحاكية عن الشّهادة نقتصر على ثلاث منها هي:
1- "إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء"[3].
2- " وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "[4].
3- " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا"[5].

والملاحظ في الآية الأولى أنّها تتحدّث عن ثلاثة أصناف من الشهداء:
الأوّل: النبيّون.
الثاني: الربّانيّون.
الثالث: الأحبار.

والأحبار هم علماء الشّريعة، وبالتعبير السّائد هم الفقهاء أمّا الربّانيون، فهم درجة وسطى بين النبيّين والأحبار وهم ما ينطبق في الدين الإسلاميّ على الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) والسيّدة الزهراء (عليها السلام) ويتمثّل دور الشهادة المشترك بين الأصناف السّابقة، كما يقول "الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر" بثلاثة أمور:
الأوّل: استيعاب الرّسالة السّماويّة والحفاظ عليها، لقوله تعالى: " بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء"[6].
الثاني: الإشراف على ممارسة النّاس لدورهم في خلافة الله، وإعطاء التوجيه الرساليّ المناسب لهم.
الثالث: التدخّل لمقاومة الانحراف واتّخاذ كلّ التدابير الممكنة من أجل سلامة المسيرة[7].

فالشّهادة هي معرفة عالية بالأهداف الإلهيّة التي يريدها الله عزّ وجلّ لمسيرة البشريّة، وهي معرفة وإشراف على واقع الأمّة يقتضي التّوجيه الصّحيح والسعي لمنع الانحراف.

الزهراء (عليها السلام) الربّانيّة الشهيدة
لقد تحقّقت العناصر الثلاث للربّانيين بشكل واضح في السيِّدة فاطمة (عليها السلام).

أمّا استيعاب الرّسالة، فهي عالمة غير معلَّمة، فقد كان لها (عليها السلام) علاقة خاصّة بالقرآن الكريم، وهي التي يروى عنها قولها (عليها السلام): "حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: تلاوة كتاب الله، والنظر في وجه رسول الله، والإنفاق في سبيل الله"[8]، وهي التي قالت في خطبتها في المسجد النبويّ عن القرآن الكريم: "لله فيكم عهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب الله، بيِّنةٌ بصائره، وآيٌ منكشفة سرائره، وبرهانٌ متجلِّيّة ظواهره، مديمٌ للبرية استماعُه، وقائدٌ إلى الرضوان أتباعه، ومؤدٍّ إلى النجاة أشياعه، فيه تبيان حجج الله المنيرة، ومحارمه المحرّمة، وفضائله المدوّنة، وجمله الكافية، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، وبيّناته الجالية..."[9].

أمّا توجيهها الرساليّ للناس، فهي التي كانت توجّه المؤمنات في خطّ الرسالة[10]. وهي التي كانت تنشر أحاديث أبيها في الناس حتى سمِّيت بالمحدِّثة، كما تقدّم.

أمّا تدخّلها في مقاومة الانحراف، فهي حينما رأت ما حلّ بالبناء الذي بناه والدها على مدى ثلاث وعشرين سنة، بذلت قصارى جهدها لمنع هذا الانحراف، ولإبقاء معالم الحقّ واضحة عند من سعى للوصول إليه، وذلك من خلال بيانها البليغ، وسعيها التذكيريّ بولاية الوليّ، ورسمها معلم الحقّ الخفيّ الظاهر في خفائه، المنير في خموده، الجاذب في سرّه، الراسم في ذلك علامة على حقٍّ اغتصب في الماضي، وحقٍّ قادم قائده المهديّ (عج) من ولد الشّهيدة السيِّدة فاطمة (عليها السلام).

سلام الله على الصّدّيقة الشّهيدة يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيّة.


[1] سورة الحديد، الآية 19.
[2] الطوسي، محمد، مصباح المتهجّد، ص711.
[3] سورة المائدة، الآية 44.
[4] سورة المائدة، الآية 117.
[5] سورة النساء، الآية 41.
[6] سورة المائدة، الآية 44.
[7] الصدر، محمّد باقر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ط1، بيروت، العارف، 2012م، مجلد 5، ص 136-137.
[8] القيوميّ، جواد، صحيفة الزهراء (عليها السلام)، ط1، قم، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1373 هـ،ش، ص 276.
[9] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج6، ص 107.
[10] أنظر: البحرانيّ، يوسف، الحدائق الناضرة، ج3،  ص 297.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المرأة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المرأة

 أطلق الإمام الخمينيّ (ره) على يوم ولادة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)"يوم المرأة" قائلاً: "إذا كان لا بدّ من يوم للمرأة، فأيّ يوم أسمى وأكثر فخراً من يوم مولد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، المرأة التي هي مفخرة بيت النبوّة، وتسطع كالشّمس على جبين الإسلام العزيز "[1].

المرأة قبل الإسلام
عانت المرأة ما قبل الإسلام من نظرة وتحقير العديد من المجتمعات الّتي لم تراعِ الحدّ الأدنى من حقوقها، وهذا ما يظهر من خلال ملاحظة وضع المرأة في المجتمعات الآتية:

المرأة عند اليونانيين القدماء
كان الزّواج يتمّ عند قدماء اليونان من خلال شراء الزّوج لزوجته مقابل عددٍ من الثيران أو ما يساويها يسلّمها الخاطب لأبيها، والذريّة من الذكور كان لها مكانتها، عليهم كان يُقتصر التعليم، أما الإناث فقد كُنَّ يوضعن في العزلة والحماية بعد الزّواج، ويعشن في ركن من أركان بيت الزوجيّة، وكانت وظيفتهنّ بالدّرجة الأولى هي إنجاب الأطفال، وإذا ما فشلت إحداهن في إنجاب الذريّة، فإنّ نصيبها يكون العودة إلى بيت والدها[2].

المرأة عند الرّومان القدماء
عند قدماء الرّومان كان انتقال ملكيّة المرأة من أبيها إلى زوجها يتمّ بطريق البيع، فيدفع الزوج  الثّمن لقاء الحصول على الزّوجة، مثل أيّ سلعة تباع وتشترى[3].

مكانة المرأة في الهند القديمة
لم تكن شريعة "مانو"  في الهند تعرف للمرأة أيّ حقٍّ مستقلٍّ عن حقّ أبيها أو زوجها أو ابنها، وفي حالة وفاة الأب والزّوج والابن وجب عليها أن تنتمي إلى رجل من أقارب زوجها بالنَّسب، ولا يجوز أن تستقلّ بنفسها بأيّ حال من الأحوال. والأشدّ من نكران حقّها في معاملات المعيشة نكران حقها في الحياة المستقلة عن زوجها، فإنْ مات، فإنّها تُحرق معه على موقد واحد، وقد دامت هذه العادة القديمة حتى القرن السّابع عشر[4].
 
المرأة في انكلترا القديمة
في انكلترا كانت النّساء أمام القانون جزءًا من ممتلكات الرجل، أي عبارة عن أموال منقولة تتمتّع بشيءٍ من الحقوق، وكانت الفتاة قبل زواجها تحت سيطرة والدها أو وليّ أمرها، وبعد زواجها تصبح تحت سلطة الزّوج، ولم تكن تتمتّع بأيّة سلطة أو شخصيّة شرعيّة[5].

المرأة في فرنسا القديمة
يسجّل في تاريخ المرأة في فرنسا أنّها كانت منهمكة في رعاية مؤتمر عقد في القرن السادس الميلاديّ، للوصول إلى معرفة حقيقة المرأة، هل هي من صنف الإنسان أم من صنف آخر؟![6].

المرأة عند العرب القدماء
لعلّ من أوضح ما يُبيّن سوء حال المرأة عند العرب قوله عزّ وجلّ: "وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاء مَا يَحْكُمُونَ" [7].
 
المرأة في الإسلام
مقابل ما كان عليه وضع المرأة، جاءت تعاليم الإسلام لتؤكّد أنّ المرأة والرجل من حيث القيمة الإنسانيّة والقابليّة الكماليّة غير متفاوتين، وهذا ما نقرأه في قوله تعالى: " فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ"[8]. كما أكّد القرآن الكريم أنّ نظرة الله تعالى إلى عمل الرجل والمرأة هي واحدة، قال عزّ وجلّ: " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ"[9].

المرأة قدوة الرجل
من اللافت في القرآن الكريم، الدّال على مكانة المرأة فيه أنّه جعل آسية زوجة فرعون مثالاً وقدوةً يحتذي بها الرجال المؤمنون، إضافةً إلى النّساء المؤمنات، قال الله عزّ وجلّ: " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"[10].

المَلَك يتمثّل للمرأة
كما من الّلافت أنّ القرآن الكريم تحدّث عن تمثّل المَلَك العظيم جبرئيل (عليه السلام) للمرأة الجليلة السيّدة مريم (عليها السلام) وذلك في قوله جلّ جلاله: "فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا"[11].

السيّدة فاطمة (عليها السلام) تستنزل جبرئيل (عليه السلام)
وقد تكرّر المشهد ، دون حديثٍ عن تمثّل، مع سيّدة نساء العالمين السيّدة فاطمة الزهراء عليها السلام حين وصل كمالها المعنويّ أنّها جذبت إليها الرّوح الأمين جبرئيل (عليه السلام) بعد رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتمام شريعته، وانتهاء الدور التشريعيّ لجبرئيل (عليه السلام)، ليُحدِّث الزهراء (عليها السلام)عن مكانة أبيها (صلى الله عليه وآله) والمخطّط الإلهيّ لمستقبل البشريّة، وما يؤول إليه الأمر من تحقيق الهدف الإلهي فيها بقيادة حفيدها المهديّ الموعود.

احترام الإسلام للمرأة
زخرت نصوص الإسلام باحترام المرأة وإعلاء شأنها في تنوّع حالاتها الاجتماعيّة:

فاحترمها ابنةً، معلناً بلسان رسول الله (صلى الله عليه وآله): "نِعمَ الوَلَدُ البَنَات"[12]، وأنّها تُقدّم على الذّكور، بغضّ النّظر عن العُمر، ففي الحديث النبويّ "من دَخَل السّوق، فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقة إلى قومٍ محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذّكور، فإنّ من فرّح ابنةً، فكأنّما أعتق رقبةً من وُلد اسماعيل..."[13].

واحترمها أمّاً، فقدّم الإحسان إليها على الإحسان إلى الأب، فقد جاء رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، مَنْ أبرّ؟ قال: أمّك، قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أمّك، قال: ثمّ مَنْ؟ قال: أمّك، قال: ثمّ من؟ قال: أباك"[14].
واستفادةً من النّصوص الحاكية عن فضل الأمّ على الأب قال الإمام الخمينيّ (ره): " إنّ ليلة واحدة من سهر الأمّ على طفلها تعادل سنين من عمر أبٍ ملتزم"[15].

واحترمها أختاً، فها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) يفترش عباته لتجلس عليها اخته من الرضاعة.

واحترمها زوجةً، فها هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " ألا خَيركم خَيركم لنسائه، وأنا خَيركم لنسائي"[16].

لقد لخّص الإمام الخميني (قده) ما قدّمه الإسلام للمرأة بقوله: "خدم الإسلام المرأة بنحوٍ لم يكن له سابقة في التاريخ، لقد انتشل المرأة من تلك الأوحال، وأكرمها، وجعلها إنسانة ذات شخصيّة"[17].

وقد أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) درساً عمليًّا في قيمة المرأة ومكانتها واحترامها في علاقته مع ابنته السيّدة فاطمة (عليها السلام)، وقد عبّر الإمام الخميني (قده) عن ذلك بقوله: ويشهد تاريخ الإسلام على الاحترام الكبير الّذي أولاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهذا المولود النّبيل لكي يلفت الأنظار الى عظمة المرأة ومكانتها في المجتمع، وأنّها ليست أدنى من الرجل، إن لم تكن أفضل منه، إذاً فمثل هذا اليوم هو يوم حياة المرأة.. يوم ولادة فخرها وانطلاقة دورها العظيم في المجتمع"[18].

الدور الأساس للمرأة
إنّ المرأة كالرّجل في دور الخليفة، سواء في مسارها التكامليّ الفرديّ، أم في مسار تكامل المجتمع، إلا أنّها تتميّز بدور رئيسيّ عن الرّجل، وهو دور بناء وصناعة الإنسان.

فقد خصّ الله عزّ وجلّ المرأة بكونها وعاءً جسديّاً وعاطفيّاً للإنسان، وأراد أن يستمرّ دورها بعد الإنجاب في المواكبة العاطفيّة والمعنويّة له، فجعلها مصدر غذائه الطفوليّ، وجعل دقّات قلبها نغمَ حياته الأولى، ولمستَها حريره المؤنس.

ولأجل هذا الدور في صناعة الإنسان، لا سيَّما في تكوينه العاطفيّ، جَبَل الله تعالى المرأة بجِبلّة خاصّة من العاطفة الدافقة، والتي أراد لنا أن نراعيها ونغذّيها. وما تَقَدُّمُ الأنثى على الذّكر في هديّة الأب، وما الدّعوةُ إلى إسماعها كلمات الحبّ من الزّوج، وغير ذلك، إلا دعوة إلى تلبيةٍ واستجابةٍ لمتطلّبات تلك العاطفة.

من هنا أراد الله للمرأة في دورها الأساس أن تعتني بصناعة الإنسان، فقدّم وجودها عند طفلها والصلاة قرب مهده، على وجودها في المسجد والصلاة قرب محرابه، فعن الإمام الصادق عليه السلام: "خير مساجد نسائكم البيوت"[19].       
وإن كان هذا حال الخروج من البيت إلى المسجد، فكيف بخروجها إلى غير بيت الله عزّ وجلّ؛ فدورها في التكامل الاجتماعيّ محفوظ ومطلوب، ولكنَّ دائرة صناعة الإنسان ينبغي أن تكون الأساس.
فالمرأة كما يقول الإمام الخمينيّ (قده)، كالقرآن أوكل الله إلى كلٍّ منهما صنع الإنسان.

المرأة الإنسان
مراعاةً لتلك العاطفة، وحفظاً لمكانة المرأة، أراد الله أن يتمّ التعامل معها كإنسانٍ بقيمه الإنسانيّة، في مقابل النظرة إليها كأداة لاستمتاع الرّجل، وللربح والكسب، ولترويج مصالحه الاقتصاديّة.

وما الأحكام الإسلامية من وجوب الحجاب، وحرمة النّظر بشهوة، وتحريم الخلوة، والنهي عن الخضوع في القول الخ... إلا حفظاً لإنسانيّة المرأة.

فحذارِ حذارِ، من الدعوات البرّاقة في عناوينها، الهادفة إلى النّيل من إنسانيّة المرأة.

حذارِ حذارِ، من استهداف الأسرة التي ما زالت محصّنة في مجتمعنا، عبر الحملات بعنوان حقوق المرأة ومساواتها مع الرّجل، حتى تقع الأسرة في الشراك التي وقعت فيها الأسرة الغربية، وما زالت ضائعةً في متاهاتها.

ليكن مولد الزهراء (عليها السلام)"يوم المرأة"، مناسبةً لتحصين إنسانيّة المرأة، وتصويباً لمسارها الكماليّ من خلال القدوة الأولى السيّدة فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد (صلى الله عليه وآله).


[1]  الإمام الخميني، كلمة بمناسبة يوم المرأة بتاريخ 17/5/1980 م.
[2] جبري، عبد المنعم، المرأة عبر التاريخ البشري، ص197.
[3]  عبد الهادي، عباس، المرأة والأسرة في حضارات الشعوب وأنظمتها، ج 1، ص54.
[4]  منس، جولييت، المرأة في العالم العربي، ترجمة الياس مرقص، ص46.
[5]  منس، جولييت، المرأة في العالم العربي، ص48.
[6]  قصاب، عبد اللطيف، المرأة عبر التاريخ، ص77.
[7]  سورة النحل:الآية 58-59
[8]  سورة آل عمران، الآية 195.
[9]  سورة النحل، الآية 97.
[10]  سورة التحريم، الآية 11.
[11]  سورة مريم، الآية 17.
[12]  الكليني، محمّد، الكافي، ج6، ص5.
[13]  الصدوق، محمد، الأمالي، ص672.
[14]  الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، ج21، ص491.
[15]  مقطع من رسالة كتبها الإمام الخميني لابنه السيّد أحمد بتاريخ 28/04/1982.
[16]  الحرّ العاملي، محمد، وسائل الشيعة، ج7، ص122.
[17]  من كلمة للإمام الخميني بتاريخ 09/11/1978.
[18]  من كلمة بمناسبة يوم المرأة: 24/4/1981.
[19]  الحرّ العاملي، محمّد، وسائل الشيعة، ج3، ص510.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الزّوجة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الزّوجة
 
الإمام عليّ (عليه السلام) يخطب السيّدة فاطمة (عليها السلام)

نقل الشيخ الطوسيّ في الأمالي حديثَ مجيء أمير المؤمنين إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليخطب السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، مخاطباً رسول الله (صلى الله عليه وآله): "يا رَسولَ اللّه، فاطِمَةُ تُزَوِّجُنيها؟ فَقالَ: يا عَلِيُّ، إنَّهُ قَد ذَكَرَها قَبلَكَ رِجالٌ، فَذَكَرتُ ذلِكَ لَها، فَرَأَيتُ الكَراهَةَ في وَجهِها، ولكِن عَلى رِسلِكَ حَتّى أخرُجَ إلَيكَ. فَدَخَلَ عَلَيها فَقامَت إلَيهِ، فَأَخَذَت رِداءَهُ ونَزَعَت نَعلَيهِ، وأتَتهُ بِالوَضوءِ، فَوَضَّأَتهُ بِيَدِها وغَسَلَت رِجلَيهِ، ثُمَّ قَعَدَت، فَقالَ (صلى الله عليه وآله) لَها: يا فاطِمَةُ، فَقالَت: لَبَّيكَ! حاجَتُكَ يا رَسولَ اللّه؟ قالَ (صلى الله عليه وآله): إنَّ عَلِيَّ بنَ أبي طالِبٍ مَن قَد عَرَفتِ قَرابَتَهُ وفَضلَهُ وإسلامَهُ، وإنّي قَد سَأَلتُ ربّي أن يُزَوِّجَكِ خَيرَ خَلقِهِ وأحَبَّهُم إلَيهِ، وقَد ذَكَرَ مِن أمرِكِ شَيئًا، فَما تَرَينَ؟ فَسَكَتَت ولَم تُوَلِّ وَجهَها، ولَم يرَ فيهِ رَسولُ اللّه صلى الله عليه و آله كَراهَةً، فَقامَ (صلى الله عليه وآله) وهُوَ يَقولُ : اللّهُ أكبَرُ! سُكوتُها إقرارُها ،فأتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال : يا محمّد ،زوِّجها عليّ بن أبي طالب؛ فإنّ اللّه قد رضيها له ورضيه لها"[1]. 

وأكّد الإمام عليّ (عليه السلام) التدخّل الإلهيّ الخاصّ في زواجه من السيِّدة فاطمة (عليها السلام) بقوله الوارد عنه: "قالَ لي رَسولُ اللّهِ صلى الله عليه و آله: يا عَلِيُّ، لَقَد عاتَبَتني رِجالٌ مِن قُرَيشٍ في أمرِ فاطِمَةَ عليها السلام وقالوا: خَطَبناها إلَيكَ فَمَنَعتَنا، وزَوَّجتَ عَلِيّا، فَقُلتُ لَهُم: وَاللّهِ ما أنَا مَنَعتُكُم وزَوَّجتُهُ، بَلِ اللّهِ تَعالى مَنَعَكُم وزَوَّجَهُ، فَهَبَطَ عَلَيَّ جَبرَئيلُ عليه السلام فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللّهَ جَلَّ جَلالُهُ يَقولُ: لَو لَم أخلُق عَلِيّاً لَما كانَ لِفاطِمَةَ ابنَتِكَ كُفوٌ عَلى وَجهِ الأَرضِ؛ آدَمُ فَمَن دونَهُ"[2]. 

وعن المهر يحدّثنا أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: "لما أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) خاطباً ابنته فاطمة (عليها السلام) قال: وماعندك تنقدني؟ قلت له: ليس عندي إلا بعيري وفرسي ودرعي، قال (صلى الله عليه وآله): أمّا فرسك، فلا بدّ لك منه تقاتل عليه، وأمّا بعيرك، فحامل أهلك، وأمّا درعك، فقد زوّجك الله بها"[3].

دلالات الخطبة:
1- مكانة الزهراء (عليها السلام)
تبيِّن الروايات السّابقة المقام الخاصّ الاستثنائيّ للسيّدة فاطمة (عليها السلام)، فقد جعل الله عزّ وجلّ أمر زواجها ربّانيًا لا إنسانيًّا، واختار لها الزّوج في السماء قبل الأرض.

2- التّزويج المبكر:
إنّ صغر عمر السيّدة فاطمة (عليها السلام) والإمام عليّ (عليه السلام) عند زواجهما الذي حصل في السّنة الثانية للهجرة[4] هو دعوة للزواج المبكر الذي دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليه في قوله: "ما من شابّ تزوّج في حداثة سنّه إلّا عجّ شيطانه: يا ويله، يا ويله، عصم منّي ثلثي دينه، فليتّقِ اللهَ العبدُ في الثلث الباقي"[5].

3- المهر المتواضع
إنَّ درع الإمام عليّ (عليه السلام) كان هو المهر، وقد كانت قيمته، كما ورد في عدّة روايات ، خمسماية درهم ، أي 1500 غرام من الفضّة ، والقيمة المادّية له قليلة كما هو واضح، لكن له فوائد معنويّة جمّة، وهذا ما حثّ عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعنه (صلى الله عليه وآله): " أفضل نساء أُمّتي... أقلّهنّ مهراً "[6]، وعنه (صلى الله عليه وآله): " من بركة المرأة قلّة مهرها "[7].

4- تزويج المجاهد
اللافت في الرواية السابقة، والذي ينبغي أن يجعله آباء الفتيات نصب أعينهم، قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): " ... أمّا فرسك، فلا بدّ لك منه، تقاتل عليه..."[8]. إنّه تحفيز على الجهاد في سبيل الله عزّ وجلّ، وعلى الافتخار بتزويج البنات للمجاهدين.
 
عُرس النّورين (عليها السلام)
عن الإمام الباقر (عليه السلام): " لمّا كانت الليلة التي أهدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) إلى عليّ (عليه السلام) دعا بعليّ (عليه السلام) فأجلسه عن يمينه، ودعا بها (عليها السلام) فأجلسها عن شماله، ثمّ جمع رأسيهما، ثمّ قام (صلى الله عليه وآله)، وقاما وهو بينهما، يريد منزل عليّ (عليه السلام)، فكبّر جبرئيل في الملائكة، فسمع النبيّ (صلى الله عليه وآله) التكبير، فكبّر (صلى الله عليه وآله)، وكبّر المسلمون، وهو أوّل تكبير كان في زفاف، فصارت سُنّة".[9]

وفي رواية أخرى عن زفاف السيّدة الزهراء (عليها السلام) ورد أنّه " أمر النّبي (صلى الله عليه وآله) بنات عبد المطّلب ونساء المهاجرين والأنصار أن يمضين في صحبة فاطمة (عليها السلام)، وأن يفرحن ويرجزن ويكبّرن ويحمدن، ولا يقلن ما لا يرضى الله "[10].

دلالات العرس
1- الزفاف ليلاً
حصل عرس الإمام عليّ (عليه السلام) والسيّدة الزهراء (عليها السلام) ليلاً، وهذا من سُنّة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): " من السّنّة التزويج بالليل؛ لأنّ الله جعل الليل سَكَناً، والنّساء إنّما هنّ سَكَن"[11].
 
2- أجواء الفرح
إنّ أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) للنّساء أن يفرحن ويُنشدن الأشعار يدلّ على أنّ مراسم الزّفاف في الإسلام تكون في أجواء فرحٍ وسرورٍ ينبغي أن تفيء بظلالها على هذه المناسبة السّعيدة.

3- ذكر الله في الزّفاف
أكَّد رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن يكون العرس مفعماً بذكر الله عزّ وجلّ، لا سيّما بتكبير الله عزّ وجلّ وحمده الذي يستحضر الشّكر على نعمة الزّواج، كما أنّه (صلى الله عليه وآله) حذّر من أن يحتوي العرس على ما لا يرضي الله تعالى.

المنزل المتواضع
عاشت السيّدة فاطمة (عليها السلام) مع الإمام علي (عليه السلام) في بيت متواضع، "إذ لم يكن عنده – حسب ما رُويَ – غير جلد كبش اتّخذه هو (عليه السلام) والصدّيقة الزهراء (عليها السلام) فراشاً في الليل، وكان (عليه السلام) يضع عليه علف ناقته في النّهار"[12]، وكانت الزهراء (عليها السلام) راضيةً بما قسم الله لهما، مستنّة بسُنّة أبيها (صلى الله عليه وآله) القائل: "أيّما امرأة أدخَلَت على زوجها في أمر النّفقة وكلّفته ما لا يطيق، لا يقبل الله منها صرفاً ولا عدلاً، إلّا أن تتوب وترجع، وتطلب من طاقته"[13].
 
إنّ مواصفات منزل الإمام عليّ والسيّدة فاطمة عليهما السلام تُوجّه أهل الإيمان في عصرنا إلى النّظر في نمط العيش المُكلِف؛ فتواضع الأثاث يُزيل عقبة من أمام الشبّان الذين يُخطّطون للزواج ضمن إمكانيّاتهم المحدودة.

كوخ النّور
من أجمل ما عُبِّر به عن بيت عليّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) قول الإمام الخميني (قده): "كان لدينا في صدر الإسلام كوخٌ ضمَّ بين أطرافه أربعة أو خمسة أشخاص، إنّه كوخ فاطمة (عليها السلام). وكان أشدّ بساطة حتى من هذه الأكواخ [يقصد سماحته البيت والحجرة المتواضعة التي يقيم فيها]. ولكن ما هي بركاته؟ لقد بلغت بركات هذا الكوخ ذي الأفراد المعدودين درجةً من العظمة غطّت نورانيّته العالم؛ وليس من السّهل على الإنسان أن يُحيط بتلك البركات. إنَّ سكنة هذا الكوخ البسيط اتّسموا من الناحية المعنويّة بمنزلة سامية لم تبلغها حتى يد الملكوتيّين، وعمّت آثارهم التربويّة بحيث إنّ كلّ ما تنعم به بلاد المسلمين –وبلدنا خاصّة – هو من بركات آثارهم تلك"[14].

التعامل الزوجيّ
يُحدّثنا الإمام عليّ (عليه السلام) عن علاقته بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) بقوله: "فوالله، ما أغضَبتُها، ولا أكرَهتُها على أمرٍ حتى قَبَضَها الله عزّ وجلّ، ولا أغضَبَتني، ولا عَصَت لي أمرًا، ولقد كُنتُ أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان"[15].

دلالات التعامل الزوجيّ
1- تجنّب التوتير
إنّ تعبير الإمام عليّ (عليه السلام) بعدم إغضابه السيّدة فاطمة (عليها السلام)، وعدم إغضابها (عليها السلام) له (عليه السلام) يُمثّل قاعدة أساسيّة للحياة الزوجيّة السّعيدة، وهي أن تكون المرأة "خفيفة الظلّ"، وأن يكون الرّجل كذلك، بحيث يسعى كلٌّ منهما أن لا يُوتّر الآخر، وأن لا يؤدّي به إلى الغضب.

2- عدم إكراه الزوجة
إنّ قلّة الحقوق الزوجيّة الملزمة إنّما كانت كذلك لأجل أن تبقى هذه الحياة في ظلال المودّة والرحمة، وذلك بأن تشعر الزّوجة حينما تقوم بشيء لأجل زوجها، أنّها تفعله من تلقاء نفسها حبَّاً له، وتقرّباً إلى الله عزّ وجلّ، وليس من باب الإلزام الشرعيّ بالأمر، وهذا ما يتناسب مع عاطفة المرأة التي تنسجم مع الاندفاع الداخليّ، أكثر من الإلزام الخارجيّ، وهو ما يُهيّؤها للأمومة بالشكل الأنسب؛ لتكون دمعتها أقوى أثراً من كلامٍ قاسٍ، أو إلزامٍ من موقع القوّة.

3- وجه السّعادة
من أجمل ما يُعبّر عن أسباب السعادة في الحياة الزوجيّة هو ما تقدّم من قول الإمام علي (عليه السلام): "... ولقد كُنتُ أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان"[16].
وقد عبّر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن علامة أساسيّة للزّوجة الصّالحة بقوله (صلى الله عليه وآله): "إنّ من القسم المصلح للمرء المسلم أن تكون له امرأة، إذا نظر إليها سرّته، وإن غاب عنها حفظته، وإن أمرها أطاعته".[17]
وفي هذا توجيهٌ للمرأة أن يكون سعيها الدائم لتأمين ما يُسعد زوجها، بدءاً من ابتسامة الصّباح؛ فـ"البشاشة فخّ المودّة"[18]، استمراراً بالوداعة واللِّين في المعاشرة والتي عبَّر عنها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: "خير نسائكم... الهيِّنة، الليّنة، المؤاتية، التي إذا غضب زوجها لم تكتحل بغمض حتى يرضى، وإذا غاب عنها زوجها حفظته في غيبته، فتلك عاملٌ من عمّال الله، وعامل الله لا يخيب"[19].


[1] الطوسي، محمّد، الأمالي، ص39.
[2] الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 225.
[3] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، الجزء 104، ص 88.
[4] المفيد، محمّد، مسار الشيعة، ص36.
[5] الراونديّ، فضل الله، النوادر، تحقيق سعيد رضا عسكري، ط1، قم، دار الحديث، (لا،ت)، ص113.
[6] الطبرسيّ، حسين، مستدرك الوسائل، ج14، ص 160.
[7] الحر العامليّ، محمد، وسائل الشيعة، ج15، ص 10.
[8] المجلسيّ، محمد باقر، بحار الأنوار، ج101، ص 88.
[9] الطبريّ، محمّد، دلائل الإمامة، تحقيق مؤسسة البعثة، ط1، قم، مؤسسة البعثة، 1413هـ، ص 102.
[10] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج109، ص68.
[11] الكليني، محمّد، الكافي، ج5، ص366.
[12] من حديث للإمام الخميني بتاريخ 4/7/1979م.
[13] الطبرسي، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، ط6، قم، منشورات الشريف الرضي، 1392هـ، ص202.
[14] من حديث للإمام الخميني بتاريخ 21/3/1983م.
[15] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 23، ص 134.
[16] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 23، ص 134.
[17] الكليني، محمّد، الكافي، ج5، ص327.
[18] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج75، ص39.
[19] المصدر السابق، ج20، ص29.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) أمُّ أبيها

السيّدة فاطمة (عليها السلام) أمُّ أبيها
 
أن تكون المرأة أمّاً لولدها يعني أنّها منبع العطاء العاطفيّ بلا ملل، ولا كسل، ولا مقابل؛ فعاطفتها مجبولة بغذاء رحمها، وحليب رضاعها ونظرة عينيها، ولمسة يديها، ودفء حضنها...
وعاطفتها هذه لا يصحّ مقاربتها بالمنطق المادّي، أو بالحساب الرياضيّ، أو بالقانون الوضعيّ، إنّها خارقة لكلّ تلك المعايير، ولذا لا يمكن أن تقارب مكافأتها باللغة الحقوقيّة.

   قال رجلٌ لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ والدتي بلغها الكبر، وهي عندي الآن، أحملها على ظهري، وأُطعمها من كسبي، وأُميط عنها الأذى بيدي، وأصرف عنها من ذلك وجهي استحياءً منها وإعظاماً لها، فهل كافأتها؟ فقال (صلى الله عليه وآله): "لا؛ لأنّ بطنها كان لك وعاءً، وثديها كان لك سقاءً، وقدمها لك حذاءً، ويدها لك وقاءً، وحجرها لك حواءً، وكانت تصنع ذلك لك وهي تمنّى حياتك، وأنت تصنع هذا بها وتحبّ مماتها"[1].

    أن تكون الفتاة بنتاً لوالدها يعني أنّها مصبّ عاطفته وحنانه، فهي تحتاج إلى العاطفة أكثر من حاجتها إلى الطّعام والشّراب، لذا كانت نظرة الوالد العاطفيّة إليها محلّ ثناء الله وثوابه، ولذا ورد في ثقافة الإسلام أن يقدّمها الأب على أولاده الذكور في هداياه، فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله): "مَن دَخَل السّوق فاشتَرى تحفة، فحَمَلها إلى عياله كان كحَامِل صَدَقة إلى قَوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور"[2].

إذاً المرأة الأمّ منبع العاطفة لولدها، والفتاة البنت مصبّ العاطفة من والدها.

  في ضوء ذلك نسأل ما معنى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): "فاطمة أمّ أبيها"[3].

إنّ تبديل صفة البنت بالأمّ، فهي "أمّ أبيها" بدل "بنت أبيها" لعلّه من باب أنّها مكتملة في عاطفتها، فهي ليست كسائر البنات، بل هي إنسانٌ كاملٌ مكتمل العاطفة، ممّا اقتضى أن لا يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله): "فاطمة (عليها السلام) بنت أبيها"، بل "فاطمة أمّ أبيها".
لكن ما معنى كونها أمًّا لأبيها، وأبوها (صلى الله عليه وآله) سيّد بني البشر، والإنسان الأكمل في عالم الإمكان، فهو منزَّه عمَّا يحتاجه الولد من عاطفة الأمومة، فما معنى كون السيّدة فاطمة (عليها السلام) الكاملة أمًّا لخاتم الأنبياء محمّد (صلى الله عليه وآله) الكامل؟
نعرض في مقام الجواب ثلاثة معانٍ:

المعنى الأوّل
رغم أنّ الاستعمال الأغلب للفظ الأمّ في لغة العرب هو بمعنى الوالدة، إلاّ أنّ القرآن الكريم في قوله عزّ وجلّ استعمله في معنى آخر في قوله عزّ وجلّ: " النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ"[4]، ومن الواضح أنّ اكتساب زوجات النبيّ (صلى الله عليه وآله) صفة امّهات المؤمنين كان من موقع الصِّلة الزّوجيّة برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالقيمة الأساسيّة هي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومن خلال هذه القيمة قال عزّ وجلّ: " وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ"؛ من هذا المدخل نقارب معنى "فاطمة أمّ أبيها"، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) من منطلق هذه الآية، كأنّه (صلى الله عليه وآله) يقول للمؤمنين: يا أيّها المؤمنون، إن كانت زوجاتي أمّهات لكم، فاعلموا بأنّ فاطمة (عليها السلام) هي ليست أمّكم، بل هي، في مقام أعلى من مقام أمّ المؤمنين، لأنّها أمُّ نبيِّكم.

المعنى الثاني
ولأمّ أبيها معنى آخر ينطلق من المقاربة اللغويّة للفظ الأمّ، الذي هو الأصل الذي منه تتفرَّع الأشياء، يقال: مكّة أمّ القرى أي أصلها ، ومنها تفرُّعها.
وعليه فالسيّدة فاطمة (عليها السلام) هي أمّ أبيها بمعنى كونها الأصل الذي من خلاله يستمرّ أبوها في رسالته، وذلك من خلال ما قامت به لحفظ الإسلام، ولكونها أصل المعصومين (عليهم السلام) من ذريّة أبيها (صلى الله عليه وآله)، والذين من خلالهم تستمرّ الرّسالة، ورسوليّة الرسول.
ويقارب هذا المعنى ما ورد عن النبيّ (صلى الله عليه وآله): "حسين منّي وأنا من حسين"[5]، فكون الحسين (عليه السلام) من النبيّ (صلى الله عليه وآله) أمرٌ واضح، لكنّ كون النبيّ (صلى الله عليه وآله) من الحسين (عليه السلام) هو بمعنى أنّ استمرار الإسلام ورسالة الرّسول (صلى الله عليه وآله)، وبالتالي محمّد النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان بسبب قيام الإمام الحسين (عليه السلام) التي لولاه لما بقي للإسلام من أثر.
 
المعنى الثالث
ولأمّ أبيها معنىً ثالث ينطلق أيضًا من المقاربة اللغويّة للفظ الأمّ الذي يأتي بمعنى الجامع، فقد سُمّيت الفاتحة أمّ الكتاب؛ لأنّها جامعة لما فصَّله القرآن الكريم، فمضمون الكتاب العزيز يدور حول الربوبيّة والنبوّة والمعاد وما بين المبدأ والمعاد، والفاتحة جمعت وحوت كلّ هذا باختصار.
وعليه فالسيّدة فاطمة (عليها السلام) أمّ أبيها بمعنى أنّها الجامعة لصفات أبيها (صلى الله عليه وآله) الكماليّة، فمن أراد أن يتعرّف على النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) في كماله فليتعرَّف على ابنته السيّدة فاطمة (عليها السلام).


 

[1]  الطبرسي، حسين، مستدرك الوسائل، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، ط1، بيروت، 1408هـ، ج15، ص180.
[2] الصدوق، محمّد، ثواب الأعمال، ط2، قم، منشورات الشريف الرضي، 1368هـ.ش، ص 201.
[3] الطبرانيّ، سليمان، المعجم الكبير، ج22، ص 397.
[4]  سورة الأحزاب، الآية 6.
[5] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج‏43، ص‏316.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الحبيبة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) الحبيبة
 
قال الله عزّ وجلّ:
﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[1]. إنّه توجيه من الله عزّ وجلّ للنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) أن لا يسألَ النّاسَ أجرًا وثوابًا على الجهد العظيم الذي بذله لأجل الإسلام، وبالتالي لأجل النّاس، لكن هناك استثناء: " إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى"[2]، فالرّسول (صلى الله عليه وآله) بتوجيهٍ من الله سبحانه يطلب من النّاس المقابلَ لجهده، ألا هو المودّة في القربى.

فمن هم القربى؟
هذا ما سأله بعض الصّحابة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، كما تقدّم، فكان جوابه (صلى الله عليه وآله): "عليّ وفاطمة وابناهما"[3].
والمودّة تعني الحبّ المفعّل الذي يتحقّق من خلال السلوك العمليّ، وبما أنّ الحبّ هو انجذاب القلب بسبب كمال يراه المحبّ في المحبوب، فإنّ طلب المودّة للقربى (عليها السلام) يعني تفعيل الانجذاب إليهم بسبب ما يرى المنجذبون من كمالاتهم، لذا فإن الحديث عن مودّة السيّدة فاطمة (عليها السلام) يجرّنا إلى الحديث عن كمالاتها.

كمالات السيّدة فاطمة (عليها السلام)
وأيّ كمالاتٍ هي لفاطمة (عليها السلام)!!
1- إنّ كمالها (عليها السلام) تجلّى من عالم الأنوار قبل خلق هذا الكون، فعن الإمام الصّادق (عليه السلام) في حديثه عن جدّته السيّدة فاطمة (عليها السلام): "إنّ الله عزّ وجلّ خلقها من نور عظمته، فلمّا أشرقت أضاءت السماوات والأرض بنورها"[4].

2- وفي عالم الجنّة ظهر الكمال الثّاني للسيّدة فاطمة (عليها السلام)، وذلك في معراج النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فعنه (صلى الله عليه وآله): "أخذ جبرائيل بيدي، وأدخلني الجنّة، وأدناني من شجرة طوبى، وناولني من ثمارها فأكلته، فحوّل الله ذلك ماءً في ظهري، فلمّا هبطتُ إلى الأرض واقعتُ خديجة (عليها السلام)، فحملت بفاطمة (عليها السلام)، فما قبّلتها قطّ إلاّ وجدتُ رائحة شجرة طوبى منها"[5].
وعن هذا ورد قول النبيّ (صلى الله عليه وآله): "فاطمة حوراء إنسيّة، كلّما اشتقتُ إلى رائحة الجنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة (عليها السلام)"[6].

3- وبان كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) وهي جنين، في حديث غيبٍ، وذلك حينما قاطعت نساء قريش أمّها السيّدة خديجة الكبرى (عليها السلام)، فعن المفضّل بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف كان ولادة فاطمة (عليها السلام)؟ فقال: "نعم، إنّ خديجة (عليها السلام) لما تزوّج بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) هجرتها نسوة مكة، فكنّ لا يدخلنَ عليها، ولا يسلّمنَ عليها، ولا يتركنَ امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة (عليها السلام) لذلك، وكان جزعها وغمّها حذراً عليه (صلى الله عليه وآله). فلمّا حملت بفاطمة (عليها السلام) كانت (عليها السلام) تُحدّثها من بطنها وتصبّرها، وكانت تكتم ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوماً فسمع خديجة (عليها السلام) تُحدّث فاطمة (عليها السلام)، فقال (صلى الله عليه وآله) لها: يا خديجة، من تُحدّثين؟ قالت (عليها السلام): الجنين الذي في بطني يُحدّثني ويؤنسني. قال (صلى الله عليه وآله): يا خديجة، هذا جبرئيل يُخبرني أنّها أنثى، وأنّها النَّسِلَة الطّاهرة الميمونة، وأنّ الله تبارك وتعالى سيجعل نسلي منها، وسيجعل من نسلها أئمّة، ويجعلهم خلفاءه في أرضه بعد انقضاء وحيه"[7].

4- وظهر كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) المولودة، إذ لمّا وُلدت (عليها السلام) أشرق منها نورٌ حتى دخل بيوتات مكّة، ولم يبقَ في شرق الأرض وغربها موضع إلاّ أشرق فيه ذلك النور، وحدث في السماء نورٌ زاهر لم تره الملائكة من قبل.

5- وخلّد القرآن حديثه عن كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في آية التطهير[8]، وفي آية المباهلة[9]، وفي آية المودّة[10]. وقد تقدّم بيان ذلك.

6- وبيّنت الملائكة كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إنّما سُمّيت فاطمة (عليها السلام) محدَّثة؛ لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران (عليها السلام) فتقول: يا فاطمة، الله اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين. يا فاطمة، اقنتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين، فتُحدّثهم ويُحدّثونها. فقالت (عليها السلام) لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران (عليها السلام)؟ فقالوا: إنّ مريم (عليها السلام) كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ الله عزّ وجلّ جعلك سيّدة نساء عالمك وعالمها وسيّدة نساء الأوّلين والآخرين[11]".

7- وكبرت السيّدة فاطمة (عليها السلام) في كنف أبيها (صلى الله عليه وآله) ليُخبِر عن كمالها بأحاديث كثيرة منها:
- "فاطمة أمّ أبيها"[12].
- "أحبّ الناس إليّ من النساء، فاطمة"[13].
- "أحبّ أهلي إليّ فاطمة"[14].
- "من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة بنت محمّد، وهي بضعة منّي، وهي قلبي وروحي التي بين جنبيّ"[15].
- "رضا فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، ومن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني"[16].
وكانت (عليها السلام) إذا دخلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) قام (صلى الله عليه وآله) إليها فقبّلها ورحّب بها وأخذ بيدها وأجلسها في مجلسه.

8- وظهرت كمالات السيّدة فاطمة زوجةً لوليّ الله (عليها السلام) تصبر على الفقر والجوع وهي تفتخر قائلة: "طوبى لامرأة رضي عنها زوجها"[17]. وعن كمالاتها يتحدّث الوليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلاً: "فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمرٍ حتى قبضها الله عزّ وجلّ، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمرًا، ولقد كنت أنظر إليها، فتنكشف عنّي الهموم والأحزان"[18].

9- وتجلّى كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) أمًّا لأولادها الأطهار حيث، كما عبّر الإمام الخمينيّ (قده)،: "ربّت في حجرة صغيرة وبيت متواضع أشخاصًا يشعّ نورهم من بسيطة التراب إلى عالم الأفلاك، ومن عالم الملك إلى الملكوت الأعلى"[19].

10- وبرز كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) عالمةً حيث كانت تنشر تعاليم الإسلام، فقد ورد أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) سُئل عن بعض المسائل، فأجاب (عليه السلام) عنها، وعقَّب قائلاً: "إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يأمر بذلك فاطمة (عليها السلام)، وكانت (عليها السلام) تأمر بذلك المؤمنات"[20] ولميزتها في نشر هذه التعاليم المباركة سمّيت بالمحدِّثة.

11- وبان كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) عابدةً، فكانت تصلّي، وتطيل القيام حتى تتورَّم قدماها، وكانت (عليها السلام) تتغيّر معالمها في الصلاة من خشية الله، وقد عرف ذلك منها القريب والبعيد، فقد نُقل عن الحسن البصريّ قوله: "ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمة (عليها السلام)، كانت تقوم حتى تتورّم قدماها"[21].
وفي عبادتها (عليها السلام) عاشت الإنسانيّة بمعناها الواسع، فعن الإمام الحسن (عليه السلام): "رأيت أمّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتّضح عمود الصّبح، وسَمعتُها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسمّيهم وتُكثر الدّعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أمّاه، لما لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بنيّ، الجار ثمّ الدار"[22].

12- وعُرف كمال السيّدة فاطمة مجاهدةً في الحرب الاقتصاديّة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شِعب أبي طالب ثلاث سنين حيث كانت تربط الحجر على بطنها من شدّة الجوع، وفي الحرب العسكريّة حيث كانت تداوي جرح أبيها (صلى الله عليه وآله) في معركة أُحُد، وتساعده في جهاده في معركة الخندق، وتدخل مع أبيها (صلى الله عليه وآله) وزوجها (ع ) فاتحةً إلى مكّة.

13- وشعَّ كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في ساحة الولاية والإمامة، حيث وقفت (عليها السلام) أمام من حاول أن يحرف التاريخ عن مسار الحقّ والعدالة، فاستطاعت بموقفها، وحركتها، وخطبتها السياسيّة الصّارخة، ووصيّتها الخالدة أن تحافظ على الحقّ ودوامه خارقًا كلّ جدر المستقبل وظلماته.

14- ومن أروع تجلّيات كمال السيّدة فاطمة (عليها السلام) في مقامها عند الله تعالى هو حديث جبرئيل (عليه السلام) معها بعد رحيل أبيها النبيّ (صلى الله عليه وآله) حيث نزل يسلّيها ويخبرها بأحداث المستقبل التي ستنتهي بدولة الحقّ على يد حفيدها.
 
 سرُّ حبّها (عليها السلام)
لأجل كلِّ هذه الكمالات كان الحبّ للسيّدة فاطمة (عليها السلام)، الحبُّ لكمالاتها التي استمدّتها من كمالات ربّها، فتجلّت كمالاته عزّ وجلّ فيها، الحبّ الذي يجذب المُحبّ أن يسلك طريق الكمال، لتناله شفاعة الكاملة فاطمة (عليها السلام)، فتفطمه من العذاب، وهذا سرُّ اسمها فهي فاطمة (عليها السلام)؛ "لأنّها فطمت شيعتها من النار"[23]؛ وعن هذا المشهد يحدّثنا الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله الوارد عنه (عليه السلام): "إذا كان يوم القيامة...ينادي المنادي، وهو جبرئيل (عليه السلام): يا أهل الجمع، طأطئوا الرّؤوس، وغضّوا الأبصار؛ فإنّ هذه فاطمة (عليها السلام) تسير إلى الجنّة، فيأتيها جبرئيل (عليه السلام) بناقة من نوق الجنّة ...، فتناخ بين يديها فتركبها، فيبعث الله مائة ألف ملك ليسيروا عن يمينها، ويبعث إليها مائة ألف ملك ليسيروا عن يسارها، ويبعث إليها مائة ألف ملك يحملونها على أجنحتهم حتى يصيّروها على باب الجنّة، فإذا صارت عند باب الجنّة تلتفت (عليها السلام)، فيقول الله: يا بنت حبيبي، ما التفاتك، وقد أمرت بك إلى جنّتي؟! فتقول (عليها السلام): يا ربّ، أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا بنت حبيبي، ارجعي فانظري من كان في قلبه حبّ لك أو لأحد من ذريّتك، خذي بيده، فأدخليه الجنّة، قال أبو جعفر (عليه السلام): والله يا جابر، إنّها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبّيها كما يلتقط الطير الحَبّ الجيّد من الحبّ الرديء، فإذا صار شيعتها معها عند باب الجنّة يلقي الله في قلوبهم أن يلتفتوا، فإذا التفتوا يقول الله: يا أحبّائي، ما التفاتكم، وقد شفّعت فيكم فاطمة بنت حبيبي؟! فيقولون: يا ربّ، أحببنا أن يعرف قدرنا في مثل هذا اليوم، فيقول الله: يا أحبّائي، ارجعوا وانظروا من أحبّكم لحبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من أطعمكم لحبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من كساكم لحبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من سقاكم شربة في حبّ فاطمة (عليها السلام)، انظروا من ردّ عنكم غيبة في حبّ فاطمة (عليها السلام)، فخذوا بيده، وأدخلوه الجنّة"[24].


[1] سورة الشورى، الآية 23.
[2] المصدر السابق نفسه.
[3] الطبراني، سليمان، المعجم الكبير، ج3، ص 47.
[4] الصدوق، محمّد، علل الشرائع، (لا،ط)، النجف، منشورات المكتبة الحيدرية، 1385هـ، ج1، ص 180.
[5] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج8، ص 120.
[6] الصدوق، محمّد، الأمالي، 546.
[7] الصدوق، محمّد، الأمالي، ص 690 - 691.
[8] سورة الأحزاب، الآية 33.
[9] سورة آل عمران، الآية 61.
[10] سورة الشورى، الآية 23.
[11] الصدوق، محمّد، علل الشرائع، ج1، ص 182.
[12] الطبرانيّ، سليمان، المعجم الكبير، ج22، ص 397.
[13] الأمينيّ، عبد الحسين، الغدير، ط4، بيروت، دار الكتاب العربي، 1397هـ، ج3، ص 24.
[14] المصدر السابق نفسه.
[15] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 54.
[16] المصدر السابق، ج 28، ص 357.
[17] الصدوق، محمد، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، (لا،ط)، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1404هـ، ج1، ص14.
[18] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 134.
[19]
[20] البحرانيّ، يوسف، الحدائق الناضرة، (لا،ط)، قم، مؤسسة النشر الاسلامي، (لا،ت)، ج3، ص 297.
[21] الزمخشري، محمود، ربيع الأبرار ونصوص الأخبار، تحقيق عبد الأمير مهنا، ط1، بيروت، مؤسسة الأعلمي، 1412هـ، ج2، ص104.
[22] الحرّ العاملي، محمد، وسائل الشيعة، تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت (عليه السلام)، ط2، قم، 1414هـ، ج4، ص 1150.
[23] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 4.
[24] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج8، ص 51-52.

السيّدة فاطمة (عليها السلام) في سيرة مختصرة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) في سيرة مختصرة
 
ولادتها (عليها السلام)

في كنف خاتم الأنبياء محمّد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله) وأمّ المؤمنين السيّدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام) وُلدت السيّدة فاطمة (عليها السلام) في السّنة الخامسة بعد البعثة النبويّة كما هو المشهور عند علماء الشيعة[1]، وذلك يوم الجمعة في العشرين من شهر جمادى الآخرة[2]، وعن الشيخ المفيد أنّها ولدت بعد المبعث بسنتين[3]، وقد ذهب العديد من علماء أهل السّنّة أنّها ولدت قبل البعثة الشريفة بخمس سنوات[4].

في شِعب أبي طالب
حاصر مشركو قريش النبيّ محمّدًا (صلى الله عليه وآله) ومن معه من المسلمين والهاشميّين في شِعب أبي طالب لمدّة ثلاث سنوات ابتداءً من السّنة السّابعة بعد البعثة المباركة، ورغم صغر سنّها كانت السيّدة فاطمة (عليها السلام) مع أبيها (صلى الله عليه وآله) وأمّها (عليها السلام) في هذا الحصار تعاني ما عانوه من الجوع وشظف العيش.
 
 وفاة السيّدة خديجة (عليها السلام)
في السّنة العاشرة من المبعث النبويّ توفّيت أمّها السيّدة خديجة (عليها السلام) بعد رحيل أبي طالب (عليه السلام) عمّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) بأيّام، ممّا سبّب حزنًا شديدًا للنبيّ (صلى الله عليه وآله) الذي سمّى ذلك العام بعام الحزن.

مواساتها (عليها السلام) لأبيها (صلى الله عليه وآله) في مكّة
رغم صغر سنِّها وقفت فاطمة (عليها السلام) إلى جانب أبيها (صلى الله عليه وآله) في دعوته إلى الإسلام، فكانت (عليها السلام) إذا أصابه من المشركين أذًى تقف إلى جانبه تواسيه في دعوته. فقد رُوي عن عبد الله بن مسعود أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يصلّي، ورَهْط من قريش جلوس، وسَلَى[5] جَزور[6]  قريب منه، فقالوا: من يأخذ هذا السَّلى فيلقه على ظهره، فقام رجل، وألقاه على ظهره (صلى الله عليه وآله)، فلم يزل (صلى الله عليه وآله) ساجدًا حتى جاءت فاطمة (عليها السلام) فأخذته عن ظهره[7].

مع ركب الفواطم
بعد ثلاث عشرة سنة من الدّعوة في مكّة هاجر رسول الله (صلى الله عليه وآله) باتجاه مدينة "يثرب"، تاركًا في مكّة ابن عمّه الإمام عليّ بن أبي طالب (عليها السلام) ليتبعه لاحقًا، وحينما وصل الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إلى منطقة "قُبَاء" قرب المدينة أبى (صلى الله عليه وآله) أن يدخلها حتى يأتي الإمام عليّ (عليه السلام)، ومعه السيّدة فاطمة (عليها السلام) ابنته، وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطّلب، وفاطمة بنت حمزة بن عبد المطلّب. وحينما وصلْنَ مع الإمام عليّ (عليه السلام) تحرّك النبيّ (صلى الله عليه وآله) نحو "يثرب" ليكون استقبال أهلها له وهو مع الإمام عليّ (عليه السلام) والفواطم.

حُسن السيّدة فاطمة (عليها السلام)
يكفي في الحديث عن حُسن السيّدة فاطمة (عليها السلام) ما ورد عن أبيها (صلى الله عليه وآله): "لو كان الحُسن شخصًا لكان فاطمة (عليها السلام)"[8].

زواج النّورين (عليهم السلام)
في المدينة تقدّم لخطبة السيّدة فاطمة (عليها السلام) العديد من الرجال، فكان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) يردّهم ردًّا جميلاً قائلاً لهم: "أنتظر بها القضاء"[9].
وفي السّنة الثّانية من الهجرة النبويّة هبط ملكٌ كريم على النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله) قائلاً له: "بعثني الله إليك لتزوِّج النّور من النّور، فقال (صلى الله عليه وآله): مَن مِمَّن؟ فقال: ابنتك فاطمة من عليّ بن أبي طالب"[10].
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّما أنا بشرٌ مثلكم، أتزوّج فيكم وأُزوّجكم، إلاّ فاطمة؛ فإنّ تزويجها نزل من السماء"[11]، وورد عن الإمام الصادق (عليها السلام): "لولا أنّ الله خلق أمير المؤمنين لفاطمة (عليها السلام) ما كان لها كفؤ على الأرض"[12].

في بيت الزوجيّة
ورد أنّ الإمام عليّ (عليه السلام) قال لرجلٍ من بني سعد: " ألا أحدِّثك عنّي وعن فاطمة (عليها السلام): إنّها (عليها السلام) كانت عندي، وكانت من أحبّ أهله إليه [أي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)]، وإنّها (عليها السلام) استَقَت بالقِربَة حتّى أَثَّر في صَدرها، وطَحَنَت بالرَّحَى حتى مَجَلَت[13] يداها، وكَسَحَت[14] البيت حتى اغبرَّت ثيابها، وأَوقَدَت النّار تحت القِدر حتى دكِنَت ثيابها..."[15]. وكان (عليها السلام) يقول: "فوالله ما أغضَبتُها، ولا أكرَهتُها على أمرٍ حتى قَبَضَها الله عزّ وجلّ، ولا أغضَبَتني، ولا عَصَت لي أمرًا، ولقد كُنتُ أنظر إليها فتنكشف عنّي الهموم والأحزان"[16].

أولادها (عليها السلام)
كرّم الله السيّدة فاطمة (عليها السلام) بأن جعل ذريّة النبيّ (صلى الله عليه وآله) المعصومة منها، فعن النبيّ (صلى الله عليه وآله): "إنّ الله جعل ذريّة كلّ نبيّ في صلبه، وجعل ذريّتي في صلب هذا"[17] وأشار إلى الإمام عليّ (عليها السلام)، وكان (صلى الله عليه وآله) يقول: "كلّ بني أنثى فإنّ عَصَبَتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة (عليها السلام)، فإنّي أنا عَصَبَتهم، وأنا أبوهم"[18].

في السّنة الثالثة من الهجرة في النّصف من شهر رمضان أولدت السيّدة فاطمة (عليها السلام)  "الحسن" (عليه السلام) ، وفي السّنة الرابعة للهجرة في الثالث من شعبان أولدت (عليها السلام) "الحسين" (عليه السلام)، وفي الخامس من جمادى الأولى في السّنة الخامسة للهجرة أولدت (عليها السلام) "زينب"(عليها السلام)، وبعدها أولدت (عليها السلام) أمّ كلثوم (عليها السلام) التي كانت تسمّى بزينب الصغرى. ومن وَلَدِها الحسين (عليه السلام) كان الأئمّة التسعة المعصومون (عليهم السلام)  الذين كانوا يفتخرون بنسبهم إلى جدّتهم فاطمة (عليها السلام)، فعن حفيدها الثامن الإمام الحسن العسكريّ (عليه السلام): "نحن حُجَج الله على الخَلق، وجَدَّتنا فاطمة (عليها السلام) حُجَّة الله علينا"[19].

علاقة الرسول (صلى الله عليه وآله) بابنته فاطمة (عليها السلام)
ورد عن عائشة أنّها قالت: "ما رأيتُ أحدًا كان أشبه كلامًا وحديثًا برسول الله (صلى الله عليه وآله) من فاطمة (عليها السلام)، وكانت (عليها السلام) إذا دخلت عليه (صلى الله عليه وآله) قام إليها فقبّلها، ورحّب بها...، وكانت (عليها السلام) إذا دخل عليها رسول الله (صلى الله عليه وآله) قامت إليه مستقبلةً، وقبّلت يده"[20].
وفي سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه كان إذا أراد السفر كان آخر عهده بفاطمة (عليها السلام)، وإذا رجع كان أوّل عهده (صلى الله عليه وآله) بها (عليها السلام).

آية التطهير
عن أمّ سلمة: "في بيتي نزلت "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا "[21]...فجاءت فاطمة...فقال (صلى الله عليه وآله): ادْعي زوجك وحسنًا وحسينًا، فدعتهم...فغشاهم بكساء خيبريّ كان عليه، فقال (صلى الله عليه وآله) : اللهمّ، هؤلاء أهل بيتي وحامّتي، فأذهِب عنهم الرّجس، وطهّرهم تطهيرًا، ثلاث مرات"[22].
 
السيّدة فاطمة (عليها السلام) في آية المباهلة
روي أنّ وفدًا من نصارى نجران قدم إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، وتحاور معه (صلى الله عليه وآله) في أمور العقيدة، فلم يقتنعوا بالإسلام، فأنزل الله تعالى على قلب نبيّه (صلى الله عليه وآله): ﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾[23].
وفي وقت المباهلة خرج رسول الله ( ص ) وعليّ (عليها السلام) بين يديه، والحسن (عليها السلام) عن يمينه قابضاً بيده، والحسين (عليها السلام) عن شماله، وفاطمة (عليها السلام) خلفه، ثمّ قال (صلى الله عليه وآله): هلمّوا، فهؤلاء أبناؤنا : للحسن (عليه السلام) والحسين (عليه السلام)، وهؤلاء أنفسنا: لعليّ (عليه السلام) ونفسه (صلى الله عليه وآله)، وهذه نساؤنا: لفاطمة (عليها السلام) .فجعلوا يستترون بالأساطين، ويستتر بعضهم ببعض تخوّفاً أن يبدأهم بالملاعنة، ثمّ أقبلوا حتّى بركوا بين يديه وقالوا : أَقِلنا أقالك الله يا أبا القاسم ! فقال (صلى الله عليه وآله): "أقلتكم"، وصالحوه على ألفي حلّة [24].
  
السيّدة فاطمة (عليها السلام) في آية المودّة
أنزل الله تعالى قوله: ﴿قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾[25]، فسأله بعض أصحابه: من هم القربى؟ فأجابهم (صلى الله عليه وآله): عليّ وفاطمة وابناهما"[26].
 
السيّدة فاطمة (عليها السلام) في سورة الإنسان
عن ابن عبّاس: مرض الحسن (عليها السلام) والحسين (عليها السلام)،...فقال عليّ (عليها السلام): عليّ لله إن بَرَأ ولداي ممّا بهما صُمت ثلاثة أيّام شكرًا، وقالت فاطمة (عليها السلام) كذلك...فأُلبس الغلامان العافية، وليس عند آل محمّد (صلى الله عليه وآله) قليل ولا كثير، فانطلق أمير المؤمنين (عليها السلام) إلى شمعون الخيبريّ، فاقترض منه ثلاثة أصوع من شعير... فقامت فاطمة (عليها السلام) فطحنته، واختبزت منه خمسة أقراص، لكلّ واحد منهم[27] قرص...فوُضع الطعام... إذا أتاهم مسكين، فوقف بالباب، فقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله)، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فسمعه عليّ (عليها السلام)...فأمر بإعطائه، فأعطوه، فمكثوا يومهم وليلتهم لم يذوقوا شيئًا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثاني قامت فاطمة (عليها السلام) إلى صاعٍ فطحنته واختبزته... فوُضع الطعام... فأتاهم يتيم، فوقف بالباب، وقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله)، يتيم من أولاد المهاجرين...أطعموني أطعمكم الله على موائد الجنّة، فسمعه عليّ (عليها السلام) فأمر بإعطائه، فأعطوه. ومكثوا يومين وليلتين لم يذوقوا شيئًا إلاّ الماء القراح.

فلمّا كان اليوم الثالث، قامت فاطمة (عليها السلام) إلى الصّاع الثالث فطحنته، ثمّ وُضع الطّعام... وأتاهم أسير فوقف بالباب، وقال: السّلام عليكم يا أهل بيت محمّد (صلى الله عليه وآله)، تأسرونا ولا تطعمونا، فسمعه عليّ (عليها السلام) فأمر بإعطائه، فأعطوه الطعام، ومكثوا ثلاثة أيام ولياليها لم يذوقوا شيئًا إلاّ الماء القراح...

فهبط جبرئيل (عليها السلام) على محمّد (صلى الله عليه وآله) وهو يقول: يا محمّد، خذ ما هنّاك الله في أهل بيتك، وهو يقرأ: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَا وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا* يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا *فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ...﴾ إلى آخر السورة[28]"[29].

فاطمة (عليها السلام) في أحاديث أبيها (صلى الله عليه وآله)
كثرت أقوال النبيّ (صلى الله عليه وآله) في مكانة فاطمة (عليها السلام) ومنزلتها، نعرض منها:

- عن مجاهد: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد أخذ بيد فاطمة (عليها السلام)، وقال: "من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي فاطمة (عليها السلام) بنت محمّد (صلى الله عليه وآله)، وهي بضعة منّي، وهي قلبي وروحي التي بين جنبيّ، فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله"[30].

- عن ابن عبّاس، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال للإمام عليّ (عليه السلام): "يا عليّ، إنّ فاطمة (عليها السلام) بضعة منّي، وهي نور عيني، وثمرة فؤادي، يسوؤني ما ساءها، ويسرّني ما سرّها، وإنّها أوّل من يلحقني من أهل بيتي"[31].

- عن الإمام الحسين (عليه السلام) عن الإمام عليّ (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): فاطمة (عليها السلام) بهجة قلبي"[32].

- عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال للإمام عليّ (عليه السلام): ... " أما ترض يا عليّ ... أنّ امرأتك خير نساء أمتي في الدنيا والآخرة "[33].

- عنه (صلى الله عليه وآله): "لمّا عرج بي إلى السماء، رأيت على باب الجنّة مكتوبًا: لا إله إلاّ الله، محمّد رسول الله، عليّ حبيب الله، والحسن والحسين صفوة الله، فاطمة أمة الله، على باغضهم لعنة الله"[34].

- عن ابن عبّاس: قال (صلى الله عليه وآله): "وأمّا ابنتي فاطمة (عليها السلام)، فإنّها سيّدة نساء العالمين، من الأوّلين والآخرين، وهي بضعة منّي، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤادي، وهي روحي التي بين جنبيّ، وهي الحوراء الإنسيّة، متى قامت في محرابها بين يدي ربّها جلّ جلاله زهر نورها لملائكة السماء، كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض، ويقول الله عزّ وجلّ لملائكته: انظروا إلى أَمَتي فاطمة (عليها السلام)، سيّدة إمائي، قائمة بين يديّ، ترتعد فرائصها من خِيفَتي، وقد أقبَلَت بقلبِها على عبادتي، أُشهدكم أنّي قد آمنت شيعتها من النّار"[35].

-روي أنّه لما ثقل النبيّ صلى الله عليه وآله وخيف عليه الموت، دعا بعليّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) والحسنين (عليهما السلام)، وأخرج من في البيت، واستدنا علياً (عليه السلام) وأخذ بيد فاطمة (عليها السلام) ووضعها في يد عليّ، وقال: " هذه وديعة الله ووديعة رسوله عندك، فاحفظني فيها؛ فإنّك الفاعل، هذه والله سيّدة نساء العالمين، هذه مريم الكبرى " [36].

موقف فاطمة (عليها السلام) من الخلافة
بعد وفاة الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وما جرى من أحداث في السّقيفة، نهضت السيّدة فاطمة (عليها السلام) مدافعة عن الإمامة، فدخلت (عليها السلام) مع ثلّة من المؤمنات إلى المسجد النبويّ الشريف، وخطبت في القوم خطبتها التاريخيّة التي سجّلت فيها موقف الدّفاع عن إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) مبيِّنة حقّه وفضائله ومناقبه في الإسلام، مستنكرةً ما قام به القوم، مستخدمة أسلوب البكاء تعبيرًا عن موقف الحقّ، فأُبعدت عن بيتها القريب من المسجد، وبُني لها بيت الأحزان.

شهادة السيّدة فاطمة (عليها السلام)
بسبب موقفها السابق جرى على السيّدة فاطمة (عليها السلام) خُطُوب عظيمة، فحُرِمَت إرثها في فدك، وأُوذيت في بيتها، فَلَزِمت الفراش بسبب ذلك، لكنّها (عليها السلام) مع ذلك أرادت أن تُخلِّد شاخص الحقّ، فأوصت أن تُدفن في اللّيل سرًّا، وأن يُخفى قبرها؛ ليكون ذلك معلمًا دالاًّ على الحقيقة على مرِّ العصور.


[1] الكلينيّ, محمّد, الكافي, تحقيق علي أكبر الغفاري، (لا، ط)، بيروت، دار الأضواء، 1985م،  ج1، ص 458.
[2] المجلسي، محمّد باقر، بحار الأنوار، تصحيح محمّد مهدي الخرساني، (لا، ط)، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1396هـ، ج43، ص 8.
[3] المفيد، محمد، مسار الشيعة في مختصر تواريخ الشريعة، (لا، ط)، قم، مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، 1406هـ، ص31.
[4] الطبراني، سليمان، المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، ط2، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، (لا، ت)، ج2، ص 400. ابن سعد، محمّد، الطبقات الكبرى، (لا، ط)، بيروت، دار صادر، (لا، ت)،ج8، ص 26. الأصفهاني، أبو الفرج، مقاتل الطالبين، ط2، النجف الأشرف، منشورات المكتبة الحيدرية، 1385هـ،  ص30.
[5] السلى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمّه ملفوفًا فيه، قيل: هو في الماشية السلى، وفي الناس المشيمة (ابن منظور، محمّد، لسان العرب،(لا، ط)، نشر أدب الحوزة، 1405هـ، ج14،  ص396).
[6] الجزور من الإبل يقع على الذكر والأنثى (الجوهريّ، اسماعيل، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور عطار، ط4، بيروت، دار العلم للملايين،1407هـ، ج2، ص 612).
[7] ابن حنبل، أحمد، مسند أحمد بن حنبل، (لا، ط)، بيروت، دار صادر، (لا، ت)، ج1، ص 417.
[8] البحرانيّ، هاشم، غاية المراد، تحقيق علي عاشور، (لا،ط)، (لا،م)، (لا، ن)، (لا، ت)،ج5، ص 34.
[9] المتّقي الهندي، علاء الدين، كنز العمال، تحقيق بكري حياني وصفوة السقا، (لا، ط)، بيروت، مؤسّسة الرسالة، 1989م، ، ج12، ص 112.
[10] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 43، ص 123.
[11] الكلينيّ، محمّد، الكافي، ج5، ص 568.
[12] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 43، ص 97.
[13] أي ثخن جلدها وتعجَّر (ابن الأثير، مجد الدين، النهاية في غريب الحديث والأثر، ج4، ص 300).
[14] أي كنسته (المصدر السابق، ص 172).
[15] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج 43، ص 82.
[16] المصدر السابق، ج 23، ص 134.
[17] المصدر السابق، ج38، ص 307.
[18] المتّقي الهنديّ، علي، كنز العمال، ج12، ص 116.
[19] المسعوديّ، محمّد، الأسرار الفاطميّة، ط2، قم، مؤسسة الزائر، 1420هـ، ص 37.
[20] الحاكم النيسابوري، أبو عبد الله، المستدرك، تحقيق يوسف المرعشلي، (لا، ط)، بيروت، دار المعرفة، (لا، ت)،  ج3، ص 160.
[21] سورة الأحزاب، الآية 33.
[22] القندوزيّ، سليمان، ينابيع المودة لذوي القربى، تحقيق علي جمال أشرف الحسيني، ط1، (لا،م)، دار الأسوة، 1416هـ، ج1، ص 321.
[23] سورة آل عمران، الآية 61.
[24] القمي، محمّد، العقد النضيد والدر الفريد، تحقيق علي أوسط الناطقي ، ط1، قم، دار الحديث للطباعة والنشر، 1423هـ، ص184.
[25] سورة الشورى، الآية 23.
[26] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج23، ص 232. راجع أيضاً: الطبراني، سليمان، المعجم الكبير،ج3، ص47.
[27] الخمسة هم عليّ وفاطمة والحسن والحسين وعاملتهم المنزليّة فضّة.
[28] سورة الإنسان، الآيات 1-12.
[29] ابن طاووس، علي، إقبال الأعمال، تحقيق جواد قيومي الأصفهاني، ط1، (لا،م)، مكتب الإعلام الإسلامي، 1415هـ، ج2، ص 375.
[30] الحلي، الحسن، المحتضر، تحقيق سيد علي أشرف، (لا،ط)، (لا،م)، انتشارات المكتبة الحيدرية ، 1424هـ، ص234.
[31] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج43، ص 24.
[32] المصدر السابق، ج 23، ص 110.
[33] الكوفي، محمد، مناقب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، تحقيق : الشيخ محمد باقر المحمودي، ط 1، قم، مجمع إحياء الثقافة الإسلامية ، 1412هـ، ج1، ص 333.
[34] الطوسي، محمّد، الأمالي، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة، ط1، قم، دار الثقافة للطباعة والنشر والتوزيع ، 1414هـ،  ص355.
[35] الصّدوق، محمد، الأمالي، تحقيق  قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة – قم، ط1، قم، مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، 1417هـ، ص175.
[36] البياضيّ، علي، الصراط المستقيم ، تحقيق وتصحيح وتعليق محمّد الباقر البهبودي، (لا،ط)، (لا،م)، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفريّة، (لا، ت)، ج2، ص92.