نصوص ثقافية لموقع السيدة الزهراء -ع

السيِّدة فاطمة (عليها السلام) الشهيدة

السيِّدة فاطمة (عليها السلام) الشهيدة

قال الله تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [1].

من صفات السيّدة فاطمة (عليها السلام) صفة الشهيدة الواردة في زيارتها بعد صفة الصدّيقة: "السلام عليكِ أيّتها الصدِّيقة الشهيدة"[2].

فما معنى أنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) شهيدة؟              
نحاول مقاربة هذا المعنى من جهتين:
الأولى: ما طرحه القرآن الكريم من معنى الشّهادة.
الثانية: المعنى المعروف للشّهيد بكونه مَنْ قدَّم نفسه في سبيل الله.

المعنى القرآنيّ للشهادة
ورد في القرآن الكريم العديد من الآيات الحاكية عن الشّهادة نقتصر على ثلاث منها هي:
1- "إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء"[3].
2- " وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ "[4].
3- " فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا"[5].

والملاحظ في الآية الأولى أنّها تتحدّث عن ثلاثة أصناف من الشهداء:
الأوّل: النبيّون.
الثاني: الربّانيّون.
الثالث: الأحبار.

والأحبار هم علماء الشّريعة، وبالتعبير السّائد هم الفقهاء أمّا الربّانيون، فهم درجة وسطى بين النبيّين والأحبار وهم ما ينطبق في الدين الإسلاميّ على الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) والسيّدة الزهراء (عليها السلام) ويتمثّل دور الشهادة المشترك بين الأصناف السّابقة، كما يقول "الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر" بثلاثة أمور:
الأوّل: استيعاب الرّسالة السّماويّة والحفاظ عليها، لقوله تعالى: " بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء"[6].
الثاني: الإشراف على ممارسة النّاس لدورهم في خلافة الله، وإعطاء التوجيه الرساليّ المناسب لهم.
الثالث: التدخّل لمقاومة الانحراف واتّخاذ كلّ التدابير الممكنة من أجل سلامة المسيرة[7].

فالشّهادة هي معرفة عالية بالأهداف الإلهيّة التي يريدها الله عزّ وجلّ لمسيرة البشريّة، وهي معرفة وإشراف على واقع الأمّة يقتضي التّوجيه الصّحيح والسعي لمنع الانحراف.

الزهراء (عليها السلام) الربّانيّة الشهيدة
لقد تحقّقت العناصر الثلاث للربّانيين بشكل واضح في السيِّدة فاطمة (عليها السلام).

أمّا استيعاب الرّسالة، فهي عالمة غير معلَّمة، فقد كان لها (عليها السلام) علاقة خاصّة بالقرآن الكريم، وهي التي يروى عنها قولها (عليها السلام): "حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاث: تلاوة كتاب الله، والنظر في وجه رسول الله، والإنفاق في سبيل الله"[8]، وهي التي قالت في خطبتها في المسجد النبويّ عن القرآن الكريم: "لله فيكم عهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم، كتاب الله، بيِّنةٌ بصائره، وآيٌ منكشفة سرائره، وبرهانٌ متجلِّيّة ظواهره، مديمٌ للبرية استماعُه، وقائدٌ إلى الرضوان أتباعه، ومؤدٍّ إلى النجاة أشياعه، فيه تبيان حجج الله المنيرة، ومحارمه المحرّمة، وفضائله المدوّنة، وجمله الكافية، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة، وبيّناته الجالية..."[9].

أمّا توجيهها الرساليّ للناس، فهي التي كانت توجّه المؤمنات في خطّ الرسالة[10]. وهي التي كانت تنشر أحاديث أبيها في الناس حتى سمِّيت بالمحدِّثة، كما تقدّم.

أمّا تدخّلها في مقاومة الانحراف، فهي حينما رأت ما حلّ بالبناء الذي بناه والدها على مدى ثلاث وعشرين سنة، بذلت قصارى جهدها لمنع هذا الانحراف، ولإبقاء معالم الحقّ واضحة عند من سعى للوصول إليه، وذلك من خلال بيانها البليغ، وسعيها التذكيريّ بولاية الوليّ، ورسمها معلم الحقّ الخفيّ الظاهر في خفائه، المنير في خموده، الجاذب في سرّه، الراسم في ذلك علامة على حقٍّ اغتصب في الماضي، وحقٍّ قادم قائده المهديّ (عج) من ولد الشّهيدة السيِّدة فاطمة (عليها السلام).

سلام الله على الصّدّيقة الشّهيدة يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيّة.


[1] سورة الحديد، الآية 19.
[2] الطوسي، محمد، مصباح المتهجّد، ص711.
[3] سورة المائدة، الآية 44.
[4] سورة المائدة، الآية 117.
[5] سورة النساء، الآية 41.
[6] سورة المائدة، الآية 44.
[7] الصدر، محمّد باقر، خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء، ط1، بيروت، العارف، 2012م، مجلد 5، ص 136-137.
[8] القيوميّ، جواد، صحيفة الزهراء (عليها السلام)، ط1، قم، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1373 هـ،ش، ص 276.
[9] المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، ج6، ص 107.
[10] أنظر: البحرانيّ، يوسف، الحدائق الناضرة، ج3،  ص 297.