نصوص ثقافية لموقع السيدة الزهراء -ع

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المحدَّثة

السيّدة فاطمة (عليها السلام) المحدَّثة
 
من صفات السيّدة فاطمة (عليها السلام) "المحدَّثة". والمحدَّث هو مصطلح خاص يُطلق على الإنسان الذي وصل إلى مرتبة ومقام يسمع فيه صوت الملك الذي يحدّثه, فقد ورد عن الإمام الصّادق(عليه السلام) "الرّسول: الذي يظهر له الملك فيكلّمه, والنبيّ: الذي يؤتى في منامه, وربّما اجتمعت النبوّة والرّسالة لواحد, والمحدَّث: الذي يسمع الصوت ولا يرى الصورة "[1].

المحدَّثات في القرآن الكريم
ذكر الله تعالى في القرآن الكريم ثلاث محدَّثات من قِبَل الملائكة وهنّ:

1-  السيّدة مريم (عليها السلام)
قال الله عزّ وجلّ : "وإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ "[2].
وقال تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ "[3]
وقد نَصَّ القرآن الكريم على حوار بين مريم (عليها السلام) وملك أرسله الله إليها, قال جلّ وعلا: " فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (*) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (*) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (*) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (*) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا"[4].
 
2-  سارة زوجة النبيّ ابراهيم(عليه السلام)
قال الله تعالى:" وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70) وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ" [5]

3-  أم النبيّ موسى(عليه السلام)
قال الله عزّ وجلّ:" وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ "[6]

فاطمة (عليها السلام) أفضل المحدَّثات
إنْ كان وصول هؤلاء النسوة إلى مرتبة المحدَّثات ينطلق من مكانتهنّ ومقامهنّ عند الله عزّ وجلّ، فمن الطبيعيّ أن تكون السيِّدة فاطمة (عليها السلام) من المحَدَّثات؛ لكونها، بإجماع المسلمين أفضل نساء أهل الجنة وسيدتهنّ، فإضافةً إلى ما ورد في كتب الشّيعة روى البخاريّ في صحيحه عن النبيّ(ص) :"فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة"[7].
وروى مسلم في صحيحه أنّ النبيّ(ص) قال للزّهراء(عليه السلام):" يا فاطمة, أما ترضين أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين, أو سيّدة نساء هذه الأمّة"[8]

حديث الملك مع فاطمة (عليها السلام):
تحقيقاً لما تقدّم ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) :" إنّما سُمّيت فاطمة محدَّثة؛ لأنّ الملائكة كانت تهبط من السّماء، فتناديها كما تنادي مريم بنت عمران، فتقول : يا فاطمة، إنّ الله اصطفاك وطهَّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة، اقنُتي لربّك واسجدي واركعي مع الراكعين، فتحدّثهم ويحدّثونها، فقالت (عليه السلام) لهم ذات ليلة: أليست المفضّلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إنّ مريم كانت سيّدة نساء عالمها، وإنّ الله عزّ وجلّ جعلك سيّدة نساء عالمك وعالمها وسيّدة نساء الأولين والآخرين"[9].
إضافةَ إلى هذه الرواية المفسّرة لكون السيّدة الزهراء (عليها السلام) محدَّثة, فإنّ هناك روايات أخرى أدّت الوظيفة التفسيرية ذاتها, لكنّها دارت حول ناتج حديث الملك مع السيّدة الزهراء (عليها السلام) بما عُرِف بمصحف فاطمة (عليها السلام). وقد ورد الحديث عن مصحف فاطمة (عليها السلام) في روايات عديدة لا شكّ ولا ريب في الاعتبار السنديّ بجملة منها, من قبيل الرواية الصحيحة التي رواها الكليني(ره) في كتابه الكافي بسنده عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْجَفْرِ؟ فَقَالَ: هُوَ جِلْدُ ثَوْرٍ مَمْلُوءٌ عِلْماً، قَالَ لَه: فَالْجَامِعَةُ؟ قَالَ: تِلْكَ صَحِيفَةٌ طُولُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فِي عَرْضِ الأَدِيمِ مِثْلُ فَخِذِ الْفَالِجِ، فِيهَا كُلُّ مَا يَحْتَاجُ النَّاسُ إِلَيْه، ولَيْسَ مِنْ قَضِيَّةٍ إِلَّا وهِيَ فِيهَاـ حَتَّى أَرْشُ الْخَدْشِ، قَالَ: فَمُصْحَفُ فَاطِمَةَ (عليها السلام)؟ قَالَ: فَسَكَتَ طَوِيلاً ثُمَّ قَالَ (عليه السلام): إِنَّكُمْ لَتَبْحَثُونَ عَمَّا تُرِيدُونَ وعَمَّا لَا تُرِيدُونَ، إِنَّ فَاطِمَةَ (عليها السلام) مَكَثَتْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّه (ص) خَمْسَةً وسَبْعِينَ يَوْماً، وكَانَ دَخَلَهَا حُزْنٌ شَدِيدٌ عَلَى أَبِيهَا، وكَانَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا، ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه، ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا، وكَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَكْتُبُ ذَلِكَ، فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ (عليها السلام).."[10].

حدّدت هذه الرواية جملةً من العناوين المتعلّقة بحديث الملك مع السيّدة الزهراء (عليها السلام) هي:
1-  المملي هو الملك جبرئيل (عليه السلام).
2-  المملَى عليها هي السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
3-  الكاتب هو أمير المؤمنين عليّ ابن ابي طالب(عليه السلام).
4-  المناسبة هي التعزية بعد رحيل رسول الله(ص).
5-  الكتاب هو مصحف فاطمة (عليها السلام).
  
الجدل حول مصحف فاطمة (عليها السلام)
إنّ تسمية هذا الكتاب بمصحف فاطمة (عليها السلام) كان منشأً لجدل واسع, واتّهامٍ للشّيعة بأنّهم يعتقدون بقرآن خاصٍّ يختلف عن القرآن المعروف [والعياذ بالله], وقد نُشرت هذه التّهمة بكتبٍ ومقالاتٍ وقنواتٍ وإذاعاتٍ بهدف التفرقة بين المسلمين في قضيّة غاية في الأهمّية تدور حول الثقل الأكبر المقدّس.
ومع أنّ علماء الشّيعة تصدّوا دفاعاً عن القرآن الكريم وعصمته وتنزيهه من التحريف, ودفعاً للشّبهات المغرضة, إلا أنّ اللافت للانتباه هو ما نصّ عليه الإمام الخميني(قده) في وصيّته مفتخراً بهذا الكتاب قائلاً: "نحن نفتخر أنّ منّا...مصحف فاطمة ذلك الكتاب المُلهَم من قبل الله للزّهراء المرضيّة"[11].
 
أسئلة حول مصحف فاطمة (عليها السلام)
لتوضيح العديد من الحقائق حول هذا الكتاب نجيب على الأسئلة الآتية:

س1: ما معنى مصحف ؟
قد يظنّ البعض أنّ كلمة المصحف تعني القرآن مع أنّ هذا خلاف الواقع, فالمصحف كما نصّ أهل اللغة هو "الجامع للصّحف المكتوبة بين الدّفتين"[12]، وهذا تعبير آخر عمّا نطلق عليه هذه الأيّام "الكتاب المجلّد", لهذا نلاحظ أنّ الجاحظ سمّى كلَّ جزء من أجزاء كتابه "الحيوان" بـ "مصحف", وكَتَبَ في نهاية الجزء الأول: "تمّ المصحف الأول, ويتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان" وكتب في نهاية الجزء الثاني: "كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان" وهكذا...[13]
ومع أنّ لفظ المصحف كثُر استعماله في القرآن الكريم بعد مجيء الإسلام, وأصبح مشهوراً في هذا المعنى, إلا أنّ شهرته هذه لم تلغِ استعماله في معناه اللّغويّ الواسع. قال الدكتور ناصر الدّين الأسد في مصادر الشعر الجاهليّ: "وكانوا كذلك يطلقون على الكتاب المجموع لفظ "المصحف", ويقصدون به مطلق الكتاب لا القرآن وحده"[14]
وقد استشهد بما ذكره ثلّة من العلماء في ترجمة التابعيّ خالد بن معدان بأنّ عمله كان : "في مصحف له أزرار وعرى"[15].
وذكر الأستاذ بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه "معرفة النسخ والصحف الحديثية" أنّ لفظ مصحف هو من جملة المصطلحات المعبّرة عن أنواع الأوعية التي كانت تدوّن فيها السُّنن"[16].
إذاً لا يصحّ الاعتماد على تسمية كتاب فاطمة (عليها السلام) بـ "مصحف فاطمة (عليها السلام)" لاتّهام الشّيعة بوجود قرآنٍ خاصٍّ باسم مصحف فاطمة (عليها السلام).
  
س2 – ما هو محتوى مصحف فاطمة ؟
تعرّضت روايات مصحف فاطمة (عليها السلام) إلى محتواه بعنوانين : المحتوى المنفيّ, والمحتوى المُثبت.

المحتوى المنفيّ:
نفت الروايات اشتمال مصحف فاطمة (عليها السلام) على أمرين هما:

1- القرآن
ومن تلك الروايات الواردة عن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام):
- "....وخلّفت فاطمة مصحفاً ما هو قرآن"[17].
- "...ومصحف فاطمة, أما والله ما أزعم أنّه قرآن"[18].
- "عندي مصحف فاطمة, ليس فيه شيء من القرآن"[19].
- "....مصحف فاطمة, ما فيه شيء من كتاب الله"[20].
- "....وعندنا والله مصحف فاطمة, ما فيه آية من كتاب الله"[21].
- "....وعندنا مصحف فاطمة, أما والله ما فيه حرف من القرآن"[22].
 
2- الأحكام الشرعية
في رواية حمّاد بن عثمان عن الإمام الصادق(عليه السلام): " تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة, وذلك أنّي نظرت في مصحف فاطمة...أما أنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام, ولكن فيه علم ما يكون"[23].

المحتوى المُثبت
ورد في الروايات ما يدلّ على احتواء مصحف فاطمة على الأمور الآتية:

1-  مقام النبيّ الأعظم(ص)
في صحيحة أبي عبيدة عن الإمام الصادق(عليه السلام): "... كَانَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) يَأْتِيهَا فَيُحْسِنُ عَزَاءَهَا عَلَى أَبِيهَا، ويُطَيِّبُ نَفْسَهَا ويُخْبِرُهَا عَنْ أَبِيهَا ومَكَانِه... وكَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) يَكْتُبُ ذَلِكَ، فَهَذَا مُصْحَفُ فَاطِمَةَ "[24].

2-  مستقبل ذريّة الزهراء (عليها السلام)
وفي نفس الراوية السابقة: ".... ويُخْبِرُهَا بِمَا يَكُونُ بَعْدَهَا فِي ذُرِّيَّتِهَا ".

3-  الحوادث المستقبليّة
عن الإمام الصّادق(عليه السلام):...وأمّا مصحف فاطمة, ففيه ما يكون من حادث"[25].

وفي رواية أخرى تقدّمت: "...فيه علم ما يكون"[26].
 
4-  أسماء الأنبياء والأوصياء
عن الإمام الصّادق(عليه السلام):" ما من نبيّ ولا وصيّ...إلا وهو في كتاب عندي"[27]- يعني مصحف فاطمة (عليها السلام).[28]

5-  أسماء الملوك وآبائهم
عن الإمام الصّادق(عليه السلام): "وأمّا مصحف فاطمة, ففيه ما يكون من حادث, وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة"[29].

استفادة من روايات المحتوى
إنّ المتأمّل في محتوى مصحف فاطمة (عليها السلام)، بحسب الروايات التي تقدّمت يستفيد أنّه كتاب يتحدّث عن تاريخ البشريّة ومستقبلها بأحداثها الماضية والآتية, ففيه أسماء الأنبياء والأوصياء. ونحن نعرف أنّ أوّل إنسان كان نبيّاً, وهذا يعني أنّه تناوَلَ تاريخ البشرية من أوّله, وفيه أسماء الملوك إلى أن تقوم الساعة. وهذا يعني أنّه تناول مستقبل البشرية انتهاءاً بآخره. والأمر ليس مقتصراً على أسماء الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام) والملوك بل على جميع الحوادث, وفيه حديث عن مستقبل ذريّتها, وهذا يعني أنّه يتضمّن الحديث عن دولة الحقّ العالميّة بقيادة حفيدها الإمام المهدي(عج). إذاً مصحف فاطمة (عليها السلام) هو كتاب المخطَّط الإلهي لقافلة البشريّة منذ وجودها إلى قيام الساعة[30].
من هنا نفهم كون حديث المصحف هو لعزاء السيّدة الزهراء (عليها السلام) وتطييب نفسها؛ لأنّ المأساة التي ستجري على ذريّتها –رغم حجمها الكبير- إلا أنّها ستنتهي بتحقيق حفيدها الحادي عشر للمشروع الإلهيّ الأتمّ, لحلم الأنبياء والأوصياء, لدولة العدل العالميّة.
ممّا لا شكّ فيه أنّ هذا النوع من الإخبار فيه تطييب لنفسها (عليه السلام) وعزاء بمصيبتها بأبيها (ص), وأنّ مشروعه الإلهيّ لن يستطيع أحد أن يطفئه، بل سيتحقّق بعد حين.
 
س3: هل يصحّ نزول جبرئيل (عليه السلام) بعد انقطاع النبوّة؟
قد يقول قائل: إذا سلّمنا بأن حديث الملائكة مع السيِّدة الزهراء (عليها السلام) لا مانع منه, ولكنّ المشكلة تبقى في نزول الملك جبرئيل (عليه السلام) بعد وفاة النبيّ(ص) إلى الأرض, فقد ورد أنّه بعد وفاته(ص) ودّع جبرئيل (عليه السلام) الأرض قائلاً: "هذا آخر وطئي بالأرض"[31]. فكيف ينسجم هذا مع القول بأنَّ مصحف فاطمة (عليها السلام) قد أملاه جبرئيل (عليه السلام) على السيِّدة فاطمة بعد وفاة أبيها(ص)؟!.

وهنا قد يتفاجأ القائل من المجيب والجواب معاً, فالمجيب هو أحد أقطاب علماء أهل السنّة وهو الحافظ السّيوطيّ, وجوابه هو أنّ هذا الحديث ضعيفٌ جدّاً سواء بصيغته الواردة في السّؤال أم بصيغته الأخرى, وهي "هذا آخر عهدي بالأرض بعدك", وسبب الضعف عند الحافظ السّيوطيّ ليس أساسه سند الحديث ورجاله الرواة, بل لأنّه يخالف ما يقطع به المسلمون، وما رووه في كتبهم وهو أمران:

الأوّل: إنّه من غير المسلّم أنّ نزول جبرئيل (عليه السلام) وقت وفاة النبي(ص) هو آخر نزول له على الأرض؛ فإنّ لجبرئيل (عليه السلام) نزولاً سنوياًّ إليها، فقد ورد: إنّه ينزل ليلة القدر مع الملائكة يصلّون على كلّ قائم وقاعد يذكر الله.       

الثاني: إنّ وحي جبرئيل (عليه السلام) لم ينقطع بوفاته(ص) عام الانقطاع, بل لجبرئيل(عليه السلام) وظيفة أخرى, وهذا ما نفهمه من خلال حديث "يوحي الله الى عيسى(عليه السلام) أي بعد قتله الدجّال, وهو –أي الحديث كما قال السيوطيّ- "صريح في أنّه يُوحَى إليه بعد النزول, والظاهر أن الجائي إليه(عليه السلام) بالوحي جبريل(عليه السلام), بل هو الذي يُقطع به ولا يُردّد فيه؛ لأنّ ذلك وظيفته؛ لأنّه السفير بين الله ورسله عليهم الصلاة والسلام"[32].
 
استفادة من نزول جبرئيل (عليه السلام)
لقد استفاد الامام الخمينيّ(قده) من نزول جبرئيل (عليه السلام) على السيّدة الزهراء (عليها السلام) مقاماً عظيماً عبّر عنه بقوله: "مسألة مجيء جبرئيل (عليه السلام) إلى شخص ليست مسألة عاديّة، لا تتصوّر أنّ جبرئيل (عليه السلام) يأتي إلى أيّ شخص، أو أنّ من الممكن أنْ يأتي، إنّ هذا بحاجة إلى تناسب بين روح ذلك الشخص الذي يأتي جبرئيل (عليه السلام) إليه وبين مقام جبرئيل (عليه السلام) الذي هو الرّوح الأعظم(عليه السلام), هذا التّناسب كان قائماً بين جبرئيل الرّوح الأعظم(عليه السلام)، والدّرجة الأولى من الأنبياء(عليه السلام)، كرسول الله (ص) وموسى(عليه السلام) وعيسى(عليه السلام)  وإبراهيم(عليه السلام) وأمثالهم(عليه السلام) "[33].

إنّني أعتبر هذه الفضيلة للزّهراء (عليها السلام) على الرّغم من عَظَمة كلّ فضائلها الأخرى أعتبرُها أعلى فضائلها، حيث لم يتحقّق مثلُها لغير الأنبياء، بل لم يتحقّق مثلُها لجميع الأنبياء، وإنّما للطّبقة العليا منهم، ولِأعظمِ الأولياء الذين هم في رُتبتِهم، ولم تتحقّق لشخصٍ آخر. وهذه من الفضائل المختصّة بالصّدّيقة (عليها السلام)"[34].


[1] ابن شهر اشوب, مناقب آل أبي طالب (عليه السلام)، (لا،ط)، النجف، مطبعة الحيدرية، 1367هـ, ج3, ص 336.
[2] سورة آل عمران, الآية 42.
[3] سورة آل عمران, الآية 45.
[4] سورة مريم, الآية 17-21.
[5] سورة هود, الآية 69-73.
[6] سورة القصص, الآية7.
[7] البخاري, محمد، صحيح البخاري, تحقيق ابن باز, (لا،ط)، دار الفكر, (لا،ت)، ج4, ص 467.
[8] مسلم, صحيح مسلم, (لا،ط)، بيروت، دار الفكر, (لا،ت)، ج2, ص 467.
[9] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج14, ص 206.
[10] الكليني, محمد،  الكافي, ج1, ص 241.
[11] الامام الخميني, روح الله، النداء الأخير, طهران, مؤسسة الإمام الخميني(ره) الثقافية, ص12.
[12] الجوهري, اسماعيل، الصحاح, ج4, ص 1384, ابن منظور, محمد، لسان العرب, ج9, ص 186, الفراهيدي، الخليل, كتاب العين, تحقيق المخزومي والسامراني, ط2، 1409هـ، ج3, ص 120. الزبيدي, محمد، تاج العروس, تحقيق علي شيري، (لا،ط)، بيروت، دار الفكر، 1414هـ، ج6, ص 161.
[13] انظر: الجاحظ, أبو عثمان, الحيوان, تحقيق عبد السلام محمد هارون, (لا،ط)، بيروت, دار إحياء التراث العربي, (لا،ت)، ج1, ص 388, ج2, ص 375, ج3 ص 539, ج4, ص 492, ج5, ص 604, ج6, ص 512, ج7 ص 263.
[14] الأسد, ناصر الدين, مصادر الشعر الجاهلي, ط40, القاهرة, دار المعارف, 1969 م, ص 139.
[15] المزي, يوسف، تهذيب الكمال, تحقيق بشار معروف، ط4، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1406هـ، ج8, ص 17.
[16] أبو زيد, بكر, معرفة النسخ والصحف الحديثية, ط1, جدّة, دار االراية, 1412هـ, ص 28-31.
[17] المجلسي, محمد باقر, بحار الأنوار, ج26, ص 41-42.
[18] المصدر السابق, ص 45.
[19] المصدر السابق نفسه.
[20] المصدر السابق ص 48.
[21] المصدر السابق ج47, ص 271.
[22] المصدر السابق, ج26, ص 46.
[23] الكليني، محمد، الكافي، ج1, ص 240.
[24] المصدر السابق ص 241.
[25] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج26, ص 18.
[26] الكليني, محمد، الكافي, ج1, ص 240/ المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج47, ص 32.
[27] القمي، علي، الإمامة والتبصرة, تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)، ط1، قم، 1404هـ، ص 51.
[28] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج47، ص 32.
[29] الطبرسي، احمد، الاحتجاج، (لا،ط)، النجف، دار النعمان، 1386هـ، ج2، ص134.
[30] للتوسّع في الفكرة: أنظر، بركات، أكرم، قافلة البشريّة، بيروت، دار السراج.
[31] الحلبي, علي، السيرة الحلبية, (لا،ط)، بيروت، دار المعرفة، 1400هـ، ج3, ص 353.
[32] الحلبي, علي، السيرة الحلبية, ج3, ص 353
[33] من حديث للإمام الخميني في جمع من الأخوات بتاريخ 02/03/1986 (للاطلاع التفصيليّ حول مصحف فاطمة (عليها السلام) أنظر كتابي "حقيقة مصحف فاطمة عند الشيعة".
[34] من حديث للإمام الخميني في جمع من الأخوات بتاريخ 02/03/1986.