السيِّدة فاطمة المشكاة (عليها السلام)
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [1]
وصف الله تعالى ذاته في هذه الآية بالنّور؛
- لأن النّور لا ظُلمة فيه, والظلمة تمثّل العدم والنقص, والله تعالى وجود كامل مطلق في كماله لا نقص فيه.
- ولأن النّور ظاهر بنفسه مُظهِر لغيره, فهو الدالّ على الغير, وليس الغير دالاً عليه, وهو ما عبّر عنه الإمام الحسين(عليه السلام) في دعاء عرفة: "كيف يُستَدَّل عَلَيك بما هُو في وجوده مفتقرٌ إليك؟! أَيَكون لِغَيرك مِن الظّهور ما ليس لك، حتى يكون هو المُظهِر لك؟! متى غِبتَ حتّى تحتاج إلى دليلٍ يدلّ عليك؟! ومتى بَعُدت حتّى تكون الآثار هي التي توصل إليك، عَمِيَت عينٌ لا تراك، ولا تزال عليها رقيباً، وخَسِرت صفقةُ عبدٍ لم تجعل له من حبّك نصيباً "[2].
- ولأنّ النّور هو الهادي عند ضلالة الطّريق كنور النّجوم, والله عزّ وجلّ هو هادي الإنسان كي لا يضلّ عن طريق الكمال.
- ولأنّ النّور هو المؤنس كاستئناس الإنسان بنور القمر، والله تعالى هو أنيس المؤمنين الذين يعيشون الوحشة في ظلمات الدنيا, وبتعبير أمير المؤمنين(عليه السلام) في دعاء كميل :"يا نُور المُستوحشين في الظُّلم"[3].
- ولأنّ الله تعالى كمالٌ مطلق يفيض كماله في عالم الإمكان، فهو نور ينبعث منه نور، فهو النّور، ومنه النّور، وكما ورد عن السيّدة الزهراء (عليها السلام) في الدّعاء الذي علّمته لسلمان الفارسيّ (رض): "باسم الله النّور، باسم الله نور النّور، باسم الله نور على نور، باسم الله الذي هو مدبّر الأمور، باسم الله خالق النّور من النّور..."[4].
لذا انتقل الله تعالى من وصف ذاته بالنّور إلى حديثه عن نوره المنبثق منه، وهو الحامل لكمالات إلهيّة فقال " مَثَلُ نُورِهِ "، أي مثل نور الله وليس مثل الله. إنّه حديثٌ عن النّور الممكن المنبثق من النّور الواجب، عن النّور المخلوق المنبعث من النّور الخالق.
إنّ هذه الآية تريد أن تقرّب لنا نوراً كماليّاً خلقه الله تعالى، وأمدّه من كمالاته، فأراد أن يقرّب لنا هذا النّور الممكن المخلوق الممتلئ نوراً من الله عزّ وجلّ، وهو نورٌ لا يمكن للآخرين مهما فعلوا أن يُطفئوه؛ لأنّه منبعثٌ من نور الله سبحانه، ولأنّ تمامه من فيض الله، فهو، كمال قال الله عزّ وجلّ: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِه﴾[5].
أراد الله تعالى أن يعرّفنا بنوره هذا بواسطة تقديم تشبيهيّ في أروع قالب بلاغيّ إعجازيّ، فقال عزّ وجلّ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَار﴾[6].
تفسير آية النّور
المشكاة هي الكوَّة التي تكون في الحائط بلا منفذ، فمثل نور الله عزّ وجلّ كمشكاة في داخلها سراج، وهذا السراج موضوع في زجاجة؛ لأنّ الزّجاجة تزيد من نوره وإشعاعه أكثر، ومن الواضح أنّ نوعيّة الزّجاجة وصفاءها تلعب دوراً مهمّاً في مستوى انعكاس الإضاءة والنّور المنبعث، من هنا بيّن الله تعالى النّوعيّة العجيبة لهذه الزّجاجة بحيث وصفها وكأنّها كوكبٌ من درّ، والذي هو بطبيعته صافٍ جداً إضافةً إلى جماله وحسنه.
ولمقاربة هذا التوصيف، لنتصوّر القمر الذي له إضاءة عالية جميلة هادية مؤنسة مع أنّه حجر مظلم كثيف معتم في نفسه، فكيف لو كان القمر مكوّناً من درّ! ترى كيف تكون إنارته وضوؤه وإشعاعه. إنّ الزجاجة التي تحضنها المشكاة وتحيط بالمصباح هي زجاجة نقيّة صافية كأنّها كوكب دريّ.
ومن الواضح أيضاً أنّ الوقود له دور كبير في صفاء النّور ومستوى انبعاثه واستمراره، لذا كان حديث الله عزّ وجلّ عن وقود المصباح، وبأنّه يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ. إنّها شجرة كثيرة البركة في جمالها ومنافعها من حيث الزّيتون إلى الزّيت إلى النّواة وغير ذلك، وهذه الشّجرة (الزّيتونة) التي يستسقي منها المصباح وقوده متميّزة من ناحية نورها، فالزّيتونة التي نعهدها في أراضينا نلاحظ أنّها حينما تشرق الشمس عليها يتوهّج قسمها الشرقيّ بخلاف قسمها الغربيّ، وأثناء انتقال الشمس إلى الغروب يتوهّج قسمها الغربيّ بخلاف قسمها الشرقيّ، أمّا الشّجرة الزّيتونة المباركة في آية النّور فهي زيتونة " لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ"، فهي دائماً متوهّجة بنورها دون أن يقع عليها ظلّ شرق أو ظلّ غرب. وإضافةً إلى ذلك، فإنّ الضياء ينبعث عادة من النّار التي تأخذ وقودها من الزّيت، إلا أنّ زيت هذه الشّجرة من صفائه ونقائه وشفافيّته يكاد يضيء " وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ".
فالمصباح نور، والزجاجة نور، والشّجرة نور، والزّيت نور، وهي نورٌ على نور.
تأويل آية النّور
وتُتابع الآية الكريمة ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
إنّه تصريح بأنّ كلّ ما ذُكر هو تمثيل لحقائق أراد الله عزّ وجلّ أن نعرفها، ونهتدي إليها.
فما المراد بتلك الأنوار التي ضرب الله تعالى بها مثلاً؟
وما المراد بالمصباح، والزّجاجة، والشّجرة الزّيتونة؟
وما المراد بالمشكاة التي صدّر الله بها التمثيل بالنّور، والتي هي منطلق النّور ومركز إشعاعه؟
الجواب نقراه في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول فيها: " فِيهَا مِصْبَاحٌ": الحسن (عليه السلام)، "المصباح في زجاجة": الحسين (عليه السلام)[7].
فالإمام الحسن(عليه السلام) هو المصباح المنير، إلا أنّ الذي ينشر نوره وضياءه وصفاءه هو الإمام الحسين (عليه السلام).
ويُكمل الإمام الصادق (عليه السلام) حديثه عن تأويل الشّجرة المباركة الزّيتونة الّتي توقد ذلك المصباح، فيتحدّث عن جذور الإمام الحسن والحسين (عليه السلام) من الإمام عليّ (عليه السلام) إلى خاتم الأنبياء "ص" إلى آبائهما في السّلسلة الطاهرة التي يرجعان بواسطتها إلى جدّهما خليل الله إبراهيم (عليه السلام) فيقول (عليه السلام): " يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ": إبراهيم (عليه السلام)، "زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ": لا يهوديّة ولا نصرانيّة"[8] ويكمل تأويل النّور على النّور فيقول (عليه السلام): " نُّورٌ عَلَى نُورٍ ": إمامٌ منها بعد إمام، "يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء ": يهدي الله للأئمة (عليه السلام) من يشاء"[9].
بقي تأويل المشكاة التي هي بيت النّور ومصدر انبعاثه، ومنطلق ضيائه فما المراد بالمشكاة؟ يجيب الإمام الصّادق (عليه السلام): " مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ": فاطمة (عليها السلام)[10].
وفي الإطار ذاته ورد عن عليّ بن جعفر (رض) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن قول الله عزّ وجلّ "كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ"، قال: "المشكاة فاطمة، والمصباح الحسن، والحسين الزّجاجة، كأنّها كوكب دريّ قال: كانت فاطمة كوكباً دريّاً من نساء العالمين، يوقد من شجرة مباركة الشجرة المباركة إبراهيم لا شرقيّة ولا غربيّة لا يهوديّة ولا نصرانيّة، يكاد زيتها يضيء قال (عليه السلام): يكاد العلم أن ينطق منها ولو لم تمسسه نار، نور على نور قال: ابنها إمام بعد إمام يهدي الله لنوره من يشاء قال (عليه السلام): يهدي لولايتهم من يشاء[11]".
وورد عن الكابليّ: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن قول الله عز وجل:" فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنّور الَّذِي أَنزَلْنَا "[12] فقال: "يا أبا خالد, النّور، والله، الأئمّة من آل محمد "ص" إلى يوم القيامة، وهم, والله, نور الله الذي أنزل. وهم، والله، نور الله في السماوات وفي الأرض. والله، يا أبا خالد, لَنُور الإمام في قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنّهار. وهم والله ينورّون قلوب المؤمنين، ويحجب الله عز وجل نورهم عمّن يشاء, فتضلّلهم قلوبهم. والله يا أبا خالد, لا يحبّنا ويتولاّنا حتى يطهّر الله قلبه, ولا يطهّر الله قلب عبد حتى يسلّم لنا, ويكون سلماً لنا, فإذا كان سلماً لنا سلّمه الله من شديد الحساب، وآمنه من فزع يوم القيامة الأكبر"[13].
وورد في الزيارة الجامعة: "خلقكم الله أنواراً، فجعلكم بعرشه محدقين"[14]،
وورد في زيارة الإمام الحسين: "أشهد أنَّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة"[15]، وورد في زيارة الإمام الكاظم(عليه السلام): "السلام عليك يا نور الله في ظلمات الأرض"[16]،
وفي هذا المعنى أنشد الشاعر:
هم النّور نور الله جل جلاله هم التّين والزّيتون والشفع والوتر
فاطمة (عليها السلام) النّور
انسجاماً مع ما تقدّم ورد عن رسول الله (ص): " ...ونور ابنتي فاطمة (عليها السلام) من نور الله"[17]، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إن الله سبحانه لما خلق إبراهيم (عليه السلام) كشف له عن بصره، فنظر فرأى نوراً إلى جنب العرش، فقال (عليه السلام): الهي، ما هذا النّور؟ فقيل له: هذا نور عليّ بن أبي طالب عليه السلام ناصر ديني. ورأى إلى جنبه ثلاثة أنوار، فقال (عليه السلام): الهي، وما هذه الأنوار؟ فقيل له: هذا نور فاطمة (عليها السلام) فطمتُ محبَّها من النار، ونور ولديها الحسن والحسين عليهما السلام. فقال (عليه السلام): الهي، وأرى تسعة أنوار قد حفّوا بهم، قيل: يا إبراهيم هؤلاء الأئمة من ولد عليّ وفاطمة (عليها السلام) [18]".
[1] سورة النّور، الآية 35.
[2] المجلسي, محمد باقر، بحار الأنوار, ج64, ص 142.
[3] ابن طاووس، علي، إقبال الأعمال، ج3، ص337.
[4] الراوندي، قطب الدين، الدّعوات، تحقيق ونشر مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ط1، قم، 1407هـ، ج1، ص208.
[5] سورة الصف، الآية 8.
[6] سورة النّور، الآية 35.
[7] الكليني، محمد، الكليني، ج1، ص480.
[8] الكليني، محمد، الكليني، ج1، ص480.
[9] المصدر السابق نفسه.
[10] المصدر السابق نفسه.
[11] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج23، ص316.
[12] سورة التغابن، الآية 8.
[13] الكليني، محمد، الكافي، ج1، ص194.
[14] المجلسي، محمد تقي، روضة المتقين، (لا،ط)، قم، بنياد فرهنك، (لا،ت)، ج5، ص484.
[15] ابن طاووس، علي، إقبال الأعمال، ج2، ص590.
[16] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج102، ص14.
[17] المصدر السابق، ج15، ص10.
[18] البروجردي، حسين، جامع أحاديث الشيعة، ج5، ص133.